دوريات - مفاهيم استراتيجية
إعادة تعريف وظيفة ودور الحكومة في ظل التحول الرقمي

: 113
الإثنين,28 ديسمبر 2020 - 02:44 ص
كتب د. عادل عبد الصادق

أصبحت حكومات اليوم في ظل العصر الرقمي تعمل في بيئة متغيرة تحت وقع تراجع وظيفة الدولة من جهة وتصاعد وتيرة التسريع العلمي والتكنولوجي من جهة اخرى ، وانعكاس تغير طبيعة المجتمع والادوات التي اصبح يمتلكها، على علاقة المواطن بالحكومة ورؤيتة لذاته وللعالم.و فرضت المتغيرات الجديدة اعادة تعريف دور الحكومة في عملية صنع السياسات العامة والتي اصبحت في تصاعد مقابل تراجع دور ها على الجانب التنفيذي ،والذي اصبح يتم بالشراكة مع آخرين ،

إعادة تعريف وظيفة ودور الحكومة في ظل التحول الرقمي
اضغط للتكبير

   ودفعت عملية التحول الرقمي الى تبني تطبيقات للحكومة الالكترونية لتقديم الخدمات ثم ظهور نمط "الحكومة الذكية ".في ظل تحديات عابرة للحدود والسيادة من جهة ولمسئولية ومواجهة القطاع الحكومي  من جهة اخرى، وليفرض ذلك ضرورة  إعادة التفكير في دور الحكومات في العصر الرقمي؟  وكيفية التفاعل من جانب الحكومة مع المجتمع والقطاع الخاص وكافة أصحاب المصلحة ؟  وكيفية أدارة  الشؤون العامة للدولة  ؟ وتلبية مطالب واحتياجات المواطنين بشكل سهل وآمن وموثوق ؟ومدى تأثير ذلك  ايجابيا علي الاستقرار  والشرعية  للنظام السياسي  ؟ و ما هو دور ذلك في  تحفيق اهداف التنمية المستدامة للامم المتحدة بحلول عام 2030 ؟.

أولا ، البيئة الرقمية والتغير في بيئة عمل النظام السياسي   

 واجهت وظائف النظام السياسي تحديات نتيجة ثورة المعلومات والمعرفة ،وشكلت تطبيقات ومنصات  الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي نقطة تحول مهمة في مدى سيطرة الدولة بمؤسساتها الرسمية على الضبط السياسي وصناعه القرار  و تبني السياسات العامه ،وذلك مع تصاعد دور الفاعلين من غير الدولة في تعاطي العمل السياسي وتجاوز عملية صنع القرار الدور التقليدي للمؤسسات السياسية .[1]

والتاثير في العلاقة الترابطية بين الدولة والنظام السياسي من جهة وما بين المجتمع والدولة من جهة اخري ، وتحولت  البيئة الرقمية  الى ساحة جديدة  للتفاعل بين المؤسسات الرسمية والاخري غير الرسمية ، وبرز الفضاء الالكتروني كقناة استرجاعية ما بين مدخلات ومخرجات النظام السياسي ، وبشكل ينقل المطالب والاستجابات من اسفل الى اعلي، ومن الشعب مباشرة الى قمة النظام السياسي دون المرور بالضرورة عبر المؤسسات السياسية المعنية تقليديا بذلك، ومن جهه اخري فقد اتسع حجم القضايا والاهتمامات  والسياسيين،وعبرت معها عن اتساع مقابل في حجم المطالب وزيادة التوقعات بما شكل ضغطا هائلا على النظام السياسي ،وجاء ذلك تحدي  فقدان السيطرة الكاملة على تعبئة  الراي العام ،و الثقة في  تدفق المعلومات من الحكومة الى المجتمع ،او تدفق المعلومات والاخبار من الخارج الى المجتمع مباشرة ، واصبح  يؤثر  ذلك في اداء الحكومات وشرعيتها ومدى قدرتها على تحقيق الاهداف الاستراتيجية .

الى جانب ذلك التحدي اتاحت الثورة التكنولوجية للحكومات فرص هائلة لان تمتلك زمام المبادرة لما تمتلكه من موارد بان تنتقل "اونلاين" وان تستخدم تلك المنصات الجديدة كادوات للوصول الى المواطنين وتوصيل الرسائل والسياسات وبخاصة في داخل الكتلة الحرجة من الشباب وهم الاكثر استخدما ومعاناة وتطلعا نحو المستقبل .

ومن ثم مثلت تطبيقات الخدمات الحكومية  عبر الانترنت او الصفحات الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي سواء للوزارات او  راس السلطة التنفيذية ركيزه هامة بالاستحواذ على القوة والنفوذ والتأثير في العصر الرقمي  ،

واثر الفضاء الالكتروني والبيئة الرقمية المصاحبة له في التأثير في وظائف النظام السياسي ، والتي منها الاوليى :وظيفة وضع "السياسات الاستخراجية" وقدرته على  تعبئه الموارد المادية والبشرية سواء كان مصدرها البيئة الداخلية أو البيئة الخارجية وبخاصة مع تسريب رؤوس الاموال المحلية الى الخارج وعدم القدرة على فرض الضرائب على الشركات التكنولوجية العابرة للحدود واتاحة الفرصة للتدخل في الشئون الداخلية ودعم حركات تمرد او احتجاج ،والثانية وظيفة وضع "السياسات التوزيعية" حيث زادات البيئة الرقمية من اتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء وتراجع دور الحكومة في المجال العام ، وتصاعد دور القطاع الخاص ،واتاحت الثورة الرقمية للمواطنين بزيادة حجم المطالب والتعبير عن الاحتياجات دون الاعتبار الى القدرات الفعلية لموارد الدولة .

والوظيفة الثالثة هي وضع "السياسات التنظيمية" على الرغم من أتاحت الثورة الرقمية الفرصة للحكومات ممارسة الهيمنة والسيطرة وخاصة في النظم الشمولية الا انها اتاحت الفرصة للتعبير عن الراي والتعبير والقدرة على التعبئة والحشد عبر استخدام منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي وغيرها ، ولكن مع تزايد حجم التهديدات العابرة الحدود برز اتجاة عالمي لإعادة تنظيم المجال السيبراني من جانب الحكومات كجزء من رد فعل اقليمي وعالمي ومن ثم اتسع النشاط التنظيمي للدولة .

وجاءت الوظيفة الرابعه بعملية وضع "السياسات الرمزية" وبخاصة مع حرية انتقال الافكار والرموز عبر الفضاء الالكتروني ،واضعاف قدرة النظام السياسي على توظيف  الرموز السياسية من اجل دعم الانتماء والولاء الوطني،

ومن جهة اخري فقد اثر الفضاء الالكتروني في الترابط  بين أداء النظام السياسي في وظائفه  الأربع و بين المؤسسات التي تسهم في ذلك الأداء،وطبيعة السياسات واستقلالية مؤسسات النظام السياسي ، وفي درجة التوازن في الأدوار التي تخدم  المصلحة العامة للدولة . ودور المؤسسات الرسمية  للنظام السياسي  في تبني السياسات العامة ، والتأثير على طبيعة العلاقات القائمة بين تلك المؤسسات  ، والتاثير على العلاقة بين المؤسسات الرسمية والاخري غير الرسمية  .

واثرت البيئة الرقمية والتحولات التكنولوجية في وضع تحديات جديدة امام  عملية صنع القرار السياسي او ممارسة الضغط او في تصاعد دور في الراي العام في صنع السياسات العامة ،والتغير الذي طرأ على دور  النخبة التقليدي لصالح فاعلين جدد في المجال العام  ، وادى ذلك الى حالة من  عدم التوازن في أداء الأدوار لمؤسسات النظام السياسي من جهة ، والى حالة من التدهور في العلاقة  بين الدولة والمجتمع ، وهو ما يوفر بيئة خصبة لعدم الاستقرار السياسي وفقدان الشرعية والتي تاتي نتيجة  فشل السياسات العامة في تحقيق المصلحة العامة .

،ودرجة التعاطي الايجابي لها مع تلك الثورة المعرفية وقدرتها على تسويق قيمها وتطوير خطابها في ظل السيل الجارف من المعلومات والرموز من الخارج .وبقيت مناعة المجتمعات من التأثير المتصاعد لذلك التيار متوقفا على إدراك القيادة السياسية والنخبة ومؤسسات المجتمع لمعطيات الثورة المعرفية الجديدة ، فأصبحت كلما امتلكت القدرة على التحديث والسرعة والاستجابة للتحديات كلما كان لها القدرة في حفظ الأمن الثقافي والسيطرة على المحاور الرئيسية للتوافق المجتمعي على الأقل .

وعلى النقيض فانه في حالة العجز وفقدان الصلة بين حجم التغييرات على الأرض وملائمة السياسات المتبعة من الحكومات تحدث القطيعة الثقافية بين المواطن والمؤسسات ذاتها وتعزيز حالة الانعزال والغربة الثقافية وتدهور القيم المحلية وتراجعها في مقابل إدخال أنماط جديدة لا تعمل على استقرار المجتمع بل على تفككه بنيويا وقيميا ، وهو ما يؤثر في دور الحكومات في توجية طاقات المجتمع لخدمة الاهداف القومية ،والتي يجب ان تعمل في ظل العصر الرقمي على الاستفادة الايجابية مع المعطيات الجديدة  وتحفيز تخلي المجتمع  عن القيم  السلبية من اجل تبني قيم جديدة ترتكز على الانفتاح والتسامح والإبداع والعمل وغيرها.

ثانيا  ، ملامح الطريق للانتقال من الحكومة الالكترونية  الى الذكية

 

على الرغم من حالة التقدم عالميا في تبني الحكومة الالكترونية الا انها ما زالت تواجه بتحديات جديدة في حقبة العصر الرقمي وفي ظل تسارع الخطى لتبني توجهات عالمية للانتقال من الطباع "الالكتروني" للتحول الى الطابع "الذكي" في عملية تقديم الخدمات ، و العمل على تسريع تحقيق اهداف التنمية المستدامة .

و فرضت عملية التعامل الكفء مع التحديات والفرص في آن واحد اهمية  الانفتاح للتعاون مع شركاء من خارج القطاع الحكومي من القطاع الخاص والمدني وكافة الفاعلين في المجتمع المحلي  ، ومن جهة اخري اهمية انفتاح الحكومة للتعاون على المستوى الإقليمي والدولي.

ويتطلب توفير مناخ التعاون ذلك تهيئة المجتمع لتلك المتغيرات بكل فئاته والعمل على  تحديث المؤسسات الحكومية و التشريعات ورفع الوعي المجتمعي بعملية التحول الرقمي ، وبناء القدرات وتحفيز الإبداع والابتكار ،و توفير الخدمات العامة بصورة فعالة وبشكل متساوى امام الجميع،ودمج الفئات المهمشة، و بناء مجتمعات قادرة على مواجهة الازمات .

وان كانت تطبيقات الحكومة الالكترونية تقتصر على تقديم خدماتها عبر الانترنت  فان "الحكومة الذكية "  تشارك بفاعلية بارهاصات الثورة الصناعية الرابعه، والتي تشكل مرحلة تالية وصولا الى مرحلة "المدن الذكية": ، وتستند تطبيقات الحكومة الذكية للوصول الى الاهداف الاستراتيجية على اربع ركائز اساسية من اجل الوصول الى الناس او المواطنين وتحسين رضائهم  ، وزيادة فاعلية الحكومة ، و زيادة توليد ومشاركة المعرفة باستخدام التطبيقات الرقمية ، و تبني سياسات تعمل على تحفيز الابتكار .

وتهدف " الحكومة الذكية" الى  تقديم خدمات شخصية  تحمي خصوصية المواطنين ، وان تصغى باهتمام اليهم بهدف التحسين في الخدمات ، وان تكون قادرة على التوقع بما سيحتاجه الناس ومتجاوبة ولديها قدرة على التكيف مع التغييرات في المطالب والاتجاهات ، وان تسعى الى كسب الثقة ، وان تضمن ان يتوافر في الخدمات التي تقدمها الحكومة الانتشار والتكامل والمساواة .و كفاءة عملية صنع القرار ،وتبني  سياسات عامة للدمج الاجتماعي ،وتعزيز الشفافية والمحاسبة. الى جانب  التنسيق بين السياسات والتشبيك فيما بين المؤسسات الحكومية .

وعلى الرغم أن القطاع العام في العادة هو الفاعل الأكبر والأقوى في المجتمع، إلا أن واقع الحال يشير الى ان الحكومات لم تعد  تحتكر الموارد ، وأنها ليست الوحيدة القادرة على تحفيز  الابتكار. ولكن تحتفظ الحكومة بالمسؤولية الكلية كمسهل وضامن للاعمال وواضع للتشريعات . وهو ما يفرض اعادة اصلاح القطاع العام في العصر الرقمي بشكل يجعل هناك مواكبة بينة وبين  اتجاهات تبني الحكومة الذكية[2].

يجب الا يقتصر دور الحكومات على التعامل مع الازمات  فور حدوثها فقط بل العمل على تعزيز القدرات الخاصة بالتنبؤ  بها بما للحد من المخاطر  .وهي امور يمكن ان تتحقق من خلال تطبيقات  "البيانات الضخمه"  والذكاء الاصطناعي  .[3]

والعمل على تحسين إدارة التطبيقات التي تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لضمان الاستمرارية والاستدامة ومواجهة الاخطار التي تهدد منظومة الحكومة الالكترونية بما يفرض التقدم في مجال التأمين للحماية على الصعيدين الوطني والدولي،

ثالثا ،  المبادي تقود التكنولوجيا  في التحول المستدام

 

بعد مرور اكثر من عقدين على بداية تطبيق الحكومة الالكترونية ، زادت حالة الانتشار والنفاذ لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات عالميا ومحليا ، وحدثت زيادة مستمرة في عدد الخدمات الحكومية التي تتم على الإنترنت.وقد جرت اول محاولة من قبل الامم المتحدة لتقييم حالة الحكومات الالكترونية في عام 2001 ، وتسارع عمليات  تبني الدول الأعضاء لتطبيقات الحكومات الإلكترونية وما يترتب علية من توفير  فرص وادوات وموارد لتقديم الخدمات العامة ، ومن جهة اخري تعزيز فرص اشراك المواطنين في عملية صنع القرار ، ومن ثم تحسين فرص التنفيذ للخطط وترسيخ الشفافية  بعيدا عن البيروقراطية التقليدية .

فالمواطن شريك في تقديم الخدمة على نحو يعكس احتياجاته بما يضمن الاستدامة وهو ما يعد تغييرا هائلا في كيفية عمل القطاع العام والذي كان يرتكز على التخطيط والتنفيذ من أعلي داخل القطاعات وعلى تعزيز فرص وحيدة للنخب السياسية في توجية السياسات العامة. 

وقد تباينت الدول من حيث درجة تبنيها للحكومة الالكترونية من جهة ومن حيث مدى امتلاكها المبادرة للتحول الى الحكومة الذكية ،وعلى الرغم من تاخر بعض الدول خاصة في الدول النامية في تطبيقات الحكومة الالكترونية الا انه ما زل لديها الفرصة للانتقال الى الحكومة الذكية حال القدرة على فهم تلك المتغيرات والاستثمار في البنية التحتية وتهيئة البيئة المحلية والشعبية لمثل ذلك التحول المتسارع . 

وفي تقرير الحكومات الالكترونية الصادر عن الامم المتحدة عام 2018(EGDI)  تمت الاشارة الى أحراز 40 دولة مستوى "مرتفع للغاية" مقارنه 29 دولة على المؤشر  في عام 2016، فيما تراجعت الدول التي حصلت على تصنيف منخفض بنسبة 50%  خلال تلك الفترة ،[4] ويرجع ذلك لما توفره التقنيات الرقمية من اتاحة الفرصة للدول النامية للعمل على انكماش الفجوة الرقمية ، بينما ظلت الدول المتقدمة قادرة على تحسين ادائها لما تمتلكه من بنية تحتية تكنولوجية وهو ما يساعدها على تعزيز الابتكار والابداع بما يعني بصورة اخري تخلف عدد اخر من الدول مع زيادة الفجوة الرقمية  .[5]

ومن ضمن معايير القياس هي مدى التقدم في تبني  البوابات الإلكترونية المصحوبة بتطبيقات التواصل الاجتماعي ، واتاحة وسائل للتغذية العكسية والانية في نفس الوقت من قبل الجمهور بما يفيد عملية التنمية،  وهو ما يتطلب في الوقت نفسه العمل على توسيع نطاق وكفاءه شراكة الحكومة مع باقي اصحاب المصلحة ، وهو ما يعزز من القدرة على الوصول بالخدمات للجميع من جهة والعمل على مواجهة المشكلات التقليدية المرتبطة بالتهميش الاجتماعي والفقر و البطالة .

ومن شأن ذلك ايضا ان يوفر فرص جديدة للنمو اقتصادي وتحسين الخدمات الصحية ومواجهة الازمات وتطبيق القانون ومواجهة احتياجات المواطن بشكل آني وسريع بمعدل استجابة من قبل الحكومة لا يتجاوز الدقائق المعدودة وهو ما يصب في الاخير في التواصل الفعال بين المواطن والحكومة.

ومن جهة اخري على الحكومة في العصر الرقمي ان تدرك حجم التحديات ومواجهة الاثار الاجتماعية لعملية التحول الرقمي كمواجهة الفجوة الرقمية وضعف القدرة على توليد وظائف جديدة  والاستثمار في خلق وظائف جديدة  تتواكب مع مقتضيات الثورة الصناعية الرابعه ،

وهو ما يتطلب ان تقوم الحكومة بالتعاون مع القطاع الخاص بالاستعداد لتبني  سياسات للتأقلم وتوجية الاستثمار في القدرات البشرية وتحسين جودة التعليم ،ويمثل الشباب قوة نسبية للدولة في سبيل البحث عن فرص للاستحواذ على اقتصاد المعرفه وبخاصة اهمية الابداع والابتكار في النمو الاقتصادي ،وبخاصة انه يتم تصنيف الدول وفق مؤشرات الابتكار والإبداع ويتم احتساب مؤشر الابتكار العالمي بتحديد متوسط مؤشرين فرعيين. وأولهما مؤشر المدخلات الذي  يقيس عناصر الاقتصاد التي تجسد الأنشطة المبتكرة والتي يتم رؤيتها وفق خمسة ركائز هي قدرة المؤسسات الفاعلة ، وحجم رأس المال البشري والبحوث،ومدى توافر البنية التحتية ، وحجم التطور في السوق، وفي  الأعمال . وثاني تلك المؤشرات ما يتعلق بالمخرجات الخاصة بطبيعة  المعرفة والتكنولوجيا و المخرجات الإبداعية  والتطبيقات المرتبطة بها،

 

 

 

 

دورة حياة الحكومة الذكية

واصبح ذلك توجه من الدول الفقيرة والغنية في الموارد  معا في محاولة للتأقلم مع الثورة العالمية في مجال الاقتصاد الرقمي ،وبخاصة مع  كون المنطقة العربية ومصر تحتوي في هيكلها السكاني نسبة تقل 60% من السكان من الشباب وهم ثروة بشرية تشكل ميزه نسبية اذا ما تم توظيفها على نحو جيد بشكل يجعل هؤلاء الشباب مؤهلين للدخول الى سوق الاقتصاد الرقمي والذي يستطيع ان يحقق عدد من المكاسب لعل اهمها ، العمل على زيادة معدلات النمو الاقتصادي بالانتقال من الاعتماد على الموارد الطبيعية الى انتاج المعرفة .وزيادة فرص العمل ، وزيادة معدلات الانتاجية  حيث تتميز الصناعات الرقمية  بانها عالية الانتاجية وتمنح القدرة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بان تنمو بسرعه .والعمل على مكافحة الفقر ،و دمج المهمشين ،وتحسين جودة الرعاية الصحية وتوفير النفقات على الامراض المزمنة وزيادة صحة وإنتاجية العامل.وانخفاض تكلفة العملية التعليمية وتحسين الجودة واستخدام تطبيقات التعليم الالكتروني ،

 

اهمية تعزيز التحول من الطابع الاستهلاكي الى الدور المنتج والفاعل في صناعه التكنولوجيا كجزء من تحرير الارادة الوطنية وتعزيز المكانه الدولية .

و اقرت الجمعية العامة للامم المتحدة العام الماضي بأن معدل التطور التكنولوجي السريع كان  له  آثار إيجابية وسلبية بعيدة المدى فيما يتعلق بتحقيق التنمية المستدامة،

وهو الامر الذي يفرض ضرورة التعاون على المستوى الدولي بين مختلف الفاعلين للاستفادة من الفرص والتعامل مع التحديات ، وبخاصة ان الخبرة الدولية في عملية  التحول من اين ؟ الى أين ؟ خلال عقدين من تطور الحكومات الالكترونية  

وصلت الى نتيجة مفادها بأن التحول الرقمي لا يعتمد فقط على التكنولوجيا الرقمية، إنما يستند كذلك على  مبادئ من قبيل الفعالية وإشراك الجميع والمحاسبة والثقة والانفتاح،وهو النحو الذي يجب ان يجمع بين الاهتمام بالجوانب المادية -  التكنولوجية  الى جانب الابعاد الثقافية والقيمية ، ومن ثم يجب ان توجه المبادي والقيم التكنولوجيا وليس فقط البحث عن تراكم في الثروات وراس المال .

رابعا : حكومة ذكية قادرة على البقاء والرخاء والسعادة

 

   

ساهمت عملية التحول من جراء تبني  تطبيقات التكنولوجيا البازغه في تغيير الافكار والمفاهيم المسبقة والمتعارف عليها ،ونما من جهة اخري احساس بمستقبل يكتنفه الغموض وحالة اللايقين مما أدى على مزيدٍ من التغيرات البنيوية التي تتطلب ردود فعلٍ من الحكومات وبخاصة مواجهة الفجوة التي تتفاقم حتى داخل الدول المتقدمة ، وتتوقف  الثقة في الحكومات على قدرتها على حماية المصالح العليا للمواطنين وبقدرتها في  التصدي للتحديات العالمية ، ومن جهة تساهم عملية ضعف الثقة في إضعاف المبادرات الحكومية التي تهدف تحسين طرف معاملة  الموجات القادمة من التغيير.

واصبحت عملية البحث عن تحقيق  السعادة الوطنية هي فلسفة توجه الحكومات عبر العالم  لرفع مستوى الرضا من المواطنين ، فالحكومة الذكية تتجاوز مجرد تقديم الخدمات.لان تكونا تطبيق نماذج الأعمال المبتكرة والتكنولوجية لمواجهة التحديات التي تواجه القطاع العام ،وهو ما يتطلب التطور نحو السعادة والحكومة الذكية أكثر من مجرد التركيز على التكنولوجيا . [6]

وهو ما يتطلب تبني  مقاربات  جديدة لضمان إتاحة الفرص لجميع الناس للرقيّ بحياتهم نحو الأفضل في جميع جوانب الحياة ،والعمل على  تحديث البنى والنُظُم والهياكل القديمة .

وتصبح الحاجة الى تعزيز الابتكار في الحكومة عن طريق  تزويد الموظفين في القطاع العام برؤى جديدة ومنابع معرفة حديثة وأدوات مبتكرة وجهات اتصال خبيرة تساعدهم على اكتشاف الفرص الواعدة والإمكانيات المستقبلية. وياتي ذلك في ظل تزايد مستويات التعقيد وتتسارع فيه وتيرة التغير، كل ذلك تحت ضغوط مالية كبيرة، تحتاج الحكومات إلى فهم واختبار وتنفيذ طرق جديدة لإنجاز الأمور.

وذلك عبر مدخل  "منهجيات النُظُم" والتي تعد " أساليب لتحليل المشكلات ،وتقوم على مقارنة الأجزاء المتّصلة بعضها ببعض، وأن كلّ جزء ينبغي أن يكون له دور بتحقيق أو "صنع "مساهمة متميّزة، بالنسبة للغرض أو الهدف الكلّي للمنظومة بكاملها"

وان تعبر رؤية الحكومة عن نظام مترابط وموحد ومتكامل يساهم في فهم المشكلات وتقديم البدائل والحلول ،فلا تأتي كل التغييرات في الأنظمة من القيادة العليا التي تطلق المشاريع والمبادرات، ومن ثم على القادة والمدراء داخل القطاع الحكومي بأن يكونوا هم المحفزين والراعين للمبتكرين ضمن بيئات عملهم ومؤسساتهم. وتعزيز عملية التغير التحويلي والتاهيلي داخل الحكومة.والاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل. وهو ما يتطلب الاعتراف  بالواقع الجديد وخلق الحلول الجديدة التي تناسب الجميع، اعتماداً على الابتكار. [7]

ويتطلب  تحقيق أهداف التنمية المستدامة خطة موحدة على المستوى المحلي بالتعاون البناء مع كافة اصحاب المصلحة ،و على المستوى الدولي بالتواصل مع الحكومات والشركاء في الخارج  ،وبخاصة ان  تعقيدات  العصر الرقمي تدفع الى الحاجة الملحّة لابتكار أدوات جديدة تساعد الحكومات على التصدي لهذه المشاكل والتحديات ومن ثم أصبحت  عملية تحفيز  الابتكار بمثابة النظام الجديد للحكومة ،

       

، وبناء على ذلك يجب ان تدرك الحكومة في عصر الثورة الصناعية الرابعة حقيقة دورها المطلوب منها ، وعدم التركيز على طبيعة التمييز بين الدول الفقيرة و الغنية  بقدر الاهتمام بحجم الإنفاق على الإبداع والابتكار ، وان تعيد الحكومات تشكيل نفسها من جديد ليس بالاعتماد على الشكل الهرمي التقليدي بل بالتحول إلى منصات للتطبيقات للتواصل مع المواطنين ، وان تركز الحكومات على تنمية رأس المال البشري والمهارات والمواهب التي تجعل البلدان ذات قيمة مضافة في العالم المعاصر ، وهو ما يرتبط بتنمية المهارات الخاصة بالاقتصاد الرقمي لقطاعات كبيرة من السكان

تفرض المتغيرات الجديدة ليس فقط ان تصبح الحكومة ذكيا فكرا ومعالجة بل ان تصبح كذلك ذكية عملا وتطبيقا ، ويتطلب تعزيز فرص تحقيق اهدافها الاستراتيجية ان تطلق الحكومة عمليات مبتكرة لهيكلها واعادة تريتب عملها الداخلي والترابط فيما بين اعضائها لادارة شئون عملها بمهارة وفاعلية ، وتعزيز  نموذج التعاون الحكومي – الخاص في تقديم الخدمات ، وترتبط اهداف الحكومة الذكية بتحقيق الكفاءة والفاعلية في عملية تقديم الخدمات على مدار( 24 /7 ) .

ويتعلق المخطط الاساسي بالعمل على اصدار الهوية الرقمية كمفتاح للحصول على الخدمات الحكومية الكاملة ، والعمل على تعزيز الثقة والامان في المنظومة الحكومية  ، ويتم ذلك من خلال تبني نموذج البيانات المفتوحة وتعظيم القيمة المضافة لها  ودورها في التنمية الاقتصادية أو الإنتاجية أو المشاريع التجارية على المستوى الوطني ،والعمل على تراتبية الشبكة الحكومية وتحسين جودة عملية صنع القرار ، وتقديم وظائف الخدمات المندمجه مع بعضها ، وتحفيز عملية الابتكار في الخدمات الذكية،

 ويترتبط تحقيق ذلك بثلاثة اجراءات داعمة لعملية التحول وهي العمل على بناء وتحديث الاطر القانونية والتنظيمية ، وتعزيز عملية الرقابة على حماية الخصوصية ودعم حماية الامن الالكتروني.

وترتبط عملية بناء حكومة ذكية موثوق في ادائها عبر توظيف البيانات والمعلومات كعمود فقري لوظيفتها ، وتعزيز تطبيقات انترنت الاشياء وتقنية سلسلة الكتلة "Blockchain" لموائمة خدمات الحكومة مع احتياجات المواطنين وتبني تطبيقات الذكاء اصطناعي والحوسبة السحابية لتحسين جودة صنع القرار وبناء مرحلة جديدة من العلاقة بين القطاع العام والخاص لتطبيق نموذج الحوكمة للحكومة الذكية. 

  بالاضافة الى تبني استراتيجيات تشجيع مشاركة المواطنين والابداع الاجتماعي ، وبناء نظم معلومات جغرافية وطنية كمرجع لعملية صنع القرار ، وتبني الابتكارات التكنولوجية لتقديم خدمات جودة الحياة .

والعمل على رقمنة بيئة العمل وذلك من خلال  تزويد القوى العاملة الحكومية في المستقبل بموظفين يعرفون المهارت الرقمية وتكون بيئة العمل المفتوحة واكثر اجتماعية ويمكن الوصول اليها بسهولة،والعمل على تقديم تفاعلات متصلة ومتسقة وتعاونية وشفافة وإعادة تصميم نماذج تقديم الخدمة بشكل جذري من خلال الجمع بين أدوات التسويق التقليدية مع المناهج الجديدة ،

وبناء علية يبقى القول بان الحكومات التي  أصبحت تدير التحول الرقمي بفعالية ستخلق نوعية حياة جديدة من الطراز العالمي لمواطنيها ، واستعادة ثقة المواطنين من جهة وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني على المستوى العالمي من جهة اخري.وهو ما من شأنة ان يعمل كذلك على تعزيز  القدرة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة للامم المتحدة 2030 .

 



[1] عادل عبد الصادق ،الفضاء الالكتروني والراي العام :تغير المجتمع والأدوات والتأثير ، قضايا إستراتيجية ،المركز الدولي للدراسات لمستقبلية والإستراتيجية ،مارس 2011 ،  ص ص 14-19

[2]

Arnauld Bertrand, How does digital government become better government?,

 government?,  EY.com, 10 Apr 2019. https://go.ey.com/2AYmo69, visited 29/5/2019

[3] Leonidas G. Anthopoulos,. "Smart Government: A New Adjective to Government Transformation or a Trick?. In: Understanding Smart Cities: A Tool for Smart Government or an Industrial Trick?. Public Administration and Information Technology, vol 22. Springer, Cham,2017, pp 263-293

[4] تقرير "دراسة الحكـومة الالكترونية:تجــهـــيز الحـكـومــة الالكــترونيـــة لــدعـم التحــول نحو مجـتمعات مــرنة ومســتدامة ، إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالامم المتحدة ،2018، https://bit.ly/2VZyAeG

[5] وفي المنطقة العربية، أحرزت دول مجلس التعاون الخليجي خطوات مهمة نحو تطوير الحكومات الإلكترونية، حيث جاءت دولة الإمارات كأعلى دول المجلس أداءً على المؤشر، تليها كل من البحرين والكويت وقطر

[6] Rashed Shtait Hamad  and others ," The Impact of Innovation and Smart Government on Happiness: Proposing Conceptual Framework ", International Journal of Management and Human Science (IJMHS), Volume 2, Issue 2,2018 ,pp 10-26.

[7] وقد اطلقت كوريا مبادرة "الخطة الشاملة لمن هم فوق الخمسين" (التي تعرف بسياسة سيول +50).حيث تبني  مناهج خاصة لتعلم فن العيش في هذا العصر، الدعم العاطفي، والتجارب الثقافية،و تدريب السكان حديثي التقاعد لمواصلة الحياة الاجتماعية. وإعادة تعريف مفهوم "العمل" في القرن الحادي والعشرين.وهناك  برنامج "الشمول المالي للمهاجرين" وهي مبادرةٌ مبتكرةٌ للخدمات المالية للمواطنين المكسيكيين العائدين إلى وطنهم من الولايات المتحدة .

 

اقرأ ايضآ

  • التجارة الالكترونية بين الفرص والتحديات في ظل جائحة كوفيد 19
  • عسكرة الفضاء الخارجي :صراع السيطرة على القوة الشاملة للدولة
  • تقنيات الصحة الرقمية في طب الطوارئ : الاتجاهات والتطلّعات
  • هل نحن قادرون على تحقيق السعادة في العصر الرقمي ؟
  • الثورة الصناعية الرابعة: تحديات وفرص الاستحواذ على القوة الجديدة
  • فيسبوك
    تعليقات


    التجارة الالكترونية بين الفرص والتحديات في ظل جائحة كوفيد 19
    على قدر ما فرضت جائحة "كوفيد 19" من تحديات كان لها كذلك فرص أمام الاقتصاد الوطني،وبخاصة فيما يتعلق

    ترمب ضد «السيليكون»... حرب البيانات ومزحة «حريّة التعبير»!
    الولايات المتحدة على صفيح ساخن وحرائق العالم الموازي التي لا يمكن أن يطفئها رحيل ترمب أو حتى الضغوطا

    حماية البيانات الشخصية والجدل حول واتس اب
    مع اعلان شركة الفيس بوك عن نيتها نقل بيانات المستخدمين للواتس اب الي خوادم شركة الفيس بوك وشريطة موا

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
     
        
    التاريخ