i_icon/   phone_icon   site_map
مقالات

المقالات -
الأطفال والمراهقون والمنصات الرقمية

: 19
الاثنين,9 فبراير 2026 - 03:27 م
د. عادل عبد الصادق
الاهرام 9 فبراير 2026

على الرغم من التأثيرات الإيجابية للمنصات الرقمية فإنها حملت معها تأثيرات سلبية متصاعدة على الفرد أو المجتمع أو الدولة، والتى دفعت العديد من الحكومات لتبنى تطبيق السيادة السيبرانية تجاهها، وذلك فى محاولة لحوكمتها خاصة لمنع تأثيراتها الضارة بين فئة الأطفال والمراهقين والشباب، والذين أصبحوا الأكثر استخدامًا وتعرضًا لتأثيرات المنصات الاجتماعية، وتسهم فى تشكيل رؤيتهم لذاتهم وللآخر وللعالم من حولهم، والتى تترك تأثيرات ليس فقط على واقعهم بل كذلك على مستقبلهم، وينتقل التأثير إلى المجتمع الذى يعيشون فيه، وليشكلوا بذلك الحلقة الأضعف فى فرص الحماية من التهديدات السيبرانية.

الأطفال والمراهقون والمنصات الرقمية
اضغط للتكبير

وتقوم تلك المنصات الرقمية بجذبهم عبر المحتوى المرتكز على الصور والفيديوهات القصيرة والمتوالية، واستخدام للخوارزميات فى زيادة استهلاك المحتوى. وهو ما يحمل معه تأثيرات سلبية على المستوى النفسى والعقلى والجسدى، ويسهم فى التغير فى القيم والسلوك لدى تلك الفئات، وشعورهم بالعزلة أو الاكتئاب، والتنمر الإلكترونى، والشعور بعدم الرضا عن الذات، وزيادة الإرهاق والإدمان الرقمى والتشتت العقلى، وتراجع مهاراتهم الاجتماعية ،وكذلك الفكرية عبر تحول المنصات إلى مركز للمعرفة لديهم، بما يؤثر فى تشكيل العقول والقلوب، وفى ظل فجوة من التعامل الثقافى والقيمى، وتراجع دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية. وخطورة قيام دول أو جماعات مغرضة فى توظيف تلك المنصات فى شن الحروب النفسية وإعادة تشكيل الرأى العام.

واستخدام المنصات الرقمية فى إحداث حالة من التغيير المعرفى من خلال تلقى محتوى مؤطر، ثم التحول إلى استخدام ذلك فى التأثير الوجدانى عبر التأثير العاطفى أو الدينى، ثم الانتقال إلى التأثير القيمى الذى يترسخ بتبنى ما يرونه من حقائق مطلقة، ثم تأتى المرحلة التى يمكن أن تكون الأخطر وهى التأثير السلوكى، ويمثل ذلك إستراتيجية التغيير التى يمكن أن تستخدم كذلك فى إحداث تغييرات إيجابية. وخطورة سيطرة المحتوى الرديء على المنصات الرقمية التى ركزت فى البداية على تقديم خدمات جذابة يتم الاعتماد عليها بشكل متصاعد، والاتجاه إلى الحد الأدنى من الإعلانات لزيادة الانتشار، ثم قامت تلك المنصات فى مرحلة لاحقة بتوظيف الخوارزميات فى الترويج للمحتوى وتقديم خدمات للمعلنين، وذلك لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة فى السوق على حساب السلامة، وقيامها بممارسات احتكارية، وتعزيز غياب البدائل أمام المستخدمين. وتصاعدت تحديات جديدة مع دور الذكاء الاصطناعى التوليدى فى التزييف العميق، ونشر الشائعات والتأثير فى توجهات الرأى العام، وخطر دفع زيادة التنظيم والحوكمة إلى هجرة بعض الشباب والمراهقين إلى المنصات الأخرى الأقل شهرة وحوكمة، ولكنها تقدم نفس الخدمة، وتشفيرًا وخصوصية أكبر، والتوجه إلى منصات الألعاب الإلكترونية وغيرها، وطبيعة الفجوة المعرفية بين الأجيال الجديدة والأسرة من جهة، والنقص فى الوعى القانونى بما يمكن أن يدخل فى الجريمة أو يعاقب عليه القانون من جهة أخرى.

وفى محاولة لتفادى الضغوط الحكومية، لجأ عدد من المنصات الرقمية إلى تبنى سياسات للمحتوى، وتقوم على أساسها حذف أو حجب المحتوى الذى يتعارض مع سياسات المجتمع لديها. ومن جهة أخرى، أُتيحت الفرصة للمستخدمين لتقديم بلاغات للمنصات بشأن محتوى معين أو حساب محدد، ولكنها كشفت عن طبيعة الاختلاف الثقافى بين ما تفرضه تلك المنصات من سياسات للمحتوى وما بين ما يراه المجتمع مخالفًا لقيمه الثقافية. وفرض تلك التأثيرات أهمية حوكمة المنصات الرقمية، ونما تيار قوى عالمى لفرض التنظيم كان له استجابات وطنية وإقليمية، والتى ترتكز على كونها شركات عابرة للحدود. وفى سبيل السعى إلى تنظيم العلاقة بين المنصات وسياسات المحتوى، سعى العديد من الحكومات إلى تبنى تطبيقات للسيادة السيبرانية على المستوى التقنى والتشريعى والسياسى والأمني.

واتجه العديد من الحكومات إلى تبنى أطر تشريعية لحماية المراهقين والشباب من المنصات الرقمية، لحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، وفرض غرامات مالية عليها، والتى استهدفت تحويل البيئة الرقمية إلى بيئة آمنة، ومن ثم تعزيز الثقة فيها، والسعى إلى تقنين الاستخدام للمنصات الرقمية بين تلك الفئات الأضعف، أو أن يتم حظر الاستخدام دون سن 16 عامًا عبر التجريم، أو عبر موافقة الآباء على الاستخدام، وتبنى تطبيقات الهوية الرقمية التى يتحقق بها من العمر قبل الاستخدام.

ولا تنفصل تلك الجهود عن سن تشريعات جديدة للتعامل مع المنصات الرقمية وإلزامها بتعديل الخوارزميات التى توجه المحتوى وتجذب انتباه المستخدمين إلى ما لا نهاية، وتبنى سياسات جديدة لمنع الإدمان أو الاستغراق الرقمى عبر التنبيه بالوقت المستهلك. وتفعيل قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية وتعديل قانون الطفل لإدخال هذه المخاطر الجديدة، إلى جانب أهمية الوعى عبر المبادرات المختلفة لتعزيز سلامة الأطفال والمراهقين عبر الإنترنت، وتعزيز التكوين المعرفى والشخصى للفرد كركيزة لمواجهة التحديات، وهو ما يعكس أهمية توجه الدول المصرية لتبنى برامج لبناء القدرات والمهارات الرقمية، وأهمية الأنشطة الاجتماعية والثقافية، والتى ستحول دون استغراقهم الرقمى، وأهمية دور الأسرة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة.

وعلى الرغم من أن الحجب أو المنع ليس حلاً للمواجهة، ولكنه يتطلب فهماً ووعياً مجتمعياً لتحويل تلك المنصات إلى فرصة وليس إلى خطر، والتركيز على الجانب الوظيفى لها وليس الطابع الاستهلاكى.


Share/Bookmark

accr2024

  • مراكز الفكر والذكاء الاصطناعي والظاهرة الإرهابية: نحو مواجهة عربية مستدامة
  • الخليج والبحث عن التوازن الإقليمي في قدرات الذكاء الاصطناعي .
  • ما تأثير الذكاء الاصطناعي على العملات الرقمية؟
  • الذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للشراكة الجديدة السعودية - الأميركية
  • كيف تعمل الحسابات الآلية المبرمجة على توجيه الرأي العام؟
  • Facebook
    Comments
    el-doo2_text/
    accr2024/


    الأطفال والمراهقون والمنصات الرقمية
    على الرغم من التأثيرات الإيجابية للمنصات الرقمية فإنها حملت معها تأثيرات سلبية متصاعدة على الفرد أو

    الخليج والبحث عن التوازن الإقليمي في قدرات الذكاء الاصطناعي .
    تشهد منطقة الخليج تحولاً كبيراً في مجال الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى تبني الاستراتيجيات الوطنية

    الإعلام الخارجى للدولة فى العصر الرقمى
    أحدثت الشبكات الاجتماعية تحولات فى الخطاب الرسمي، ونقلته من الميادين والساحات المفتوحة إلى المنصات ا

    hama
    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    الى اي مدى انت راض على اداء المنصات الرقمية في الحرب على غزة ؟
    راضي
    غير راضي
    غير مهتم
     
        
    التاريخ