مقالات -
استباحة الفضاء عسكرياً

: 608
الثلاثاء,2 ابريل 2019 - 06:32 ص
كتب د. عادل عبد الصادق *
جريدة الخليج - 2-1-2019

ظهرت عدة متغيرات جديدة تربط بين قضية أمن الفضاء الخارجي، وتصاعد وتيرة الصراع الدولي على مقدراته، وانعكاس ذلك على الأمن الجماعي الدولي، وبخاصة في ظل تحول الفضاء لساحة للبحث عن المكانة والقوة والنفوذ، إلى جانب حالة التعدد في الفاعلين والتصاعد في التأثير، جراء ثورة علمية وتكنولوجية غير مسبوقة في ظل حالة الاستخدام المزدوج للفضاء الخارجي.

استباحة الفضاء عسكرياً
اضغط للتكبير

ظهرت عدة متغيرات جديدة تربط بين قضية أمن الفضاء الخارجي، وتصاعد وتيرة الصراع الدولي على مقدراته، وانعكاس ذلك على الأمن الجماعي الدولي، وبخاصة في ظل تحول الفضاء لساحة للبحث عن المكانة والقوة والنفوذ، إلى جانب حالة التعدد في الفاعلين والتصاعد في التأثير، جراء ثورة علمية وتكنولوجية غير مسبوقة في ظل حالة الاستخدام المزدوج للفضاء الخارجي.
نشب صراع محموم من أجل الاستحواذ على «القوة الفضائية» بين القوى الكبرى في النظام الدولي، التي ارتكزت بدورها على نظرية «جيمس أوبرج»، التي تعبر عن حاصل جمع القدرة التكنولوجية، والسكان، والاقتصاد، والصناعة، والقوة العسكرية، وإرادة الدولة وغيرها من العوامل التي تسهم في دعم إمكانيات الدولة على ممارسة الإكراه، أو الإقناع أو ممارسة التأثير السياسي على أعمال الدول الأخرى، بغرض الوصول للأهداف الوطنية من خلال القدرات الفضائية.
ومن ثم تسابق العديد من الدول في تبني مشروعات وطنية للفضاء الخارجي أو بالتعاون مع القوى الكبرى الحليفة، وحظي الاستخدام العسكري والسلمي للأقمار الصناعية باهتمام كبير بالنظر إلى دورها في حماية الأمن القومي والرخاء الاقتصادي، وبخاصة دورها في التكتيكات الحربية، والتجسس، وتأمين نظام الملاحة الجوية، والإنذار المبكر، وفي مجال الاتصالات وبخاصة الإنترنت، والبث الإذاعي والتلفزيوني، والاستشعار عن بعد، والأرصاد الجوية، والملاحة عبر نظام تحديد المواقع العالمي.

وعلى الرغم من ذلك فقد بدت مؤشرات تكشف عن تصاعد الاتجاه نحو عسكرة الفضاء الخارجي، سواء عبر تطوير قدرات عسكرية في الفضاء أو في تطوير أسلحة فضائية يكون من شأنها أن تحمل معها احتمال تعرض أي دولة تمتلك «قوة فضائية» للهجوم، أو أن تصبح هدفا له في حالة النزاع المسلح، وهو ما يكون له تأثير يتجاوز طرفي أو أطراف الصراع المفترضين، وإصابة كافة أنظمة الاستخدامات السلمية، وهو الأمر الذي يكون له تداعيات ذات طبيعة سياسية واقتصادية وأمنية على المجتمع الدولي قاطبة.
ولإدراك خطورة ذلك كانت هناك جهود مبكرة لاتخاذ إجراءات وتدابير وقائية من قبل القانون الدولي، وكان من أهم تلك الجهود التوصل إلى اتفاقية الفضاء الخارجي والأجرام السماوية عام 1967، لتنظيم الاستخدام السلمي، والرحلات الفضائية، ومرور المركبات الفضائية فوق أجواء الدول ومياهها الإقليمية، إلى جانب الجهود الدولية لتنظيم الملاحة الجوية والمجال الجوي التابع للدولة، وكان من أهم مخرجات اتفاقية 1967 التأكيد على حرية استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي دون تمييز وعلى قدم المساواة، وعدم جواز التملك القومي للفضاء الخارجي أو بادعاء السيادة أو وضع اليد أو الاحتلال أو بأي وسيلة أخرى، ونصت الاتفاقية كذلك على أهمية التزام الدول الأطراف في مباشرة نشاطها بالقانون الدولي بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة بغية صيانة السلم والأمن الدوليين.
ورغم ذلك التقدم لم تشر «اتفاقية 1967» إلى دور «الأمن» في التنظيم القانوني للفضاء الخارجي، ولم يرجع ذلك لعدم أهميته وإنما لارتباطه بالجاسوسية، ومن ثم فإن أي نشاط سيتم في الفضاء الخارجي تشعر الدولة المضارة أنه يخل بأمنها إلى الدرجة التي تعده نشاطا غير مقبول فالمرجح أنها ستعارضه، وأن مبدأ قبول الدول لحرية الفضاء الخارجي وتنازلها عن مبدأ السيادة لم يصاحبه تنازل مماثل عن حقوقها الثابتة فيما يتعلق بالحفاظ على أمنها.
إلى جانب أن الاتفاقية أغفلت التعاطي مع تطوير الأسلحة الفضائية والعمل على حظرها ويمكن إرجاع ذلك لحالة التقدم التكنولوجي في ذاك الوقت.
وتزداد خطورة التصعيد العسكري في الفضاء مع التطور في مجال أبحاث تطوير ونشر واستخدام الأسلحة الفضائية، وعدم وجود اتفاق دولي يمنع ذلك صراحة، والاختبارات العسكرية للقدرات الصاروخية في الفضاء مثل تجربة الصين عام 2007 لتوجيه ضربة صاروخية لإسقاط قمر صناعي خاص بها.
وزيادة عدد الدول المالكة للأقمار الصناعية، وأثر علاقتها العدائية أو التحالفية في طبيعة نمط الاستخدام الفعلي لتلك الأقمار، وذلك مع صعوبة الفصل بين الطابع السلمي والعسكري.

وهدفت القوى الكبرى لتحقيق عدة أهداف لعل أهمها الحفاظ على موقعها المهيمن في القوة الفضائية، ومنع الخصوم من استخدام الفضاء الخارجي في شن هجمات على منشآتها الفضائية، أو القيام بشن هجمات صاروخية من الفضاء على المنشآت الأرضية لها، أو تطوير استخدام القدرات الصاروخية العابرة للقارات.
ولعل من أهم مؤشرات عسكرة الفضاء إنشاء الولايات المتحدة جيشا خاصا للفضاء الخارجي في أغسطس/آب 2018، وقيام عدد من الدول الأخرى مثل روسيا والصين بإجراء تجارب لاختبار قدراتها الصاروخية في الفضاء الخارجي.
وتتربع الولايات المتحدة على عرش القوة الفضائية بامتلاكها ما يزيد على 50% من الأقمار الصناعية، وهو ما دفع القوى الكبرى الأخرى الصاعدة في النظام الدولي إلى الاهتمام بزيادة قوتها الفضائية وكسر الهيمنة الأمريكية على الفضاء، وهو ما يشهده الفضاء الآسيوي من وجود قوى فضائية صاعدة، خاصة مع معاناة الولايات المتحدة من نقطة ضعف استراتيجية، تتمثل في عدم امتلاكها منصات لحماية أقمارها في الفضاء من أي اعتداء أو هجوم، وتأكيدها بالرد بقوة ضد أي محاولات لإعاقة أنشطتها الفضائية من قبل دول منافسة، ويأتي هذا مع رفضها بدء مباحثات حول التسلح في الفضاء تحت رعاية الأمم المتحدة، بدعوى أنها ستعمل للحفاظ على القدرات الفضائية لكل من روسيا والصين.
ويأتي هذا في إطار تطور الفكر الاستراتيجي العالمي المتمثل في أن من يستطيع السيطرة على مئة كيلو في محيط الكرة الأرضية إلى جانب أن القمر يمكنه السيطرة على الأرض، وأن عملية التحول في استكشاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية تأتي في إطار التنافس الاقتصادي وربما الاستعماري في المستقبل بين القوى الكبرى، إن عملية التحول في الخدمات الخاصة بالاتصالات والإنترنت إلى الفضاء الخارجي ستعمل على تعزيز أهميته الاستراتيجية في المستقبل، وبخاصة مع دخول دول جديدة النادي الفضائي الدولي، وهو ما سيعمل من جهة على صعوبة السيطرة على السلوك الدولي ويكسر من جهة أخرى احتكار القوى الكبرى التقليدية له، ويدفع كذلك إلى أهمية الحفاظ على الاستخدام السلمي للفضاء.
وهو ما يفرض ضرورة البحث عن حلول وبدائل لمنع عسكرة الفضاء، وأهمية التوصل إلى معاهدات لمنع مضادات الأقمار الصناعية، والأسلحة المنشورة في الفضاء، وضمها إلى اتفاقيات الحد من التسلح، إلى جانب الإجراءات الطوعية التي قد تساعد على بناء الشفافية والثقة المتبادلتين، وتفعيل اتفاقية عام 1967، واعتماد اتفاقية أخرى للحد من التسلح في الفضاء.
وعلى القدر الذي يتطلب ذلك أن تكون هناك قوة عملية وتكنولوجية، سواء بالتعاون الدولي أو من خلال بناء المشروعات الوطنية للفضاء الخارجي، فإنها تتطلب كذلك أن تكون هناك قواعد حماية من خطر التعرض لتك البنية التحتية في الفضاء الخارجي لخطر القصف أو التدمير.

* خبير العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

اقرأ ايضآ

  • تطبيق تحدي الشيخوخة والهروب الى الامام
  • التعاون السيبراني بين دول الخليج وإسرائيل: الموازنة بين التهديدات والحقوق
  • الردع في الفضاء الالكتروني
  • صراع السيادة السيبرانية بين التوجهات الروسية والأمريكية
  • تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي .
  • فيسبوك
    تعليقات


    تطبيق تحدي الشيخوخة والهروب الى الامام
    تعد البيانات الشخصيه من اهم الموارد التي تتصارع عليها الشركات والدول من اجل عمليه الاستحواذ والمعالج

    التعاون السيبراني بين دول الخليج وإسرائيل: الموازنة بين التهديدات والحقوق
    في السنوات الأخيرة، ولّدت المغامرات الإيرانية والتطورات الأخرى في منطقة الشرق الأوسط تقارباً تاريخيا

    الردع في الفضاء الالكتروني
    في وقت سابق من هذا العام، اعترف المسؤولون الأمريكيون بأن عملياتهم الإلكترونية الهجومية منعت روسيا من

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    هل تعتقد ان تنظيم داعش سيظهر بقوة مرة اخرى عبر الفضاء الالكتروني؟
    نعم نتيجه خسارة معاركه على الأرض
    لا سيتراجع نشاطه مع خسائر ه التنظيمية والفكرية
    ربما سيحاول ان يظهر بشكل جديد وباسم جديد وارض جديدة
     
        
    التاريخ