وفي المقابل قامت إيران بقصف القواعد العسكرية في الخليج، وفي توجيه ضربات إيرانية مستهدفة المنشآت المدنية في الخليج تحت دعوى احتوائها على عسكريين أمريكيين مشاركين في العدوان عليها. ودخل مجال الطاقة وسلاسل الإمداد خريطة الصراع، وهو ما يرفع من تكلفة الصراع وتصاعد حجم التأثر العالمي بارتفاع أسعار الطاقة، وما يحمل معه من مخاطر تصاعد التضخم في الاقتصاد العالمي. ويعد مضيق هرمز من الممرات الدولية التي تحاول إيران ممارسة السيطرة على حركة التدفق للسفن وناقلات النفط، وفي المقابل تحاول الولايات المتحدة توجيه ضربات موجعة لإيران لتحييد تحكمها في مضيق هرمز، وتخوض إيران حربًا يشعر فيها بالتهديد الوجودي، ومن ثم تحاول ممارسة كافة أوراق الضغط سواء على حلفاء الولايات المتحدة أو على إطالة أمد الحرب، بما يزيد من تكلفتها الاقتصادية على أطراف الصراع.
. وقامت إيران بقصف مقرات لشركات تقنية في الخليج إلى جانب ضرب مراكز البيانات، وهو ما يكشف عن إدراك إيران للبعد التقني في الصراع، وهو ما يثير المخاوف على الاقتصاد العالمي من قيام إيران بذلك. وبرزت هناك مخاطر في تعرض الكابلات البحرية إلى "التخريب المادي" المتعمد أو التأثر نتيجة غرق السفن أو الأعمال القتالية، وهو ما يمكن أن يتم توظيف الكابلات البحرية كسلاح استراتيجي في النزاعات الدولية. وتعد كابلات الإنترنت من البنية التحتية الحرجة لمرور البيانات؛ حيث يمر من خلالها ما يزيد على 90% من حركة مرور البيانات الدولية، وتحتل منطقة قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز نقطة عبور استراتيجية، ويُعد مضيق باب المندب واحداً من أكثر النقاط الجغرافية حرجاً في العالم، ليس فقط للنفط والتجارة، بل للبيانات، وهو ما يظهر في دوره في مجال مرور البيانات الدولية، وهو ما يرتبط بكون مضيق باب المندب ممراً إجبارياً استراتيجياً؛ حيث يمثل هذا الممر عبر المضيق من الطرق الأقصر لربط كابلات الإنترنت القادمة من شرق آسيا والمتجهة نحو أوروبا عبر قناة السويس والبحر المتوسط. ومن جهة ثانية، يتميز مضيق باب المندب بكثافة الكابلات التي تمر من خلاله؛ حيث تمر عشرات من كبرى الكابلات البحرية مثل AAE-1 وSEA-ME-WE 5، وهو ما يجعل التعرض لأي أعطال سبباً في إلحاق اضطراب في خدمة الإنترنت في المنطقة، وتمثل تهديداً مباشراً لاستقرار الإنترنت العالمي.
ومن شأن التعرض للأعطال أن يؤثر في تباطؤ الخدمة مع انقطاع الكابلات في هذه المنطقة، والتي يمكن تحويل مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح أو عبر مسارات برية، وهو الأمر الذي يزيد من زمن التأخير (Latency) بشكل ملحوظ، وما يحمله ذلك من تأثيرات ضخمة سلبية على التجارة الإلكترونية والمعاملات المالية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ويمثل استمرار الحرب في الخليج تهديدًا مباشرًا بإدخال الكابلات البحرية في معترك الصراع الجيوسياسي، وفي محاولة لتدويل الصراع، وخاصة من قبل إيران، التي تحاول أن تؤثر في الأصول الدولية وسلاسل الإمداد لدفع المجتمع الدولي نحو حل الصراع، ويرتبط ذلك من جهة أخرى بالتأثير على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والذي يتطلب تدفقات هائلة ومستمرة من البيانات بين مراكز البيانات العالمية، وأي خلل في الكابلات يعني شلل هذه الأنظمة. وثانيًا، التأثير في مقتضيات الأمن القومي للدول، وبخاصة مع دور كابلات الإنترنت ومراكز البيانات في تعزيز القدرات السيبرانية، وخاصة في استخدام الهجمات السيبرانية.
ومن جهة أخرى تؤثر الكابلات البحرية على السيادة الرقمية للدول وقدرتها على مواجهة الاعتماد على البنية التحتية الكونية للمعلومات، وما يفرضه من تبعية رقمية، وقدرتها على تأمين مسارات بديلة لبياناتها بعيدًا عن نقاط الاختناق التقليدية. ويمكن لإيران أن تقوم عبر بتخريب عمل الكابلات البحرية عبر عدة تكتيكات تهدف إلى عسكرة الكابلات البحرية ودخولها في الصراع، وذلك عبر:
أولًا، تعزيز دور نشاط وكلاء إيران، وخاصة دور جماعة الحوثي في البحر الأحمر وتهديدها لسفن الشحن، وقامت من قبل بالإعلان عن تهديدات ضد الكابلات البحرية للألياف الضوئية التي تربط أوروبا بآسيا، والتي غالبًا ما يُطلق عليها "العمود الفقري الرقمي" للتمويل الدولي وحركة الإنترنت.
ثانيًا، توظيف المناطق التي تشهد عمليات حربية بحرية في مضيق هرمز، الذي تمر عبره العديد من الكابلات، وإمكانية أن تؤدي العمليات البحرية العدائية إلى إلحاق أضرار مباشرة أو غير مباشرة (سواء عن طريق نشاط الغواصات الحربية أو المسيرات أو غرق السفن الإيرانية في مجرى المضيق تحت الماء).
ثالثًا، تتعرض الكابلات البحرية لخطر الأضرار الجانبية خلال الصراع، حيث قد تسبب السفن الحربية أو حاملات الطائرات أو عملية إطلاق الصواريخ من الغواصات البحرية في إلحاق أضرار بسلامة الكابلات، وقد يتم استهدافها عمدًا في إطار الغطاء العسكري. رابعًا، إمكانية تعرض الكابلات البحرية لخطر الهجمات السيبرانية: بالإضافة إلى الأضرار المادية، وإمكانية قيام جهات مرتبطة بإيران بشن الهجمات السيبرانية التي تستهدف أنظمة الاتصالات والبنية التحتية، كتعبير عن صعود الحروب الهجينة.
وعلى الرغم من تهديد الحوثيين بإمكانية ضرب الكابلات البحرية، وهي إحدى أذرع إيران الإقليمية، إلا أنها قد تفتقد إلى القدرات الفنية التي تتطلب الغوص في أعماق المياه، والتي تستلزم تجهيزات فنية خاصة. بينما يمكن أن تُصاب نقطة مرور الكابلات البحرية، في مضيق هرمز سواء من قبل الحرس الثوري الإيراني أو نتيجة التأثر بسير العمليات القتالية في خليج هرمز، وخاصة فيما يتعلق بغرق السفن أو الغواصات الحربية. ويمكن أن تُستهدف الكابلات عبر مسيرات بحرية موجهة.
ومن شأن إصابة الكابلات البحرية أن تؤدي إلى تأثير عالمي يرتبط بتعطيل الاتصالات بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يؤثر على المعاملات المصرفية الحيوية واتصال الإنترنت بشكل عام، وإمكانية التعرض لثغرات إعادة التوجيه كحل لعملية الانقطاع. ورغم إمكانية إعادة توجيه حركة الإنترنت عبر كابلات أخرى، إلا أن الانقطاعات الشديدة قد تؤدي إلى بطء كبير في سرعة الإنترنت وزيادة زمن الاستجابة، خاصة في مناطق مثل جنوب آسيا والشرق الأوسط. ويمكن أن تؤدي الأعمال الحربية وعدم توافر الأمن البحري إلى تحديات في مجال إصلاح الكابلات البحرية، ويصبح الأمر صعبًا ومحفوفًا بالمخاطر في المناطق التي تشهد نزاعات عسكرية نشطة، مما قد يؤدي إلى انقطاعات طويلة الأمد..ومن ثم فان خطر تاثير العمليات القتالية على سلامة الكابلات البحرية اكبر من احتمالية قيام ايران بشكل متعمد بتخريب الكابلات او عن طريق وكلائها خاصة الحوثيين
ومن جهة اخرى ان هناك ثمة قيد استراتيجي يتمثل في أن عملية قطع جميع الكابلات بشكل كامل قد تضر باتصال إيران نفسها ونفوذها الإقليمي، مما يجعل تدمير الشبكة بالكامل يحمل مخاطر استراتيجية لإيران أيضًا، ولكنها قد تلجأ إليه كملاذ أخير في سبيل الضغط الدولي وحرصها على تدويل الصراع. ويضاف الى ذلك أن البحرية الإيرانية ومدى قدرة الولايات المتحدة بالفعل على إضعافها ربما يؤثر في قدرة إيران على تخريب الكابلات البحرية خاصة في مضيق هرمز. وتشير تجربة الحرب الروسية-الأوكرانية إلى أنه على الرغم من تصاعد الهجمات السيبرانية بينهما، إلا أن كلا الطرفين حرصتا على عدم المساس بالكابلات الخاصة بالإنترنت والتي يمر جزء منها من الأراضي الروسية، وهو ما يشير إلى مدى إمكانية الحفاظ على البنية التحتية الحيوية بمنأى عن الصراعات الدولية، وتطبيق القانون الدولي الإنساني عليها باعتبارها مرفقًا دوليًا وتراثًا مشتركًا للإنسانية.