i_icon/   phone_icon   site_map
مقالات

المقالات -
وسائل التواصل الاجتماعي منتج معيب وخطير

: 7
الإثنين,16 مارس 2026 - 02:19 م
تيموثي شيو-مينغ خدمة «نيويورك تايمز»
الشرق الاوسط

ظلَّت شركاتُ التواصل الاجتماعي، على مدى عقدين، بمنأى عن المساءلة، محققة أرباحاً طائلة، متجاوزةً الاتهامات الموجهة إليها بالتسبب في تطبيع الدعايات، وإدمان الأطفال لشبكات التواصل الاجتماعي، وتدني الأخلاق. على الصعيدين القانوني والسياسي، حظيت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«يوتيوب» بحماية فكرة روَّجت لها هذه الشركات وغيرها؛ بأنَّها ليست مجرد تكنولوجيات مبتكرة؛ بل منصات للتعبير عن الرأي. وعليه، فإنَّ فرض أي قيود عليها يُعدّ بمثابة فرض رقابةٍ وإعاقة للتقدم التكنولوجي.

وسائل التواصل الاجتماعي منتج معيب وخطير
اضغط للتكبير


في الفترة الأخيرة، بدأت هذه الحماية تضعف، بفضل إدراك متزايد بأنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تمثل مسألة تتعلَّق بالصحة العامة. من هذا المنظور، تبدو وسائل التواصل الاجتماعي أقلَّ حداثة وأكثرَ ألفة لنا، فهي مجرد منتج معيب وخطير. وهنا، تأتي المحاكمة الحالية لـ«إنستغرام»، التابع لشركة «ميتا»، و«يوتيوب» التابع لشركة «غوغل»، أمام محكمة لوس أنجليس العليا، باعتبارها أوضحَ دليل على هذا التحول. وتجري المحاكمة في إطار دعوى تقدمت بها شابة تبلغ 20 عاماً، ضد المنصتين تتهمهما بتصميم منتجاتهما بطرق أضرَّت بصحتها النفسية والجسدية.

تُعدّ هذه القضية، التي قُدّمت فيها المرافعات الختامية، الخميس، الأولى من بين كثير من الدعاوى القضائية التي تقدم بها آلاف الشباب، وإدارات تعليمية، ومدّعون عامّون ضدّ شركات؛ مثل «ميتا»، و«غوغل»، و«سناب»، و«تيك توك». في إطار هذه الدعاوى، لا يتهم المدّعون الشركات بمجرّد تقديم محتوى سيئ للشباب؛ بل يدفعون بأنَّ تصميم وسائل التواصل الاجتماعي في حد ذاته جرى وضعه عمداً، لخلق حالة إدمان وتأجيج عادات إفراط في الاستخدام، بغضّ النظر عن المحتوى المُقدّم.

في هذا السياق، تفقد اتهامات الرقابة مصداقيتها. وتبدو الشعارات الرنّانة حول حرية التعبير جوفاءَ أمام اكتئاب المراهقين، وإيذاء النفس، والإقدام على الانتحار. ولطالما كانت الأضرار العامة - هنا، منتجاً إدمانياً يُشبه السجائر في بعض النواحي - من اختصاص القانون العام، وليس من اختصاص «وثيقة الحقوق».

حتى الآن، اعتمدت شركات مثل «ميتا» و«غوغل» على بعض الحجج القانونية القوية؛ فهي لا تنكر أنَّ منتجاتها قد تكون جذابة للغاية، لكنَّها تؤكد أنَّ الرواية الجيدة ينطبق عليها الوصف ذاته، ولا أحد يمكنه أن يدّعي أن رواية تشويقية تدور أحداثها على الشاطئ، مثلاً، تُشكّل خطراً على الصحة العامة؛ فالرواية تعبير محمي بموجب التعديل الأول للدستور. علاوة على ذلك، تشير الشركات إلى أنه على عكس ناشر الرواية، الذي لا يزال من الممكن تحميله مسؤولية التشهير، لا يمكن تحميل شركات التواصل الاجتماعي مسؤوليةَ ما يُنشر على منصاتها، وذلك بفضل المادة 230 من قانون آداب الاتصالات لعام 1996، الذي يهدف إلى حماية المنصات من التعرض للتدمير بفعل دعاوى المسؤولية التقصيرية.

إلا أنَّ الظروف المتغيرة قد أضعفت هذه الحجج؛ فمثلاً، إذا كانت المنصات في التسعينات والألفية الجديدة مجرد ناقلة سلبية لمحتوى الآخرين (وإن كان يخضع لرقابة بشرية)، فقد تحولت اليوم إلى ناشرة نشطة. تستخدم هذه المنصات أساليب فعّالة لإبقاء المستخدمين منخرطين بشكل قهري، من خلال التوصيات الخوارزمية، والتمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي للفيديوهات، والتعزيز المتقطع (حيث تُكافأ الإعجابات والتعليقات والمحتوى المُحدّث بشكل غير متوقع). ويتجاوز هذا الأمر مجرد استضافة محتوى جهات خارجية والإشراف عليه.

أما التغيير الثاني، فيكمن في تزايد الأدلة على وجود علاقة بين انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتضرر الشباب. هنا، يستشهد عالم النفس جوناثان هايدت بإحصائيات صادمة من الولايات المتحدة: ارتفعت معدلات الانتحار بين الفتيات من سن 10 إلى 14 عاماً بنسبة 167 في المائة بين عامي 2010 و2021؛ وخلال الفترة نفسها تقريباً، ارتفعت زيارات أقسام الطوارئ لحالات إيذاء النفس بنسبة 188 في المائة بين الفتيات من الفئة العمرية نفسها، و48 في المائة بين الفتيان في الفئة نفسها. كما ارتفعت حالات الاكتئاب الحاد بين المراهقين من نحو 8 في المائة عام 2009 إلى 16 في المائة عام 2019.

يتكرر القول إننا نعيش في عصر المعلومات، وكثير مما نتفاعل معه اليوم يأتي على شكل معلومات، لكن من الآثار الجانبية المؤسفة لثقافة المعلومات الاعتقاد بأن كل شيء شكل من أشكال التعبير، وبالتالي معفى من التنظيم. إن وصف كل عملية نقل للبيانات بأنها «كلام» في حقيقته تشويه فادح للواقع، وقد تحمل جيل من المراهقين الذين نشأوا على وسائل التواصل الاجتماعي ثمن ذلك.

* أستاذ القانون في جامعة كولومبيا

* خدمة «نيويورك تايمز»


Share/Bookmark

accr2024

  • هل ستقطع ايران كابلات الانترنت عن الشرق الاوسط ؟
  • سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي محتدم وهذا مفيد للجميع
  • لو كان الذكاء الاصطناعي سلاحاً فمن ينبغي له السيطرة عليه؟
  • الذكاء الاصطناعي في أعين بعض الناس
  • إلى أيّ مدى يتفاعل النَّاس مع الذكاء الاصطناعي؟
  • Facebook
    Comments
    el-doo2_text/
    accr2024/


    وسائل التواصل الاجتماعي منتج معيب وخطير
    ظلَّت شركاتُ التواصل الاجتماعي، على مدى عقدين، بمنأى عن المساءلة، محققة أرباحاً طائلة، متجاوزةً الات

    هل ستقطع ايران كابلات الانترنت عن الشرق الاوسط ؟
    مع تصاعد وتيرة الحرب بين إيران من جهة وما بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، ودخولها الأسبوع

    القمة العالمية لمجتمع المعلومات ورؤي الجنوب العالمي
    ‏اعتمدت الأمم المتحدة في ديسمبر 2025. مراجعة القمة العالمية لمجتمع المعلومات +20، وكنت قد شاركت في د

    hama
    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    الى اي مدى انت راض على اداء المنصات الرقمية في الحرب على غزة ؟
    راضي
    غير راضي
    غير مهتم
     
        
    التاريخ