دوريات - مفاهيم استراتيجية
الثورة الصناعية الرابعة: تحديات وفرص الاستحواذ على القوة الجديدة

: 191
الاحد,14 ابريل 2019 - 02:22 م
كتب د.عادل عبد الصادق*
المصدر ،مجلة احوال مصرية ،مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، دراسات ،العدد 71 ، شتاء 2018 ص ص 15-، 27

جاءت الثورة الصناعية الرابعة لتطلق شرارة الجيل الرابع من العولمة ، ولتفرض معها المزيد من المتغيرات الجديدة أمام الحكومات والساسة في العديد من دول العالم ، وذلك في محاولة للتأقلم سواء تنظيميا أو أخلاقيا أو قياس مدى القدرة والاستعداد لخوض غمار التنافسية الجديدة ،والتي أصبحت قائمة على المساهمة في الإبداع والابتكار، وتحويل ذلك لتطبيقات قادرة على الاستحواذ على الأسواق التجارية والفوز بالمكانة والسيطرة في "العالم الجديد" ،وكان لـمنصة "القوة الجديدة" دور في بروز قوى جديدة داخل النظام الدولي او عبر ظهور قيم وأنماط جديدة للحياة وللعمل كذلك،أو بدورها في بزوغ ظواهر جديدة ،وأصبح لذلك كله تداعيات وآثار ممتدة ،وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول ماهية الثورة الصناعية الرابعة وما هي خصائصها ؟ وما الذي يميزها عن سابقيها من الثورات العلمية ؟ وما هي الفرص التي تتيحها لمن يمتلك زمامها ؟ وما هي طبيعة التحديات التي تفرضها تجاه الأفراد والشركات والحكومات ؟ وما هو أثرها على العمل والوظائف هل ستزيد ام تقل ؟ وما هو التأثير على طبيعة الفجوة بين الدول الصناعية والنامية وبين ألأغنياء والفقراء هل تتسع ام تنكمش ؟

الثورة الصناعية الرابعة:  تحديات وفرص الاستحواذ على القوة الجديدة
اضغط للتكبير

أولا –تعريف وخصائص الثورة الصناعية الرابعه

1-تعريف الثورة الصناعية الرابعه

يشهد المجتمع الدولي جملة من التغييرات ذات الطبيعة التكنولوجية والعلمية ،والتي أصبح لها انعكاس على الفرد والمجتمع والدولة ،وبدأت تظهر إرهاصات ثورة علمية جديدة أصبح لها قوة التأثير في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني وغيرها ، حيث أصبحت تستخدم الآليات التقنية الجديدة في تصحيح العلاقة المباشرة بين الحاكم والمحكوم وفي الاستجابة للمطالب الشعبية عبر تقديم الخدمات الحكومية بسهولة ويسر ،وأصبح النظام السياسي أكثر قدرة على امتصاص ردود الأفعال ،وفي توظيف تلك القدرات  الجديدة في تعزيز التنمية المستدامة والدفع بعجلة النمو الاقتصادي ، وعلى الرغم من الاعتقاد الشائع بان الثورة الصناعية لها تأثيرات اقتصادية فقط الا ان وعيا كونيا بدا يظهر لفهم كافة الأبعاد المرتبطة بها ، وعلى المستوى الاقتصادي أصبح للثورة الصناعية تأثيرات على مستوى الإنتاج وأسواق المال والإعمال والاقتصاد إلى جانب التأثيرات العلمية والصحية ، وتأتي تلك المتغيرات في ظل تصاعد: أ) العولمة التنافسية التي تفرض على الشركات أن تعزز مواردها بشكل مستمر، لتمكن منتجاتها من الاستحواذ على الأسواق. ب) الابتكارات الرقمية التي تسمح للمؤسسات بجمع البيانات في الوقت الحقيقي؛ ج) ظهور نمط جديد من المستهلك الرقمي المتعلم الذي يطالب بمنتجات متزايدة على المستوى الشخصي.

وتم التعبير عن تلك التحولات فيما أطلق عليه  بـ"الثورة الصناعية الرابعة"IndustrialRevolution4.0، او "الجيل الرابع من العولمة"،Globalization4.0 [1]، والتي تشير لـ "عملية الدمج بين العلوم الفيزيائية أو المادية بالأنظمة الرقمية والبيولوجية في عمليات التصنيع عبر آلات يتم التحكم فيها الكترونيا وآلات ذكية متصلة بالانترنت مثل انترنت الأشياء والطباعة ثلاثية الأبعاد،والذكاء الاصطناعي والروبوتات وغيرها في شكل تطبيقات تدخلت في كافة مجالات الحياة والعمل".[2]ة الأة للثورة الصناعية الرابعة.

وبينما كانت الثورة الصناعية الاولي معتمدة على الانتقال من الفحم إلى المحرك البخاري في القرن الثامن عشر ،كانت  الثورة الصناعية الثانية في نهاية القرن التاسع عشر مرتكزة على اختراع الكهرباء،ولتأتي الثورة الصناعية الثالثة، بإطلاق عملية تحويل حركة الإنتاج الى "الآلية" ، والتطور في تكنولوجيا الكمبيوتر والانترنت، والتي ظهرت في الستينات من القرن العشرين.  

 

2-خصائص الثورة الصناعية الرابعه

على الرغم من ان الثورات الصناعية السابقة جاءت معها زيادة في الثروة والدخل وتحسين أنماط حياة البشر[3] ،الا ان الثورة الرابعة التي يمر بها المجتمع الدولي جاءت بخصائص فريدة  منذ انطلاقها في مطلع القرن الحادي والعشرين ،ويتم ذلك في شيء من السرعة والتعقيد وما بين تعزيز التداخل بين ما هو خارجي وداخلي ،وما هو خاص بالدولة ،وما هو خاص بالسكان ،وما بين الفاعلين من الدول، والآخرين من غير الدول ،وبخاصة مع تعزيز قدرة الشركات على اتساع اسواقها وهيمنتها في مقابل السيادة التقليدية للدولة،.وتتميز الثورة الصناعية الرابعة عن سابقاتها من الثورات، بأبعاد ثلاثة ، أولها، السرعة ومستوى التعقيد، وثانيها، التأثير الممتد والشامل لجميع نواحي الحياة، وثالثها ،تعددية النظام، حيث يمكن لهذه الثورة إحداث تغيير جذري في العلاقات بين الدول والشركات والمجتمعات داخل، كل منها وفيما بينها.ومن خصائصها ،أ) انها لن تأتي بخدمات جديدة  فقط بل ستعمل على تغيير النظم المعمول بها ككل ،ب)  ان عملية التطور من خلالها تأتي  في شكل طفرات هائلة للنمو وليس بصورة خطية او "موجه" ، ج) انها تعتمد على الاستفادة من كل المنجزات الحضارية .د) ان تاثيرها لن يقتصر على ما نقوم به من افعال بل ستغير ما بداخلنا ،وهـ) تصاعد دور الابداع والابتكار في عملية الإنتاج بصورة أكبر من رأس المال.

 

ثانيا : مكاسب وتحديات الثورة الصناعية الرابعه

 

1-مكاسب الثورة الصناعية الرابعه

أ‌-              تحقيق معدلات نمو عالية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية ، وتحسين ورفع مستوى الرعاية الصحية ،واختصار الكثير من الوقت في عملية التطور وانتشار المنجزات في مناطق  متعددة ، وخفض تكلفة الإنتاج وتامين الخدمات وتسهيل وسائل النقل والاتصال بشكل أكثر كفاءة واقل تكلفة .وفتح أسواق جديدة وتحفيز النمو الاقتصادي ،والعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة . وتوفير وظائف جديدة ترتبط بالمجالات الجديدة التي تتيحها الطابعات الثلاثية الأبعاد للتصميم والإنتاج، وبرمجة الروبوتات والأنظمة الذكية [4]

ب‌-    تحقيق إيرادات إضافية للاقتصاد ،وذلك من خلال ،إحداث تحول رقمي لمجموعه المنتجات والخدمات الحالية ، وإيجاد نماذج أعمال جديدة ، وبروز منتجات وخدمات وحلول رقمية جديدة ، وتقديم بيانات وتحليلات كبيرة على شكل خدمات ، ومنتجات مصممة وفق الطلب وتخصيص شامل ، تعزيز الفرصة في كسب الأسواق من خلال الفهم الأعمق للعملاء من خلال تحليل البيانات وهو ما يحقق أرباح مرتفعه ، وهو ما يؤثر في زيادة حصة السوق من المنتجات الأساسية وتوظيف وابتكار سلاسل توريد متطورة في بيئة تجارية عالمية تدمج الشركات متعددة الجنسيات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة وتحدث نقلة نوعية في مستقبل الإنتاج.[5]

 ج- تخفيض التكلفة وزيادة الكفاءه من خلال ،مراقبة الجودة في الوقت الحقيقي،وتطبيقات إنتاج مرنه ومصممه للعملاء ،والاستفادة من الاطلاع على العمليات وتباين المنتجات في الوقت الحقيقي ، واستخدام خوارزميات التنبوء لتحسين الأداء ، والتكامل الرأسي من خلال الاستشعار في نظام التنفيذ وتخطيط الإنتاج ،والتكامل الأفقي بتتبع المنتجات وتعقبها لتحسين اداء المخزون ، وإحداث تحول رقمي في العمليات واتممتها لاستخدام الموارد البشرية بطريقة أكثر ذكاء ، والتخطيط الشامل في الوقت الحقيقي والتعاون باستخدام الحوسبة السحابية وزيادة حجم السوق .

 

2- تحديات الثورة الصناعية الرابعه.

 

v     هيمنة الشركات الكبرى على الإنتاج الصناعي ،والتهديد باختفاء الكثير من الوظائف وفرص العمل بنسبة 50% ،وهو ما يفرض تحدي بانتشار البطالة وبخاصة في الدول غير المستعدة لعملية التحول .

v    ،المساهمة بشكل غير مباشر في عدم المساواة واتساع الفجوة نسبيا بين الفقراء والأغنياء ، والانحياز للمهارات التي تتواكب مع التغييرات التي تفرضها الثورة الصناعية .[6]

v    تحدي مواجهة المجتمع عملية إعادة الهيكلة الاقتصادية والاجتماعية وتحمل تبعات ذلك التغيير على القيم الثقافية والاجتماعية او على مستوى سلوك الدول والفاعلين من غير الدول 

v    مواجهة عدد من الحكومات معضلة التحول في ميزان القوى بين القطاعات الصناعية، والجهات الحكوميّة وغير الحكوميّة من جهة، والبلدان النامية والمتقدمة من جهة أخري .

v    احتمال توظيف مقدرات ومزايا تقنيات الثورة الصناعية الرابعه للعمل على القيام بافعال غير مشروعه او غير أخلاقيه ،والتي من شأنها الإضرار بالمجتمع او بالقيم او بالأفراد مثل تنامي الجريمة الالكترونية والحروب السيبرانية ،وانتهاك الخصوصية ،ونشر الكراهية والتطرف والاخبار الزائفة ،والحيلولة دون تطور وجهات نظر عالمية أكثر تنوّعًا واتساعًا،

v    تحدي الفجوة التشريعية التي تفرضها الثورة الصناعية الرابعة ،والحاجة إلى أطر ومناهج ونظم وتشريعات جديدة للتعامل معها مثل التعامل مع الجريمة التي يمكن أن تقع من الروبوتات، أو الحوادث التي تسببها السيارات ذاتية القيادة، ومدى إمكانية  منح الروبوت الشخصية القانونية،بالإضافة الى الوضع القانوني للعملات الرقمية والتحديات الأخلاقية للهندسة الوراثيّة .

v    كيفية التعامل مع الملايين من الموظفين والعمال الذين من المتوقع أن يصبحوا عاطلين عن العمل بسبب التوسع في التحول الرقمي للأعمال والاعتماد بشكل أكبر على الروبوت لكي يحل محل الإنسان في بعض الوظائف ،والتأثير في منظومة القيم بالمجتمع وأثر ذلك في الأمن و طبيعة العلاقات بين البشر.

 

ثالثا ، التحول الرقمي وقيادة التغيير داخل الحكومات     

 

أحدثت الثورة الصناعية الرابعه تسارع في حجم التغييرات التي أصابت النظم المالية والاقتصادية الى جانب النظم السياسية والاجتماعية ،وامتد تاثيرها كذلك على الابعاد الثقافية والمعرفية ،وذلك عبر انتشار واستخدام تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، والتي يحركها عدة محفزات لعل أهمها ، التحول الرقمي والتكامل لسلاسل القيمة الأفقية والراسية،والتحول الرقمي في المنتجات والخدمات ، وتطوير نماذج أعمال رقمية للوصول الى العملاء ،والارتباط بين الإنسان والآلات والتفاعل بينهما في الوقت الحقيقي،والتأثيرالمباشر في  الاقتصاد الدولي ، وحركة رأس المال ونشاته.ومن ثم فان تحليل البيانات عدت من محركات القيمة الاساسيه للثورة الصناعية .

والتي اتاحت الفرصة لاول مرة للدول الصغري في النظام الدولي بان يكون لها دورا بعيدا عن متطلبات القوة القومية التي ارتكزت على العناصر التقليدية المرتبطة بالمساحة والموارد الطبيعية وحجم الجيش والسكان ،وأصبحت تعلو معها قيمة الكيف عن الكم ،وقيمة الذكاء عن التقليد ،ويتم النظر الى "مفهوم التحول الرقمي" على انه إطارا يعيد تشكيل الطريقة التي يعيش بها الناس ويعملون ويفكرون ويتفاعلون ويتواصلون اعتمادا على التقنيات المتاحة مع التخطيط المستمر والسعي الدائم لإعادة صياغة الخبرات العملية، ويوفر"التحول الرقمي " إمكانات ضخمة لبناء مجتمعات فعالة ،تنافسية ومستدامة عبر تحقيق تغيير جذري في خدمات مختلف ألأطراف من مستهلكين وموظفين ومستخدمين،وذلك مع تحسين تجاربهم وإنتاجيتهم عبر سلسلة من العمليات التي تلائم الإجراءات اللازمة للتنفيذ ،وتشمل تأثيرات "التحول الرقمي" تغيير طرق المتاجرة بالمنتجات والخدمات ،وتحسين خبرة الزبون وتحسين العمليات والتفكير الاستراتيجي وإعادة صياغة الثقافة التنظيمية والاهتمام بالمجتمع وتحليل البيانات.[7]وتتكون عملية وضع إستراتيجية للتحول الرقمي الأخذ بعين الاعتبار أربع عناصر رئيسية ،

 العنصر الأول ، البنية التحية المعلوماتية Digital Infrastructionوالتي تتكون من شبكات الاتصالات الثابتة ومراكز البيانات ومنصات للخدمات متكاملة ، وبوابات للدفع الالكتروني ،وتحليل البيانات ،ومستشعرات متصلة ،والبيانات المفتوحة ،والخرائط الجغرافية ،والثقة الرقمية .

العنصر الثاني ، يرتبط بالبيئة الرقمية  DigitalEnvironment  وهي ترتبط بتوافر الحوكمة ،والمهارات الرقمية ،والتمويل، والتنظيم والتشريع، والإبداع وريادة الأعمال ،والشراكات .

العنصر الثالث ، جانب العرض الرقمي DigitalSupply ،يتكون من الحكومة الالكترونية ،تطبيقات الخدمات الصحية ،والتعليم الالكتروني ،الاستخدامات الذكية ، والامن الالكتروني ،والتمويل الرقمي ، والاعلام الرقمي ، والمواصلات الذكية ، والمدن الذكية.

العنصر الرابع، يرتبط بعنصر الطلب الرقمي ، DigitalDemand ، ويتكون من فئات الإفراد ورجال الأعمال والحكومة ،  وتشمل اركان التغيير للدخول في التحول الرقمي من جانب الحكومات ، أهمية ، تبني إستراتيجية للتحول الرقمي ، وارتباط التحول بالموظفين والعملاء ، وتنمية ثقافة الإبداع ، وتوفير البنية التحتية المعلوماتية  ، وتبني مشروعات لتطوير الصناعات التكنولوجية والبرمجيات،وتحديث الأطر التشريعية والقانونية ، الى جانب اهمية البيانات والتحليلات في التطوير والرصد . ويأتي ذلك الى جانب أهمية بناء نماذج عمل مبتكرة وجودة الخدمات ،وترشيد الإنفاق الحكومي ،وهو ما يساعد في تعزيز موقف الدولة في التنافسية الدولية .

 وأن تسعى الحكومة الى تطوير ادائها في مجال التمويل، وإدارة الإبداع والتدريب ، وبناء قاعدة معلومات ،وتعزيز ثقة المجتمع في التعاملات الالكترونية ، وتوفير الخدمات الحكومية بشكل بسيط أمام الجمهور،ويتطلب بناء مجتمع رقمي اهمية العمل على تطور التعليم المستمر بما يتناسب مع احتياجات السوق العالمي.

ومن جهة اخري إن الترابط الرقمي على مستوى الحكومات والبنوك والأفراد وجمع المعلومات ثم تحليلها يساعد الدولة والقطاع الخاص  معا للعمل من خلال بيئة سليمة للأعمال في المستقبل.[8]

، وبناء على ذلك يجب ان تدرك الحكومة في عصر الثورة الصناعية الرابعة حقيقة دورها المطلوب منها ، وعدم التركيز على طبيعة التمييز بين الدول الفقيرة و الغنية  بقدر الاهتمام بحجم الإنفاق على الإبداع والابتكار ، وان تعيد الحكومات تشكيل نفسها من جديد ليس بالاعتماد على الشكل الهرمي التقليدي بل بالتحول إلى منصات للتطبيقات للتواصل مع المواطنين ، وان تركز الحكومات على تنمية رأس المال البشري والمهارات والمواهب التي تجعل البلدان ذات قيمة مضافة في العالم المعاصر ، وهو ما يرتبط بتنمية المهارات الخاصة بالاقتصاد الرقمي لقطاعات كبيرة من السكان وإشراك كافة الشرائح .

وتعاني الدول العربية من تحديات الافتقار إلى الثقافة الرقمية والتدريب ،وان التحول الرقمي بحاجة إلى متطلبات استثمارية مالية كبيرة ، وعدم وضوح الفوائد الاقتصادية للاستثمارات ، وعدم كافية الكفاءات وبطء التوسع في البنية التحتية ،والافتقاد إلى رؤية واضحة للعمليات الرقمية ، ومواجهة ضعف حماية البيانات والخصوصية والملكية الفكرية .

وبخاصة في ظل التأثير المتوقع للثورة الصناعية الرابعه على العمل حيث انه في ظل التغير المتسارع في سوق العمل سيكون وفقا الى "ماكينزي" ما يزيد على 375 مليون عامل بحاجة الى تغيير عملهم بحلول عام 2030 ، وسيساهم العمل المعتمد على المهارات الرقمية بـ 2,7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحول عام 2025 ، [9]

ويتوقف ذلك على اربعه ابعاد منها الاول ،البعد التكنولوجي:حيث إن التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي،والروبوتات ، والطباعة ثلاثية الأبعاد ، وإنترنت الأشياء سيضغط على الشركات من أجل التشغيل الآلي وان تبقى ذات تنافسية مع ضغوط التكلفة مما سيؤدي الى تقليص كبير في عدد العمال "التقليديين" و إعادة تعيين مجموعة كبيرة من الوظائف الاخري.

الثاني ، البعد الاقتصادي، ان كانت الأرض والعمالة ورأس المال والمشروعات هي عوامل الانتاج والنمو الاقتصادي فان  العالم  لا يملك سوى 52? من القدرة على تنظيم المشروعات ، والتي تقل بشكل كبير تدريجيا .وعلى الرغم من امتلاك الشركات الكبيرة القدرة على التكيف مقارنة بالشركات الأصغر الا ان عملية دعم رواد الاعمال والشركات الصغيرة ومتوسطه الحجم لها دورا كبيرا في الاقتصاد العالمي

الثالث ،البعد الاجتماعي : والذي يرتبط بقدرة التطور التكنولوجي في تغيير القيم المجتمعية، والثقافية،فعلى سبيل المثال  36? من القوى العاملة في الولايات المتحدة يعملون لحسابهم الخاص ،وبخاصة مع تمكين التكنولوجيا من العمل في أي وقت وفي أي مكان..

الرابع ،التعليم والتدريب: وهو جزء لا يتجزأ من التنمية الاقتصادية وبان يكون قائم على المهارات التي يتطلبها سوق العمل الجديد ،وأهمية التعليم المستمر لمواكبة التغير في الطلب على الوظائف .

 

 

مخطط عام للتحول الرقمي على المستوى الوطني

 

رابعا ، التحول الى مجتمع المعرفة في الثورة الصناعية الرابعه

 

يطلق على القرن الحادي والعشرين عصر المعلومات والمعرفة، وأصبحت للبيانات دورا مهما في النهضة الاقتصادية، مثل ذلك الدور الذي لعبة النفط في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فكلاهما كان محركا رئيسيا للتغيير الاقتصادي والاجتماعي. وساعد التقدم في الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الإلكترونية في تعزيز قدرة الحصول على البيانات لاستخدامها لتلبية احتياجات العملاء من خلال رصد خياراتهم وآراءهم.

وجاء ذلك مع تطور البيئة التكنولوجية، سواء على مستوى التطبيقات أو حجم الانتشار. وزادت عملية إنتاج المحتوى الرقمي. وارتبطت بتلك العملية زيادة أخرى في إنتاج المعلومات الشخصية، والتي باتت تُستخدم في كافة مناحي الحياة مع عملية التحول الرقمي الذي تطبقه العديد من الحكومات، سواء في تقديم الخدمات أو في عمل البنية التحتية، وتصاعد دور الاقتصاد الرقمي في نمو الاقتصاد العالمي. وأصبح للبيانات قيمة أكبر من أي عهد مضى في خلق الوظائف ودعم عملية الإبداع والابتكار، والتي أصبحت من ضمن ركائز القوة الاقتصادية للدولة.

وأصبح الاقتصاد العالمي يرتكز على "نموذجين" لتبادل القيم. الأول، يتعلق بتبادل السلع والخدمات. أما الأخر فيتعلق بتبادل الاهتمام في منصات الإعلام والترفيه. لكن هناك بعد ثالث جديد يتعلق بتصاعد التكنولوجيا الرقمية والمساواة في البيانات، والتي تأتي من خلال محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي والمعاملات الرقمية.[10] وظهر مفهوم "ملكية البيانات" أو "البيانات كمساواة"، حيث برزت عملية تصاعد جمع البيانات حول التفضيلات والصفات وعادات التسوق، وهو ما يوفر للشركات قدرة على تحليل عميق لتلك البيانات لمعرفة الاحتياجات، وبما يجعلها مصدرا قيما للأفراد والشركات على حد سواء. ومن أبرز تلك التطورات أيضا ظهور "البيانات كعملة"، حيث يقوم المستهلكين بتبادل بياناتهم بشكل مشفر وقابل للثقة والتبادل للحصول على الخدمات. وفي هذا النموذج، تكون البيانات عبارة عن منشئ للثروة للأفراد، ووجود تحديد للهوية يسمح بتبادل البيانات من شخص إلى آخر، وهو ما يشكل في النهاية ما يطلق علية "اقتصاد المساهمين"، حيث مشاركة الكل وعمومية الفائدة عليهم كذلك. [11]

و الرغم من الخلط الواضح في وسائل الإعلام بين البيانات والمعلومات فإنة تجدر الإشارة بادئ ذي بدء  إلى ما يطلق علية "هرم المعرفة" المتكون من خمس مراحل أساسية، هي مرحلة ما وراء البيانات، ثم مرحلة البيانات، ثم مرحلة المعلومات، ثم مرحلة المعرفة، ثم مرحلة الحكمة، وهي مراحل التقدم الإنساني لأي مجتمع ينتقل من مرحلة التدهور والتخلف إلى التقدم والإبداع والابتكار. وترتبط مرحلتا البيانات، وما وراء البيانات بشكل أكبر بأجهزة الكمبيوتر. بينما ترتبط المراحل الأخرى بشكل أكبر بالإنسان، وهو ما يرتبط من جهة أخرى بعملية الاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

وترتبط المرحلة الأولى من "هرم المعرفة " بما يسمى "وراء البيانات" حيث ترتبط بالمعرفة حول البيانات التي يمكن أن تُعالج بشكل ذاتي عبر الكمبيوتر، ويكون لها شكل "وصفي" يرتبط بتحديد المصادر وأهميتها ومضمونها. وهناك طابع "إداري" يرتبط  بأصول المصادر وكيفية الدخول إليها، وطابع "هيكلي" يرتبط بطرق تنظيم البيانات والعلاقة بينها والهيكل الذي يتشكل من خلالها.

وتأتي مرحلة "البيانات"، والتي يتم النظر إليها على أنها "سلسلة غير مترابطة من الحقائق الموضوعية التي يمكن الحصول عليها عن طريق الملاحظة أو عن طريق البحث والتسجيل". وترتبط البيانات بكونها صماء، أي لا تعبر عن أية اتجاه، بل هي بيانات خام أولية لا قيمة محددة لها إلا إذا ترابطت مع بعضها، سواء كانت مجموعة من الحروف أو الكلمات أو الأرقام أو الرموز أو الصور مثل بيانات الموظفين (الأسما، -الأرقام، الوظيفية، المهنة، الحالة الاجتماعية، السن). أما "المعلومات" فهي تلك البيانات التي تمت معالجتها، بحيث أصبحت ذات معنى، وباتت مرتبطة بسياق معين. وفيما تشير "المعرفة" إلى أنها حصيلة الامتزاج غير المرئي بين ما يتم داخل العقل من جمع بين المعلومة والخبرة والمدركات الحسية والقدرة على الحكم، فإن مرحلة "الحكمة" تدل على حالة من التطور في استخدام الطاقة الذهنية لتوليد الأفكار واكتشاف العلاقات وبرهنة النظريات.

ولا تعني "البيانات" ذلك الكم الهائل من البيانات المتمثلة في الصفحات الإلكترونية أو مراكز البيانات العملاقة التي تخزن في الملايين من الخوادم، أو البيانات المخزنة في مراكز جمع وتحليل البيانات، فقط، فواقع الحال يشير إلى شمولها العديد من المدلولات، والتي يتم رؤيتها كبيانات حال إدراك المواطنين أو المستخدمين أهمية ما ينتجونه أو يضيفونه أو يرتبط بهم، أو عبر ما يتم جمعه من بيانات عبر النشاط الإليكتروني للمستخدمين، والذي ربما لا يشكل قيمة أو أهمية لديهم إلا أن الشركات القائمة على تحليل البيانات تستفيد منه وتحوله إلى كنز لمعرفة توجهات وميول وتفضيلات وأراء المستخدمين.

ويقوم على تلك البيانات الشخصية صناعات وتطبيقات مثل الإعلانات التجارية، حيث تستحوذ شركتي الفيسبوك وجوجل على 80% من إعلانات الإنترنت في الولايات المتحدة. ويتم انشاء تلك البيانات الشخصية في كل ثانية من كل شخص لديه اتصال بالإنترنت. ولا توجد رقابة مباشرة من قبل السلطات المحلية حول تدفق البيانات من الداخل إلى الخارج والعكس. من خلال التحول من "البيانات التقنية"Tech Data  الى "البيانات الحيوية"  Bio Data حيث الجمع بين البعد المادي والرقمي والبيولوجي.وتقوم على تلك البيانات تكنولوجيات متقدمة مثل "الاستخبارات السيبرانية" Cyber Intelligence والبيانات الضخمة Big Data، والهندسة الاجتماعية Social Engerining  ،والتي توفر فرصا ضخمة للسيطرة على تيار تدفق البيانات حول العالم..

 

خامسا ، تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي .

 

يعد الذكاء الاصطناعي من أهم إرهاصات الثورة الصناعية الرابعة لما له من تطبيقات عديدة وان كان الذكاء البشري يعني بالقدرات العقلية كالقدرة على التكيف مع ظروف الحياة والاستفادة من التجارب والخبرات السابقة والتفكير والتحليل والتخطيط وحل المشكلات والاستنتاج السليم والاحساس بالآخرين بالاضافة الى سرعه التعلم واستخدام ما نتعلمة بالشكل السليم والمفيد ،وارتبط كل ذلك بقدرات المخ والعقل البشري والتي ترتبط بالحالة النفسية والجسمانية .

، وهي الامور التي باتت مع غيرها اساسا لدعم عملية الدخول في الاقتصاد الرقمي وتملك آليات انتاج وحماية الابتكار والابداع ،واهمية  توظيف القدرات والمهارات والتي اصبحت في سوق عالمي مفتوح ،يرتكز على الجوده والثقة كمعيار للبقاء في الحالة التنافسية الشديدة سواء في تطبيق الافكار والابداع او من خلال التطوير والتحسين المستمر في المنتجات .

وفرض ذلك امام اصحاب الاعمال او الشركات ان يتعامل مع السوق العالمي وليس التفكير فقط في السوق المحلي .

ولما اصبحنا نعيش في عالم السرعه حيث اصبحت التفاعلات تقاس بالثواني والتدفق المتسارع للبيانات والمعلومات في عالم مفتوح ،ومن ثم فان الصراع ليس فقط في انتاج الافكار بل في القدرة على تطبيقها وتحويلها الى منتج ،وخاصة في ظل تقليص الزمن الذي يفصل بين مرحلة التصميم والإنتاج والتوزيع .

واصبح هناك اهمية لعملية تقديم الخدمات المميزه والمتجددة والقابله للاستجابة لردود الافعال ،وخدمة العملاء بطرق مبتكره ،واهمية الاهتمام بالإبداع والابتكار،وهوما يتطلب ان يتم الاستثمار بشكل كبير في تنمية المهارات البشرية والتي اصبحت لازمة لمواكبة تلك المتغيرات ،وهي مهارات عشر هي ، مهارات "التفكير النقدي "و "حل المشكلات " ،و"الابتكار"،و"ادارة البشر"، والتنسيق مع الفريق "، و"الذكاء العاطفي "، و"القدرة على اتخاذ القرار "، و"خدمة التوجيه" ،و"التفاوض ،"والمرونة المعرفية ". [12] 

وهو الامر الذي قد يتم داخل مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتعليمية ،وتحسين فرص التعليم المستمر لمواكبة حجم التغير في العرض والطلب على الوظائف والمهارات ،وبخاصة تنمية مهارات التشبيك والتعاون والقيادة والنجاح في التاثير في الاخرين .

وفرض ذلك ان تتمتع المؤسسات المعنية بمرونة هيكلها التنظيمي ،والذي يمكنها من القابلية للاستجابة السريعه، ووضع اسس للترقية ترتكز على الابداع والقيمة المضافة ،وذلك من قبيل ان عملية نجاح الأعمال اصبح يتطلب قيادة ذكية وحكيمة قادرة على صنع المستقبل .

وهو ما يظهر في تطبيقات السيارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار "الدرون"،والروبوتات ،والتحكم اللاخطي كالتحكم في السكك الحديدية ،والأجهزة الذكية القادرة على القيام بالعمليات الذهنية كفحص التصمايم الهندسية واختبار الجودة ، والمحاكاة المعرفية لاختبار النظريات المتعلقة بعمل العقل البشري والوظائف كالتعرف على الوجوه والاصوات والصور واستخلاص البيانات .

ويكون للذكاء الاصطناعي تطبيقات في المجالات الطبية في تحليل تسلسلات الجينوم البشري للتنبؤ بالطفرات والوقاية من الأمراض. وروبوتات النانو والتي يمكن إدخالها إلى مجرى الدم لإعادة برمجة الجينات أو العمل كخلايا دم بيضاء فائقة الذكاء بما يعزّز من الحفاظ على حالتنا الصحية.

ويلعب الذكاء الاصطناعي دور في  تحليل البيانات الاقتصادية وفي محركات البحث ،وفي الألعاب الالكترونية ،وفي مجالي التسويق والإعلان والصحافة ،الى جانب خدمات انترنت الاشياء ،وفي مجال صناعة الاسلحة الحربية وغيرها من التطبيقات التي أصبحت تتكاثر وتتداخل في العديد من الوظائف .ويعتبر قطاع الحكومات مكانًا مثاليًّا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفي تطوير العديد من برامج الحكومة الإلكترونية وفي تقديم الخدمات الحكومية للمواطنين بسهولة ويسر .

وتفوق الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي ما يتم استثماره في مجال التنقيب عن النفط ،ومن المتوقع ان يضيف الذكاء الاصطناعي عام 2030 إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي أكثر من 15 تريليون دولار اي ما يبلغ 10 أضعاف مبيعات النفط عالميا .حيث تسيطر الصين على حجم الانفاق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي بقيمة 48% تليها الولايات المتحدة بقيمة 38% بينما باقي العالم 13%.

ودفع الدور غير المسبوق لتطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) في نمو الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد ،الى  اهمية الاستثمار الاستراتيجي فيه،ومن اجل التحسن في إنتاجية القوى العاملة ،وتشير التوقعات الى ان الذكاء الاصطناعي سيساهم بنسبة  45? من إجمالي المكاسب الاقتصادية بحلول عام 2030 ، مما يحفز طلب المستهلك. وتنوع المنتجات ، مع زيادة التخصيص والجاذبية والقدرة على تحمل التكاليف بمرور الوقت.

وستكون أكبر المكاسب الاقتصادية التي حققتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي  في الصين (26? زيادة في الناتج المحلي الإجمالي في 2030) وأمريكا الشمالية (زيادة بنسبة 14.5?) ، أي ما يعادل إجمالي 10.7 تريليون دولار وتمثل 70? تقريبًا من التأثير في الاقتصاد العالمي.[13]

 

 

سادسا ، مستقبل الثورة الصناعية في عالم متغير.

 

لقد أصبحت عملية التكالب على الاستحواذ على مقدرات الثورة الصناعية الرابعه وتطبيقاتها المختلفة حالة وصف للمشهد الدولي الراهن ،وسواء كان ذلك الصراع يتم بين الدول و الفاعلين من غير الدول ،أو صراع يتم الدول ،واخر يحدث بين الفاعلين من غير الدول،وظهر من جديد إعادة تعريف لـ"سيادة الدولة"،ومفهوم "الحكومة الذكية" في محاولة للاستجابة للفرص والتحديات في آن واحد التي تفرضها الثورة الصناعية الرابعه ،والتي سيكون تاثيرها شاملا الحكومات والافراد والشركات.

وذلك من منطلق وجود منظومة شبكية من المتغيرات المستقلة والتابعة أو الثابتة والمتغيرة ،والتي تتفاعل مع بعضها البعض في السياق العام، وذلك في محاولة لتحقيق التوازن والتوافق في المصلحة ألعامه ،والذي يتطلب مشاركة كافة الأطراف الفاعلة في ظل ضغوط  القوى الداخلية والمؤثرات الخارجية.

وعكس ذلك عملية التفاعل الانساني بين ما فرضته الثورة التكنولوجية من تغييرات مادية ،وما بين ما ظهر في شكل موجات تغيير كيفية،ومن ثم فان عملية تفسير تداعيات التقدم التكنولوجي لا تقتصر فقط على رصد الاكتشافات العلمية بل ترتبط بالسياق العام المحيط بها من خلال حركة التفاعل بين الانسان والالة .

وطالما ارتبطت التكنولوجيا بالقدرة على حل المشكلات والتحكم والسيطرة على البيئة المحيطة بالإنسان من اجل جعل الظروف مواتيه لحركة ورغبه الانسان ،ولم ينفصل ذلك عن حالة الظروف الاجتماعية والنظام القيمي المرتبط بها ، بالاضافة الى الابعاد المختلفة للسلوك الاجتماعي المترتب على تطبيقها، ومن ثم ارتبطت عملية التطبيق بإحداث عدد من المتغيرات ذات الطبيعة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها .

وهو ما يفرض اهمية العمل المشترك كذلك على المستوي الدولي من أجل وضع معايير عالميّة تحدّ من مخاطر استخدام التقنيات الحديثة في أعمال تهدّد الأمن البشريّ، وتحديد الحقوق والواجبات كاساس لتوظيف تلك الثورة الصناعية كسبيل للتقدم والتنمية.

وانه للفهم الدقيق لتلك المتغيرات يجب التخلص من المعتقدات الخاطئة التي ترسخت من قبيل انه لا حدود للنمو الاقتصادي وان حل المشكلات الناتجة عن التكنولوجيا هو في مزيد من التكنولوجيا ،وان التقدم التكنولوجي مرادف للرقي الاجتماعي ،بل يمتد ذلك الى مراجعه بعض الاطروحات الفكرية من قبيل  مبدأ "الحتمية التكنولوجية"والذي يرتكز على وضع  التقدم التكنولوجي المطرد، والمستمر "متغيرا مستقلا"،وان المجتمع "متغيرا تابعا"، ما عليه إلا أن يتكيف مع المتغيرات التكنولوجية التي تفرزها آليات المجتمع بصورة طبيعية لا إرادية!

وعلى نحو مقابل يجب عدم النظر إلى التكنولوجيا أو ما يصاحبها من مشكلات باعتبارها قوى خارجيّة لا يمكن للإنسان التحكم بها، فهناك مسئولية عن توجيه تطور هذه التقنيات من خلال ما يتم اتخاذه من قرارات من قبل المواطنين، والمستهلكين والمستثمرين، وبالتالي يجب أن نستغل الفرصة والقوّة التي يتملكها هؤلاء في رسم ملامح الثورة الصناعية الرابعة، وتوجيهها نحو مستقبل يعكس أهدافنا وقيمنا المشتركة

وذلك في مقابل التساؤلات التي ترتبط بحدود قدرة الانسان على السيطرة على البيئة او الطبيعة ، ومدى استطاعه الانسان ان يستمر في التكيف الآلي وفقدان الارادة الحرة المستقله في التغيير،وذلك في مقابل القدرة على استغلال وتوظيف معطيات الثورة الصناعية الرابعة في ابتكار أشكال جديدة تمامًا من القيم والمعايير والتطبيقات التي تعود بالنفع على العالم بأسره بهدف تحقيق الاهداف المشتركة .

وتتطلب التحديات والفرص الناجمة عن الثورة الصناعية الرابعة فهماً دقيقاً لكيفية التعامل معها، كما أنها تستدعي تكاتف الجهود بين الحكومات والشركات وصناع القرار والأكاديميين والأفراد، ويجب ان تسعى الحكومات الى تنمية قدراتها من خلال تنمية الذكاء والعقل في اطار وجود منظومة سريعة التغير، وان تكون هناك رؤية طويلة الاجل فعندما يتغير كل شيئ تبدو الحاجة الى قادة يمتازون بتوجيه البوصلة للتقدم الى الامام ، وتنمية القلوب وذلك بان نكون جاهزين للترحيب بهذا التغير لانه يولد مشاعر مختلفة قد تكون الخوف او التحدي ،وان نتحلي بأعصاب هادئة في مواجهة الثورة الصناعية الرابعه ،والتي لا تعني "ميكنة البشرية" بل جعل العالم اكثر" بشرية" وهو ما يجب ان تعمل الحكومات على تحقيقه بالتعاون مع الجميع ولمنفعة الجميع.

 



[1] ويتم وصف تلك المتغيرات كذلك عبر الانتشار الإعلامي لمفهوم Digital Transformation  ،التحول الرقمي.

[2]Bernard Marr The 4th Industrial Revolution Is Here - Are You Ready?, Forbes, Aug 13, 2018, https://goo.gl/jVgPzw,last visited 20/11/2018.

[3] كتأثير اكتشاف الكهرباء في نمط المعيشة وفي  استعمار الليل وامتداد ساعات العمل الى جانب تطبيقات الكهرباء في عملية الانتاج، مثل التأثير الذي احدثة ادخال الطاقة البخارية بديل للفحم في السفن التجارية وكيف انها أحدثت تنشيط في حركة التجارة العالمية وفي بروز القوى الاستعمارية التي حاولت ان تربط نفسها بمناطق إنتاج المواد الخام في العالم الثالث ،حيث أدت عملية الميكنة وإدخال الكهرباء في وفرة الإنتاج ومن ثم البحث عن فتح الأسواق الخارجية ،والتي نتجت عنها فكرة الحماية أما للأسواق او لموارد المواد الخام في شكل حركة الاستعمار الأوروبي . 

[4]Klaus Schwab, The Fourth Industrial Revolution: what it means, how to respond",Global Agenda, World Economic Forum, 14 Jan 2016.https://goo.gl/GdCYWk,lastvisted 2/11/2018

[5] Derek O'Halloran ,Nicholas Davis,The Fourth Industrial Revolution is driving Globalization 4.0, World Economic Forum, 08 Nov 2018. https://goo.gl/NLMqqx, visited 25/11/2018

[6] أصدرت منظّمة أوكسفام تقريرًا عن اجتماعنا السنوي في دافوس ، والذي وجد أنّ هناك 62 شخصًا يسيطرون على أصول تزيد عن تلك التي يملكها نصف سكان العالم الأكثر فقرًا، أي ما يقرب من 3.6 مليار شخص

[7]Definition of  Digital Transformation, Dictionary,Techopedia ,,https://www.techopedia.com/definition/30119/digital-transformation,visited 3/11/2018

[8] ما يؤدي إلى فقدان نحو 20 مليون شخص وظائفهم في دول عربية، منها الإمارات والبحرين ومصر والكويت وسلطنة عمان، والسعودية خلال السنوات الخمس المقبلة، الأمر الذي يجبر الملايين على البحث عن وظائف بديلة، نتيجة الاعتماد على الروبوتات في القطاعات الإنتاجية والصناعية والتجارية.

[9]Sean Hinton, How The Fourth Industrial Revolution Is Impacting The Future of Work, Forbes.com, Oct 19, 2018, https://goo.gl/4pm9z2 visited 29/11/2018