مقالات -
صراع السيادة السيبرانية بين التوجهات الروسية والأمريكية

: 105
الاربعاء,26 يونيو 2019 - 03:17 م
كتب د.عادل عبد الصادق*
التقرير الاستراتيجي العربي 2018 ، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، ، ص ص 26-29

تحول الفضاء السيبراني الى ساحة رديفه للحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة وروسيا،تحت مظلة التنافس لقيادة النظام الدولي أو التأثير في مساراته علي أقل تقدير،

صراع السيادة السيبرانية بين التوجهات الروسية والأمريكية
اضغط للتكبير

 وبرز المجال السيبراني كحالة جديدة من أنماط الصراع وتأثيراته المختلفة في ظل حالة الاستقطاب بين الشرق والغرب،ودور الثورة الصناعية الرابعة في تراتبية القوة في النظام الدولي،وبرزت اتجاهات جديدة للخلاف الروسي –الامريكي حول السيادة السيبرانية، وهو ما انعكس على القضايا والاستراتجيات والتي ستؤثر حتما على مستقبل الصراع السيبراني بين الدولتين من جهة وتاثير ذلك على الامن الجماعي الدولي من جهة اخري   .

  أولا، اتجاهات الخلاف الروسي –الأمريكي حول المجال السيبراني

استحوذت قضية الفضاء السيبراني على اهتمام متصاعد لدى كل من روسيا والولايات المتحدة ،وبخاصة على أثر تداعيات التحقيقات بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية ،وباتت ملامح الخلاف حول الاعتداءات تخف وطأه الا انه أخذ في التصاعد بعد اتهام روسيا بشن هجمات سيبرانية على حلفاء الولايات المتحدة في اوروبا عام 2018 ، وبخاصة بعد اتهام بريطانيا لروسيا بشن هجمات سيبرانية ضدها ،وساعد التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة الى تصاعد الاتهامات بقيام الصين بالتجسس على الرئيس "ترامب "، ومن جهة اخرى عززت العقوبات الامريكية على روسيا والصين من التقارب في الرؤى حول المجال السيبراني.

وتصاعد المخاوف من استيراد البرمجيات من الخارج لاستخدامها لاستهداف البنية التحتية المعلوماتية.واستخدام القوانين والتشريعات للحماية والرقابة على استيراد التكنولوجيا ، والحذر من احتمال ارتباط الشركات التكنولوجيه الاجنبية باهداف دولة معادية .وتصاعد الخوف من التعرض للتجسس الاقتصادي والصناعي وتوظيف أجهزة الاستخبارات الأجنبية للمجال السيبراني

وفي محاولة للاستجابة لتلك التهديدات أصبح الغرب بقيادة الولايات المتحدة والشرق بقيادة روسيا والصين اللذان يتصارعان على فرض رؤية كليهما لكيفية تشكيل القواعد والمبادئ الدولية،التي من شأنها تنظيم التعامل مع التهديدات المحتملة في الفضاء السيبراني،ومما أربك المشهد الدولي هو تحول الصين وروسيا من العزلة عن السياسات العالمية إلى الانخراط وبشدة بها بل والسعي إلى وجود تكتل قوي في مواجهة تكتل أخر بقيادة الولايات المتحدة .

وأدى هذا الخلاف بين كلا الجانبين إلى عدم التوصل إلى اتفاق حول الأمن السيبراني والاختلاف في الرؤية للاستراتيجيات والمبادئ والأهداف والتعريفات التي تعبر عن تضارب في المصالح،والتي تكشف عن تمسك الولايات المتحدة بهيمنتها السيبرانية وبخاصة بعد تدشين قيادة عسكرية للفضاء الالكتروني عام2009 .

وفي 7 اغسطس 2018 دشنت الولايات المتحدة  قيادة عسكرية للفضاء الخارجي لتصبح الفرع السادس للجيش ، وهو الامر الذي يكشف انتقال الصراع حول عسكرة "المجالات الدولية " الى الفضاء الخارجي بهدف السيطرة والهيمنة ومنع خصومها من الاستفادة من المزايا الإستراتيجية ،ومواجهة تطوير روسيا أسلحة فضائية قادرة على استهداف الأقمار الصناعية الأمريكية .

وعلى المستوى الدبلوماسي قدمت روسيا مشروع اتفاقية الأمم المتحدة للتعاون في مكافحة الجرائم المعلوماتية،وذلك في محاولة لاستبدال اتفاقية بودابست لعام 2001،والتي وقعت عليها الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب 55 دولة أخرى،وترفضها  روسيا،والتي تراها تهديداً مباشراً لسيادتها،وبخاصة ما يتعلق بالمادة 32 (ب) والتي تسمح لأصحاب البيانات بالسيطرة على استخدامها،بدلا من الحكومات.

ويحاول الاقتراح الروسي وضع قواعد السلوك المتبعة في الفضاء السيبراني،والتحقيق المشترك في الأنشطة الخبيثة. ورأت الولايات المتحدة في المقابل إن الاتفاقية المقترحة ستعزز من قدرات روسيا وغيرها من البلدان السلطوية في السيطرة على الاتصالات في الداخل و في بلدان أخرى.

وبخاصة بعد تأييد تجمع "البريكس "للمبادرة الروسية ،من اجل ضرورة  تبني صياغة آلية تنظيمية ملزمة بشأن مكافحة الاستخدام الإجرامي لتقنيات المعلومات والاتصالات تحت رعاية الأمم المتحدة. وشمل الخلاف بين القوتين نمطين رئيسيين للصراع،

النمط الاول ،توظيف القوة "الناعمة"في التدخل الخارجي،وذلك من خلال  محاولة روسيا والولايات المتحدة توظيف الفضاء السيبراني في شن الحرب النفسية او نشر المعلومات المضللة او دعم المعارضة الداخلية عبر الانترنت

النمط الثاني،توظيف القوة "الصلبة"في التدخل الخارجي عبر الفضاء السيبراني من خلال تهديد امن البنية التحتية المعلوماتية عبر شن هجمات سيبرانية و فيروسات تخريبية،وتطوير استخدام "الاسلحة السيبرانية".

اختلاف الرؤي حول الفضاء السيبراني

القضية

الولايات المتحدة والمملكة المتحدة

روسيا والصين

الفضاء السيبراني

فوضوي

فضاء سيادي

التنظيم

دور مركزي للقطاع الخاص ولا حاجة ضرورية  لتدخل الحكومات

دور مركزي للدولة وضرورة التدخل الحكومي

حوكمة الانترنت

(من يصنع السياسات)

مشاركة كافة أصحاب المصلحة (حكومة ،قطاع خاص ،أكاديمي،مجتمع مدني )

دور أساسي للدول ووضع قواعد ومنظمات جديدة للتعامل مع الظاهرة المستحدثة

 

ثانيا،ملامح التغير في الإستراتيجية الأمريكية تجاه المجال السيبراني

أقرت الولايات المتحدة إستراتيجية جديدة للأمن السيبراني في عام 2018،اتخذت موقفا أكثر شراسة في الحرب السيبرانية عن ذي قبل ،وذلك في مقابل تهديدات كل من الصين وروسيا وآخرين،ودخلت حيّز التنفيذ بعد قرار ترامب بإلغاء قواعد حددها سلفه" أوباما" للعمليات السيبرانية،والاتجاه للاستعداد للحرب السيبرانية من خلال بناء قوة أكثر فتكًا،وتوسيع التحالفات والشراكات،وأن قيام أي دولة بنشاط سيبراني ضدها سيكون الرد بطريقة هجومية ودفاعية ولن يتم بالضرورة في الفضاء السيبراني،وان فشل عملية ردع الأنشطة السيبرانية التي تشكل استخدام للقوة ضد الولايات المتحدة أو حلفائها ستدفع الى استخدام القوة المشتركة من القدرات العسكرية ردا على ذلك في المجال المادي.والاتجاه كذلك الى تبني إستراتيجية قائمة على"الهجوم الدفاعي"،والتحرك الى الإمام خارج الحدود واختراق شبكات الخصم،وتعزيز القدرات لجمع المعلومات الاستخباراتية والاستعداد للصراعات المستقبلية .

 وترى الولايات المتحدة ان الفضاء السيبراني يجب ان يعزز من التفوق العسكري وممارسة الأنشطة الاستخباراتية ،وحماية الامن القومي،والعمل على ردع القوى الدولية المنافسة،ومواجهة سرقة الأسرار الصناعية وتهديد البنية التحتية المعلوماتية والنظام الديموقراطي.وذلك من خلال العمل على.

v  ضمان قدرة الجيش الأمريكي على القتال وكسب الحروب في أي مجال،بما في ذلك الفضاء السيبراني.وحماية الأمن القومي و ردع العدوان الذي قد يشنه الأعداء ،والاستجابة السريعة للهجمات السيبرانية التي تمثل استخداما للقوة ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها الاستراتيجيين ،

v  السعي لشن هجمات استباقية و هزيمة أو ردع ألانشطة السيئة عبر الإنترنت ،والتي تستهدف البنية التحية الحرجة،والتي قد تؤثر في  قدرة وزارة الدفاع في القتال والدفاع عن المصالح الوطنية،واعتماد أسلوب الدفاع الى الإمام من خلال ضرب مصادر الخطر خارج حدود الولايات المتحدة قبل ان تصل الي الداخل.

v  تعزيز التعاون مع الهيئات المعنية بالدفاع مع القطاعين العام والخاص لتنسيق انماط الاستجابة ونقل الخبرات والتعاون في تنفيذ الإستراتيجية القومية للأمن السيبراني .

v  التعاون مع الحلفاء من اجل تعزيز القدرة على مواجهة الهجمات السيبرانية وتعزيز جاهزيتها في مجال الدفاع السيبراني والردع ومواجهة الهجمات وتشارك المعلومات للعمل على فاعلية مواجهة التهديدات السيبرانية وتعزيز وضع الأمن السيبراني.

v  تعزيز قواعد السلوك الرسمي للدولة في الفضاء السيبراني من اجل العمل على تبني المبادئ الطوعية وغير الملزمة لسلوك الدولة في الفضاء السيبراني وتأييد عمل لجنة فريق الخبراء الحكوميين التابع للأمم المتحدة المعني بالتطورات في مجال المعلومات والاتصالات في سياق الأمن الدولي (UNGGE).

ثالثا ،التغير والاستمرار في الإستراتيجية الروسية في المجال السيبراني

لم تدشن روسيا  قيادة عسكرية للفضاء السيبراني كما فعلت الولايات المتحدة،الا انها تعتمد على استراتيجيات جديدة لتعزيز قدراتها في مجال القوة السيبرانية ،وترتكز الرؤية الروسية على استخدام مصطلح "أمن المعلومات"كتعريف عن "الأمن السيبراني"،وذلك لأنها ترى انه مصطلح شامل يغطي الأمن السيبراني باعتباره جزء تابع له،وترى انه من الصعوبة ممارسة الدولة الرقابة والتنظيم الكامل للأمن السيبراني،وتسعى روسيا لبناء معايير دولية من خلال التعاون في الفضاء السيبراني،اما لتعزيز القدرات في مجال مواجهة التهديدات الداخلية لأمن المعلومات او مواجهة التهديدات الخارجية ،ومن ثم فان ابرز سمات الأمن السيبراني الروسي هو تطبيق السيادة الوطنية على الفضاء السيبراني "CyberSovereignty"، لذا،فإن "السيادة السيبرانية"،ودور الدولة في مجال المعلومات والتنظيم والسيطرة،هي مرتكزات أساسية لإستراتيجية الأمن السيبراني الروسي.وهو ما يجعلها عامل معوق في بناء المعايير الدولية المتعلقة بالأمن السيبراني من وجهة نظر الدول الغربية .

بل وذكر هذا المنظور الروسي في العديد من الوثائق المعنية بعقيدة الاتحاد الروسي في "ضمان أمن المعلومات.والذي يظهر نية الحكومة الروسية لقيادة الجهود الدولية لتحقيق درجات عالية من الأمن،وذلك من خلال العديد من الطرق القانونية والمؤسسية والتكنولوجية وغيرها .

وهو الأمر الذي يلاقي انتقادات حادة من قبل القوى الغربية مثل الولايات المتحدة،والتي ترى إنها تمارس سياسات استبدادية لقمع الحريات للمعارضة الروسية،وان ذلك يعبر عن "تحكم"مفرط في الفضاء السيبراني،وذلك على الرغم من تضمن المبدأ الأول في إستراتيجية الأمن السيبراني الروسي حرية المواطنين وحقوقهم الدستورية،وهو ما يعني عدم ممارسة سيادتها على الفضاء السيبراني الى مستوى"السيطرة الكاملة"،ولكن يمكن ان يكون اقرب الى مستوى"الرقابة".

وتحتفظ روسيا بعلاقات تعاونية مع الصين في مجال الفضاء السيبراني عبر اتفاقها عام 2015 وانضمامها لمنظمة شنغهاي للتعاون،بينما لا توجد علاقات متقاربة مع الولايات المتحدة بشأن التفاوض حول الفضاء السيبراني.

ورغم ذلك تصر روسيا على سعيها لإرساء قواعد دولية من خلال التوافق الجماعي الدولي،وهناك تناقض روسي مع القوى الغربية حول إنشاء معايير الإنترنت الدولية وبخاصة فيما يتعلق بالاختلاف بين تناول ومعالجه مفهومي "الفضاء السيبراني"و "السيادة السيبرانية".وذلك الى جانب الخلاف بشأن استخدام السلطة السيادية في الفضاء السيبراني و"التهديدات السيبرانية". والتي تعرّفها روسيا  تحت مصطلح "التهديدات الأمنية المعلوماتية".وتفصل بين تهديدات أمن المعلومات الخارجية والاخري الداخلية ،وتري إنها أكثر حساسية ضد التهديدات السيبرانية الموجه الى الداخل الروسي .

 

رابعا، اتجاهات مستقبل الصراع السيبراني بين روسيا والولايات المتحدة .

الاتجاه الاول،الانتقال من الصراع على السيادة في الفضاء السيبراني الى الفضاء الخارجي،وخاصة مع حالة التداخل بين كلا المجالين ولمواجهة التهديدات الروسية في مجال القوة الفضائية .

الاتجاه الثاني،التحول من الصراع "الناعم"على المعلومات والاستخبارات الى صراع "صلب "على الاستحواذ على القوة السيبرانية ذات الطابع التدميري،والاستثمار في تطوير واستخدام الأسلحة السيبرانية من اجل تعزيز القيادة والسيطرة.

الاتجاه الثالث،من الطابع العالمي المفتوح للفضاء السيبراني الى الحمائية الدولية والدفع نحو "البلقنة "وفرض سيادة الدولة الوطنية في مقابل نظريه الفوضى.

الاتجاه الرابع،تصاعد بناء القدرات في مجال شن الهجمات السيبرانية المنظمة والتحول من تبني السياسات الدفاعية إلى أخري هجومية ذات طابع استباقي وهو يهدد بعسكرة الفضاء السيبراني .

الاتجاه الخامس،تأثير تزايد حالة الاحتقان بين  روسيا والولايات المتحدة بسعي كل طرف أيجاد تكتل دولي داعم له وضاغط على الطرف الأخر وبخاصة إن العقوبات الأمريكية على روسيا ساعدت في التقارب مع الصين .

الاتجاه السادس،توظيف الفضاء السيبراني لتحقيق أهداف خارجية والتدخل في الشئون الداخلية من خلال دعم حركات معارضة سياسية او مسلحة سواء عبر تقديم الدعم التقني او السياسي او الإعلامي .

الاتجاه السابع،التوجه لتوظيف الفضاء السيبراني لفرض العقوبات الدولية على السلوك بمنع تصدير تكنولوجيا عسكرية او تجسسية او قطع كابلات الانترنت الواصلة للدولة او حجب مواقع مساندة للدولة في  الداخل .

الاتجاه الثامن،تصاعد الأنشطة السرية والاستخباراتية وتوظيف برمجيات التجسس والرصد والتحول من توجيه هجمات سيبرانية من الخارج إلى الداخل إلى توظيف عملاء الاستخبارات أو  الدبلوماسيين المقيمين بشن هجمات من الداخل الى داخل الدولة.

وإجمالا يبدو تصاعد التوتر بين القوتين الأمريكية والروسية  إلى جانب دول أخري سيعمل على تهديد الأمن الجماعي الدولي وهو ما يعزز اتجاه إعادة الاعتبار للقانون الدولي والمنظمات الدولية في حفظ الأمن والسلم الدوليين.

.خصوصا وأنه من المرجح أن تنتقل الحرب الباردة الجديدة عبر الفضاء السيبراني إلى داخل المعسكر الغربي من قبل روسيا والصين لحين تحقيق التوازن الاستراتيجي في النظام الدولي.  

اقرأ ايضآ

  • تطبيق تحدي الشيخوخة والهروب الى الامام
  • التعاون السيبراني بين دول الخليج وإسرائيل: الموازنة بين التهديدات والحقوق
  • الردع في الفضاء الالكتروني
  • تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي .
  • الشعر ينتعش بفضل شبكات التواصل الاجتماعي
  • فيسبوك
    تعليقات


    تطبيق تحدي الشيخوخة والهروب الى الامام
    تعد البيانات الشخصيه من اهم الموارد التي تتصارع عليها الشركات والدول من اجل عمليه الاستحواذ والمعالج

    التعاون السيبراني بين دول الخليج وإسرائيل: الموازنة بين التهديدات والحقوق
    في السنوات الأخيرة، ولّدت المغامرات الإيرانية والتطورات الأخرى في منطقة الشرق الأوسط تقارباً تاريخيا

    الردع في الفضاء الالكتروني
    في وقت سابق من هذا العام، اعترف المسؤولون الأمريكيون بأن عملياتهم الإلكترونية الهجومية منعت روسيا من

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    هل تعتقد ان تنظيم داعش سيظهر بقوة مرة اخرى عبر الفضاء الالكتروني؟
    نعم نتيجه خسارة معاركه على الأرض
    لا سيتراجع نشاطه مع خسائر ه التنظيمية والفكرية
    ربما سيحاول ان يظهر بشكل جديد وباسم جديد وارض جديدة
     
        
    التاريخ