دوريات - قضايا استراتيجية
اي تأثير للمتيافيرس على مستقبل الانسان في العصر الرقمي ؟

: 399
السبت,12 فبراير 2022 - 05:20 ص
كتب د. عادل عبد الصادق*
المصدر ،مجلة آفاق مستقبلية العدد 2 ، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ، مجلس الوزارء المصري ، يناير 2022 ص ص 401-409

شهد عام 2021 اطلاق مشروع "ميتافيرس " من قبل شركة "فيسبوك" والتي تغير اسمها فيما بعد الى "ميتا" ايذانا ببدء التطبيق الفعلي له وضخت فيه ما يقدر بـ 50 مليون دولار ، واعقب ذلك اعلان عدد من الشركات التقنية الكبري دخولها الى هذا المجال الجديد، ويستهدف "ميتافيرس " تطوير بيئة رقمية تفاعلية تجري بالتوازي مع العالم المادي ، ويأتي هذا في ظل تصاعد اتجاه الدمج بين البعد المادي والرقمي والبيولوجي للانسان وتحويلها الى معطيات وبيانات ذات ابعاد استراتيجية .ويطرح ذلك العديد من التساؤلات حول ماهية ميتافيرس وخصائصة ومكوناته وطبيعة البيئة الافتراضية التي سيوفرها ؟وما هو تاثيرها في انماط التفاعل والسلوك والقيم والمصالح وما هو انعكاسها على العالم المادي ؟ ومن هم الفاعلين الجدد في تلك البيئة الرقمية ؟ وما هي طبيعة التحديات التي يفرضها ميتافيرس وما هي فرص مواجهتها ؟ وكيف نحافظ على حقوق الانسان الرقمية في ظل التاثير المحتمل على الفرد والمجتمع والدولة ؟ و ما هو تاثير ميتافيرس على مستقبل الاقتصاد والانترنت وعلى الصراع الدولي حول بناء براديم جديد للبيئة الرقمية ؟

اي تأثير للمتيافيرس على مستقبل الانسان في العصر الرقمي ؟
اضغط للتكبير

اولا ، الانترنت وتحول "البراديم"الحاكم للتشغيل

خلال العقدين الاخرين طرأت تحولات مهمة لشبكة الانترنت عبر اجيال ثلاثة كان يمثل الجيل الاول وجود درجة من افتقاد المرونة والتركيز فقط على مجرد نقل المعلومات واتاحتها للاطلاع من مكان الى اخر ،وكان من ابرزها المواقع الالكترونية والمنتديات وغرف الدردشة والمدونات ، وجاء الجيل الثاني بالقدرة على التفاعل مع البيانات والمحتوى الذي يمكن الاطلاع علية،ونشره بسرعة اكبر مع التطور في الخوادم ومراكز البيانات مثل تطبيقات الشبكات الاجتماعية واليوتيوب والهواتف الذكية.وجاء الجيل الثالث ، للشبكة عبر التحول الى الانترنت اللامركزي وعدم الاعتماد على احتكار الشركات التقنية الكبري وادراتها من قبل اشخاص او مشغلين اخرين،وتعتمد بشكل اكبر على تطبيقات الذكاء الاصطناعي والطابعات ثلاثية الابعاد وتطوير نظارات الواقع الافتراضي ودمج الحواس في التفاعل عبر المنصات الرقمية .

وبات يعاني واقع شبكة الانترنت من وجود تحديات تتمثل في وجود درجة من التعقيد التقني الذي يحول دون فهم طبيعة التحديات واتجاهاتها ، وتصاعد دور الشركات التقنية الكبري والهيمنة على البيانات الشخصية للملايين ، وباتت تعاني الشبكة من غلبة الابعاد الاقتصادية والتجارية على معالجة القضايا الجوهرية،والتعرض لحملات تخريبية واسعة وعابرة الحدود ،ومن جهة اخرة تنامي صراع سياسي واستراتيجي بين القوى الصاعدة في النظام الدولي والولايات المتحدة ،وانعكاسه على الفضاء السيبراني والمعاناة من تضارب نظرية الفوضي مقابل التنظيم والعولمة مقابل البلقنة .

ودفعت تلك المتغيرات وغيرها للبحث عن مستقبل الشبكة والذي سيتم بنائها وفق الاهمية الاستراتيجية التي باتت تمثلها ، وعلى تصاعد  دور الاقتصاد الرقمي والتجارة الالكترونية في القوة والنفوذ الدولي .

وياتي الى جانب ذلك متغيرات تقنية مهمة تتعلق بحقيقة تحول العالم الافتراضي الى واقع وليس مجرد خيال علمي ، وجاء ذلك مدفوعا بالتطور الهائل في شبكات الاتصال مثل الجيل الخامس والسادس والتي تمثل بنية تحتية رقمية تستطيع ان توفر السرعة والكفاءة والاستيعاب لكافة الاستخدمات البشرية ،والتعامل بشكل اسرع مع معالجة الجرافيك والصور الرقمية والرسوم في الوقت الفعلي ،والخدمات السحابية وتطبيقات التشفير والهوية الرقمية ،ومواجهة المشكلات التقنية  امام توسع شبكة الانترنت ، وتطور مشروع بقاء المعدات او الاجهزة كوسيط لعملية الاتصال محدودة من خلال تطوير نظام اتصال فعال قائم على عملية الدمج بين  الجهاز العصبي والأفكار والأجهزة التكنولوجية وهي من شانها ان توظف الحواس في عملية الاستخدام داخل ميتافيرس وليس السمع او البصر.

ثانيا ، خصائص  ومكونات مشروع ميتافيرس  

 

  تصاعد  البعد الرقمي في التفاعلات الانسانية في  ظل تداعيات كوفيد 19 ووجود ثلثي البشرية يستخدمون الانترنت بينما بقي الثلث الاخير خارج العتبة وعلى الرغم من وجود تلك الفجوة ،الا انه باتت هناك حالة من انتشار تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة،وانتقلت بذلك الفجوة من كونها اتصالية الى ابعاد معرفية وابتكارية وتقنية ،وهو ما كان من شأن ان اضاف ابعاد جديدة للقوة والثروة مع تصاعد دور تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وبرز اتجاه الدمج بين ما يسمى" الواقع الافتراضي" VR "و"الواقع المُعزَّز"  ARوالواقع الممتد XR .وهو الامر الذي مهد بدوره لاطلاق مشروع ميتافيرس ،والذي يقوم على سبع عناصر هي البنية التحتية مثل الخدمات السحابية وشبكات الجيل الخامس،وارتداء اجهزة مساعدة مثل نظارات الواقع الافتراضي،واللامركزية مثل استخدام سلسلة الكتلة والذكاء الاصطناعي ،والحوسبة المكانة مثل الرؤية ثلاثية الابعاد ، والاقتصاد الابداعي ، بتعزيز القدرة على التصميم وبناء الاصول الرقمية والتي تتحول الى التبادل في التجارة الالكترونية ،واكتشاف وبناء المحتوى المحرك للتفاعل مثل الاعلانات الرقمية ، وتجارب تطبيقات الواقع الافتراضي مثل الالعاب او العمل او الفاعليات او التسوق او التعليم.  

وفيما يتعلق بخصائص "ميتافيرس" فانها تعبر عن ظهور بيئة افتراضية واحدة ، ولا يمكن لشركة او شخص واحد ان يمتلكها او يسيطر عليها ،ومفتوحة لاي شخص او فاعل ، ووجود جهاز مستقل للتفاعل عبر ميتافيرس ، ويمكن لجميع المستخدمين ان يمتلكوا القدرة على التاثير فية، والاتاحة المستمرة للاستخدام دون الاعتبار لحاجز الزمان والمكان،وتفاعل المشاركين مع بعضهم او مع البيئة الافتراضية في الوقت الفعلي كما يتم في العالم المادي .وتسجيل دخول الجميع في وقت واحد ودون حد أقصى ، ولا يمكن التمييز بين حالة الاتصال او غير الاتصال بما يجعل هناك عدم فصل بين ميتافيرس والجانب المادي .

وفيما يتعلق بالاقتصاد والتبادل التجاري: سيتمكن المشاركون - بما في ذلك الشركات - من توفير السلع والخدمات مقابل القيمة التي يعترف بها الآخرون او ان يتم التعامل مع الاصول الرقمية وفق تطبيقات الرموز المميزة غير القابلة للاستبدال ، والعملات المشفرة ،وسلاسل الكتلة، واستخدام العناصر الافتراضية الخاصة او بناء بيت افتراضي او شراء ارض وبتبادلها مع الغير أو المشاركة افتراضيا في فاعليات كحفلات او مؤتمرات او محاضرات.

 ويكشف ذلك عن عدم الحاجة الى تطبيقات وسيطة للتفاعل مثل خدمات البريد الالكتروني او تطبيقات التواصل عن بعد او الشبكات الاجتماعية ،او عبر الهواتف الذكية او الكمبيوتر ،حيث سينتقل التفاعل من طبيعة رقمية -مادية الى رقمية بحته.للحصول على الخدمات .

 

ثالثا ، ميتافيرس وفرص بناء بيئة رقمية جديدة

 

 ساهمت شبكة الانترنت في قيام تفاعلات اجتماعية بدون ان يكون هناك وجود مادي عبر العديد من التطبيقات مثل الشبكات الاجتماعية ، ويتم استخدام صور او بيانات شخصية للتعبير عن الذات ، في حين يتيح ميتافيرس امكانية ان يجسد الشخص بكامل هيئة عبر صياغة شخصية افتراضية تعبر عنه ، ويمكن لها الحضور والتفاعل ، وهو الامر الذي يجذب الافراد لشكل جديد من صورتهم وهويتهم . ومن ثم فان ميتافيرس ليس مجرد سماعة رأس VR ،بل انها تعبر كذلك عن منصة رقمية جديدة تحول المحتوى الرقمي الى صورة ثلاثية الابعاد ويتم دمجها في العالم المادي ،ويتيح ذلك تجسيد الشخصة بصورة رقمية سواء اكان حيا او بعد الوفاة للعب دور ما يرتبط بدوافع من يقف وراء الاستخدام ، و ياتي الى جانب ذلك امكانية وجود بشر رقميون يتم تشكيلهم عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي ، ويقومون بوظائف مثل خدمة العملاء وهو ما من شأنه ان يحدث نقلة نوعية في علاقة المستهلك بالشركة او بالمنتج مع امكانية تحدثهم اي لغة واتاحتهم المستمرة على مدار اليوم .

ويجذب ميتافيرس الشركات والافراد والدول للبحث عن الدور و الاستثمار فيه وفي استخدام التطبيقات المختلفة له ، وذلك مثل التعليم والذي سيصبح أكثر جاذبية من مؤتمرات الفيديو وغيرها ،وستدعم تقنيات ميتافيرس كذلك صناعة الاعلام وتوفير محتوى غير تقليدي للتعبير عن القضايا او الاحداث او الافكار . 

وتتيح تطبيقات الواقع الافتراضي للفرد ان يعيد تشكل نفسة وفق رؤية الذاتية، ويعيد تشكيل البيئة التي يعيش فيها مثل البيت او المنزل ، القيام بالذهاب الى العمل او بالسفر او بالتسوق داخل البيئة الافتراضية . وسيكون لميتافيرس تاثير قوى في الاقتصاد  وخلق النمو عبر انتاج مصالح جديدة داخل تلك البيئة الرقمية ، وهو ما يترجم الى شكل جديد من اشكال تكوين الثروة وانتقالها وتخزينها .

ومن ثم فان ميتافيرس لا يعبر فقط عن نسخة منقحة من الواقع الافتراضي بل قد يصبح هو مستقبل الإنترنت ومساهما في اعادة بناءة ، ومحدثا تغير جذري في طبيعة البنية التحتية الرقمية ، وهو الامرالذي حمل معه تأثيرات على العالم المادي وطبيعة عمل الخدمات والمنصات التي يعتمد عليها الملايين من المستخدمين  .

 

رابعا ، تحديات مشروع ميتافيرس للفرد والمجتمع والدولة

 

انعكس التغير الكمي الذي احدثته الثورة الصناعية الرابعة  في احداث تغير اخر كيفي في نمط العلاقات الانسانية وفي طبيعة القضايا محل الاهتمام ،وعلى قدر ما كان ذلك فرصة للتقدم الانساني الا انه يمثل تحديات جديدة تتوقف طريقة التعامل معها على فهم طبيعة تلك التقنيات الجديدة ، ويمثل ميتافيرس احد انماطها والذي سيكون له تأثير في عادات وقيم وسلوك الملايين من البشر ، وسينتقل هذا التاثير من البيئة الافتراضية الى الواقع المادي ، وتؤثر على العلاقات الاجتماعية والثقافية،ويؤدي الوصول إلى الأدوات الرقمية إلى تفاقم التمييز بين الأشخاص القادرين على تحمل تكاليف الأدوات واستخدامها وأولئك الذين لا يستطيعون ذلك. بما يخلق بدورة فجوة جديده تؤثر في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ،

وتوجد مخاوف حول ماهية دور ميتافيرس في طبيعة العلاقات الانسانية وتراجعها ،وتحمل المجتمع لأعباء ومخاطر جديدة ترتبط بالمخاطر النفسية وتهديدات الامن والخصوصية للافراد،وتنامي الجريمة السيبرانية عبر البيئة الافتراضية،ومخاطر الهيمنة من قبل الشركات المشغلة لتطبيقات ميتافيرس مثل الشركات التي تعمل في مجال الالعاب والشبكات الاجتماعية والموسيقي والتصميمات الفنية. والتي سيكون لها دور في التاثير الوجداني والمعرفي والادراكي والسلوكي للملايين من المستخدمين بما يجعلهم عرضة لتشكيل اتجاهاتهم وميولهم ومواقفهم ،  

  وستجذب تلك البيئة الجديدة الجماعات المتطرفة سواء عبر تعزيز نشاطها بين المستخدمين بحثا عن التجنيد اوعبر توفير موارد جديدة للتمويل عبر تجارة الاصول الرقمية،او بقيام دول بدعم وتحريك مجسمات او افكار او قيم تخدم سياستها الخارجية ،او ان تستخدم كوسيلة لهدم دول اخرى،  ناهيك عن التجسس وبخاصة مع توفر بيانات شاملة تجمع بين الجانب الحيوي والمادي للمستخدم. من قبيل ان بيانات الواقع الافتراضي هي بيانات بييومترية، وسيتم تسجيل كل حركة للبشر داخل هذه البيئة. وذلك  مع تحدي تطبيق قوانين حماية البيانات الشخصية والخصوصية في البيئة الافتراضية. 

وهناك تحدي  فض المنازعات التي قد تنشأ في البيئة الرقمية الجديدة وبخاصة ان عملية انفاذ القانون او التوجية قد تخرج من سلطة الدولة الى فاعلين اخرين عبر الحدود الى جانب ضعف السيطرة على الافكار والقيم التي يتم الترويج لها عبر ميتافيرس،وستعمل هذه التحولات الرقمية في احداث تحول عميق داخل المجتمع والذي سيكون ركيزته الفرد حيث ستتغير نظرته الى ذاته والى الاخر والى الكون من حولة ، وسهولة التعرض للتزيف العميق وانتشار المعلومات المغلوطة وانتهاك الخصوصية من قبل فاعلين خارج المسئولية القانونية او الملاحقة حيث سيكون الفاعلين مجرد "مجسمات رقمية رمزية " ،

 

خامسا ، صراع السيطرة على ميتافيرس بين الشركات والقوى الكبري

 

ان اتجاه التيار الانساني المحافظ  لمعارضة التقنيات الجديدة هو امر محمود ولكن يتوقف قوته او ضعفة على نمط الاستخدام لها ، ويرتكز ذلك  على ما يمكن تكوينة من حركة الوعي العالمي بالمخاطر والفرص لدى الفرد والمجتمع،ويمثل هذا التيار قوة ضغط مهمه في المستقبل لدعم عملية الانتقال من الفوضى الى التنظيم باسرع وقت وبخسائر اقل، ولحين ذلك سيكون هناك فاعلين ومتفرجين ومترددين ومن يستطيع ان يمتلك الرؤية والقدرة على الابداع والفهم والتبني السريع سيكون هو  القادر على تحقيق المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية ،

ويشكل ذلك دوافع ظهور صراع مبكر بين الشركات والدول في امتلاك تطبيقات الميتافيرس على النحو الذي كان ابان اوئل التسعينات حيث كان السباق محموما للدخول الى الانترنت،والى جانب شركة "ميتا" اعلن عدد اخر من الشركات اتجاهها للاسثمار في ميتافيرس مثل ابل وماكروسوفت وبيادوا الصينية.

وبدا تسابق متزامن في رصد ميزانيات للتطوير وجذب المبرمجين والمهندسين والاعلان عن وظائف جديده ،وهو ما ياتي في اطار كون ميتافيرس مشروع قابل للبناء والتطوير  هو ما يجعلة مفتوحا امام الاستثمار والابتكار من كافة الفاعلين .

وهناك سبع شركات عالمية يتوقع ان يكونوا من اوائل الفائزين من الدخول للميتافيرس وهم شركتي (Meta) /SNAP  واللتين تعملان على تطوير اجهزة الدخول على ميتافيرس ، وشركة (RBLX والتي بدأت اتخاذ خطوات مبكرة نحو ميتافيرس ،وشركة (TTWO والتي تعمل على تطوير الالعاب الالكترونية ، وشركة EA للفنون الرقمية ، وشركة ATVI ، والتي تعد واحدة من اهم الرواد في ميتافيرس وهناك شركة  WMG للموسيقى ، وهذه الشركات قد تعمل في اطار تحالف يلبي عملية بناء ميتافيرس واحد ومفتوح للجميع . 

وقد يأخذ تطوير ميتافيرس خمس سنوات قادمة ، ويتم خلال ذلك اطلاق مبادرات وتجارب تطبيقية بدون وجود  قواعد او اسس واضحة للتشغيل او تعمل على تنظيم العلاقة بين الفاعلين من خلالة ، او تضع تنظيم ما بين المستهلكين الذي سيتوجهون عبر تلك البيئة الجديدة بغية التحرك بحرية في بناء الاصول الرقمية والتفاعل،والمطورون الذين يقدمون ادوات وتطبيقات رقمية جاهزة للتداول ومواجهة المشكلات التقنية التي يمكن ان تواجه المستخدمين ، ومن ثم سيكون هناك صراع حول من يفرض "قواعد" اللعبة و هل هم الدول ام الشركات المشغلة ام المجتمع الدولي .

وستعيد ميتافيرس اعادة انتاج فجوة رقمية جديدة ليس فقط بين من يملك القدرة على الاتصال وغيرهم بل بين من يملك تلك التقنيات المتقدمة ومن لا يملكها ،وسيكون لذلك انعكاس على قوة ونفوذ الدول، والتي ستعمل من خلال شركات بشكل مباشر او غير مباشر ، وتحول ميتافيرس  لمنصة استراتيجية للدول للتعبير عن مصالحها وقيمها وتوجهات سياستها الخارجية،ويتوقع ان تنتقل حالة التوتر الدولي بين القوى الدولي حول المصالح المادية الى توتر اخر حول موارد ميتافيرس الرقمية في اطار دورها في تكوين الثروة والنفوذ.

 وان كانت "ميتا" الامريكية صاحبة المبادرة في اطلاق المشروع الا ان هناك اهتمام دولي اخر ، ويمكن ان تحزر الصين تقدما سريعا استنادا على ما تملكة من تقنيات تطوير شبكات الجيل الخامس والسادس ، وناهيك عن دورها في مشروع طريق الحرير الرقمي وصناعة اشباه الموصلات ،ومن جهة اخرى فإن فرص التعرض لانقطاع الخدمات او عطل الاجهزة سيحدث صدمة اجتماعية واقتصادية وبخاصة في ظل توقع سيطرة قلة محتكرة من الشركات التقنية الكبري علي الميتافيرس ، وعلى الرغم من اتاحة الفرصة امام الدول الصغري للعب دور الا انها ستظل محكومة بطبيعة التوازن الدولي وقدرتها على خلق صناعة رقمية مستقلة او بتعزيز امتلاكها لمميزات نسبية في تلك الصناعات التي تخدم عمل الميتافيرس . الا ان تلك الفرصة قد لا تتاح الى باقي دول العالم بما يعزز من تكريس الفجوة الرقمية ومن السيطرة والهمينة الرقمية من قبل قوى خارجية ،  وقد يتم تعزيز استخدام ميتافيرس في الترويج للقيم العالمية المتربطة بمصالح قوى دولية سواء كانت شركات او دول . وبخاصة اذا تم توظيف ميتافيرس في دعم الدبلوماسية الناعمة عبر تدشين سفارات افتراضية ستقلل من التكلفة وستعزز من الدور والنفوذ.

 

سادسا ،  نحو  حوكمة ميتافيرس والحفاظ على حقوق الانسان  

في البحث عن طرق للجم جماح الثورة الرقمية وجعلها اكثر انسانية واخلاقية ، فان هناك ثمة فجوة بين التطور التقني  من جهة والقانون والاخلاق من جهة اخرى . وهو ما يتطلب ان يتم وضع معايير لحقوق الانسان في ظل ما تفرضة ميتافيرس من متغيرات جديدة ،والتي تفرض ليس فقط احترام حقوق الانسان بل كذلك بامتداد تطبيقها داخل بيئة التعاملات الرقمية بداخل الميتافيرس ،وهو ما يفرض ان يكون المشرعين والساسة على يقظة بتلك التحديات الجديدة ، وان يتم فرض مسئولية الشركات الكبري عن حماية حقوق الانسان الرقمية،ومكافحة التجسس وانتهاك الخصوصية،و مواجهة تحدي تنظيم عملية استخدام البيانات الشخصية

وهو الامر الذي يفرض على الحكومات تحديث الاطر التشريعية لجعلها اكثر ملائمة للتطبيق في البيئة الافتراضية التي تتيحها ميتافيرس ، وان يشمل ذلك جمع ومعالجة البيانات التي تتم عبر انظمة الواقع الافتراضي ، وبخاصة انها الاكثر شمولية بجمعها بين ذات الطبيعة البيومتيرية والرقمية والشخصية ،فضلا عن ارتباطها بالافكار والعواطف والميول والصحة العقلية ،وأهمية العمل على تطوير طرق انفاذ قوانين حماية البيانات الشخصية داخل ميتافيرس ، ومنع احتكار مجموعة من الشركات لموارده مثل البنية التحتية والاجهزة وضمان الحافظ علية مفتوحا امام مشاركة الجميع وحماية المنافسة،ومنع شعور المستخدمين بأنهم محبوسين في منصة معينة.

 و تقع على عاتق الشركات مسؤولية دعم حقوق الإنسان وفقا للمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة ، وان تكفل الحكومات  تطبيق المبادئ الدولية الثلاثة عشر بشأن تطبيق حقوق الإنسان على مراقبة الاتصالات، وتوسيع نطاق الحماية القانونية لتشمل أنواعا أخرى من البيانات، مثل البيانات النفسية والسلوكية ،و.يجب على الشركات أن تتعهد علنا بأن تطلب من الحكومات الحصول على الإجراءات القانونية اللازمة للوصول إلى بيانات الواقع الافتراضي XR، وإخطار المستخدمين عندما يسمح القانون بذلك،

ورسخت متغيرات العصر الرقمي رؤية الانسان مجرد رقم او نشاط او بيانات شخصية او معدة استهلاكية واصبح يحرك ذلك اقتصاد السوق ومصالح الشركات التقنية الكبري ،والتي تسعى الى تراكم رأس المال والتوسع في السوق على حساب منفعة الانسان الحقيقية.

ان بناء أرض "التخيل" تلك داخل "ميتافيرس "  ستتيح للفرد لا ان  يعيش في عالم افضل او "يوتوبيا" جديدة بل انها ستكون  انعكاسا للحياة بخيرها وبشرها، ومن ثم يصبح من الواجب العمل على الحد من التاثيرات السلبية لميتافيرس وتعزيز  فرص توظيفها لخدمة الانسانية ،

وخلال العقدين الاخرين ترسخت عدد من المعتقدات الخاطئة التي رسختها مصالح الشركات التقنية الكبري التي ركزت على التوسع في السوق لزيادة ارباحها بغض النظر عن تبعات ذلك على المجتمع الانساني ، والتي كان منها  ان حل المشكلات الناتجة عن التكنولوجيا هو في مزيد من التكنولوجيا ،وان التقدم التكنولوجي مرادف للرقي الاجتماعي ،وان التقدم التكنولوجي  "متغيرا مستقلا"،وان المجتمع "متغيرا تابعا"،ومن ثم  يجب عدم النظر إلى التكنولوجيا أو ما يصاحبها من مشكلات باعتبارها قوى خارجيّة لا يمكن للإنسان التحكم بها، ومن ثم فانه لن يشعر بالحرية والانسانية معا الا اذا تمكن من امتلاكها والسيطرة على مسارها ، وان يكون الهدف من ورائها  هو جعل العالم اكثر بشرية وتحرير الاراده المستقلة للانسان وليس بدخوله عصر عبودية جديد يفقد فية حريته وسعادته وصلته بالطبيعة وبالانسان الاخر.

*مدير مشروع المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني

 

 

اقرأ ايضآ

  • لماذا تفشل المدن الذكية وكيف ننقذ مستقبلها؟
  • نحو مخططٍ استراتيجي لبناء الاقتصاد الرقمي العربي
  • نحو سياسات واجندة وطنية لصياغة المستقبل الرقمي للعالم العربي
  • التبني المتسارع للذكاء الاصطناعي وصنع السياسات العامة – الإمارات نموذجا
  • الصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية والأمن الفضائي
  • فيسبوك
    تعليقات


    خريطة طريق لتوظيف التكنولوجيا في حفظ المناخ بأفريقيا
    تؤكد الدراسات المتخصصة أن أفريقيا نجحت في تكرار النجاح الذي حققته في قطاع المناخ، عبر توظيف تكنولوجي

    صرخة ضد العملات المشفّرة
    على الرغم من الزعم بأن عدداً من المستثمرين الرزينين انخرطوا في العملات المشفرة فإنني لا أزال أرفض أخ

    الزراعة الذكية والأمن الغذائى
    فى 21 مايو الماضى افتتح الرئيس السيسى مشروع مستقبل مصر للإنتاج الزراعى، والذى بدأ العمل فيه منذ ما ي

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
     
        
    التاريخ