مقالات -
هوس السيلفي والذكريات الزائفة

: 296
الخميس,24 يناير 2019 - 12:11 م
كتب جوليانا مازوني

ذكرياتنا قد لا تكون كما نتذكرها، ولا كما تظهر لنا في الصور. لماذا؟ إليكم الإجابة من جوليانا مازوني...

هوس السيلفي والذكريات الزائفة
اضغط للتكبير

حين تسنت لي في العام الماضي زيارة "متحف هيرميتاج" بمدينة سانت بطرسبرغ الروسية، أحد أفضل متاحف الفن في العالم، كنت أتوق للاستمتاع بالروائع الفنية المعروضة فيه بهدوء، لكنني فوجئت بأنَّ حشداً من الهواتف الذكية يحجب عن رؤيتي اللوحات. ليس هذا فحسب، بل كلما وجدت مكاناً خالياً، وجدت فيه زواراً يلتقطون صور السيلفي تخليداً لذكرى زيارتهم للمتحف.

لاشك أنَّ التقاط الصور، العشرات منها والمئات أحياناً، أصبح بالنسبة للعديدين جزءاً لا يتجزأ من أي عطلة يقضونها بحجة توثيق كل تفصيل صغير وكبير لنشره على شبكات التواصل الاجتماعي. وبصفتي خبيرة مختصة بدراسة الذكريات، دفعني الفضول لمعرفة ما إذا كان ذلك يؤثر في ذكرياتنا الفعلية عن الماضي ونظرتنا لأنفسنا.

في حين أنَّ الأبحاث النفسية المتعلقة بهذا الموضوع نادرة للغاية، ويا للأسف، هناك بعض الأمور التي نعرفها يقيناً، منها على سبيل المثال أننَّا نستخدم الهواتف الذكية والتقنيات الجديدة كمستودعات للذكريات. لكن هذا ليس بالجديد، فلطالما اعتمد البشر على الأدوات الخارجية في اكتساب المعرفة والتذّكر.

من بين تلك الوسائل مثلاً التدوين: السجّلات التاريخية ما هي إلا ذكريات جماعية مُخزّنة خارجياً، وكذا الحال بالنسبة إلى إفادات النازحين والمستوطنين والمعارك التي ساعدت أمماً بأكملها على معرفة نسبها وتاريخها وهويتها، وأيضاً المذكرات اليومية المكتوبة للأفراد.

السيلفي وتأثيره في الذاكرة

أصبحنا كبشر نميل إلى الاحتفاظ بعدد محدود جداً من الذكريات لأنفسنا وتخزين كم هائل منها عبر الحوسبة السحابية، حتى كادت قراءة الشعر أن تندثر كليًا، بعد أن صار كل شيء يُسجّل على الهواتف المحمولة: كي نتذكر ما تناولناه في عشاء حفل زفاف حضرناه مثلاً، لم يعد الأمر يتطلب منّا سوى حركة إصبع نبحث بها عن الصور التي نحتفظ بها على هاتفنا المحمول للطعام الذي قُدم لنا في تلك المناسبة.

للأمر عواقب خطيرة بالطبع، إذ ثبت أنَّ تسجيل الأحداث بالصور بدلاً من الاستمتاع بها يؤدي إلى ضعف القدرة على تذكّر الحدث ذاته بسبب تشتت انتباهنا فيه.

الاعتماد على الصور لتذكر حدث معين له تأثير مشابه أيضاً، إذ إنَّ تنشيط الذاكرة بانتظام له أهمية بالغة في المحافظة على قوتها. وقد وثُّقت دراسات عديدة أهمية تدريبات استرجاع الذكريات، لا سيما بالنسبة لطلاب الجامعة مثلاً؛ فلطالما كانت الذاكرة القوية ضرورية للتعلّم. فضلاً عن أنَّ هناك أدلة فعلية على أنَّ الاحتفاظ بالمعرفة والذكريات كلها عبر الحوسبة السحابية قد يعوق قدرة البشر على التذكّر.

لكن هناك بصيصاً من الأمل: فحتى وإن زعمت بعض الدراسات أنَّنا نزداد غباءً كبشر نتيجةً لكل ما سبق، ما يحدث في الواقع هو تحوّل في المهارات لدينا من مجرّد استرجاع الذكريات إلى التحكم بطريقة استرجاعها بكفاءة أكبر، في ما يُعرف باسم "إدراك الإدراك" (Metacognition)، وهي مهارة شاملة لا غنى عنها للطلاب تحديداً، لا سيما في التخطيط للاستذكار مثلاً. بالإضافة إلى ذلك، هناك أدلة متينة موثوق بها تشير إلى أنَّ الاحتفاظ بالذكريات خارج الذاكرة، بما في ذلك التقاط صور السيلفي، من الممكن أن يفيد من يعانون من ضعف الذاكرة.

صحيح أنَّ الصور تساعد البشر على استرجاع الذكريات في بعض الأحيان، لكن جودة تلك الذكريات تكون محدودة للغاية: إذ إنَّ الصور تساعدنا على تذكّر مظهر الشيء بوضوح على حساب المعلومات الأخرى. فقد أثبتت إحدى الدراسات أنَّ الصور ساعدت المشاركين على تذكّر ما رأوه في حدث ما، لكنها في المقابل أضعفت قدرتهم على تذكّر ما قيل في ذلك الحدث.

هل يصل الأمر إلى حد تشويه الهوية؟

عندما يتعلق الأمر بالذاكرة الشخصية، تكتسب هذه المسألة بُعداً غايةً في الخطورة: فهويتنا، التي هي نتاج تجاربنا الحياتية، مرتبطة بشدة بذكرياتنا عن الماضي. هل توثيقنا لتجاربنا الحياتية بالصور باستمرار يؤدي إلى تغيير نظرتنا لأنفسنا؟ لا توجد أي أدلة تجريبية متينة على صحة هذا الإدعاء حتى الآن، وإن كنت شخصيًا أرى أنَّه صحيح.

هناك احتمال كبير أنًّ الصور الكثيرة التي نلتقطها تجعل الصورة التي رسمناها للماضي في أذهاننا ثابتة، وتجعلنا غير قادرين على تكوين أي ذكريات أخرى مخالفة لها. صحيح أنَّ تكوين ذكريات الطفولة بناءً على الصور أمر شائع، بدلاً من تكوينها بناءً على ذكرياتنا عن الأحداث نفسها، إلا أنَّ تلك الذكريات لا تكون حقيقية أصلاً في كثير من الأحيان.

بالإضافة إلى ذلك، كشفت الأبحاث عن حقيقة أنَّ صور السيلفي، وغيرها كثير من الصور الأخرى، ليست عفوية بل متعمدة. إذ يتخذ فيها الناس أوضاعاً غريبة ومتصنعة، وأحياناً لا تُظهِر الأشخاص بوضوح. إلى جانب أنَّ مثل هذه الصور تعكس ميول الفرد النرجسية من خلال تعمّد صنع تعبيرات غريبة بوجهه: سواء أكان ذلك بتصنّع الابتسامات الزائفة أم مدّ الشفتين كنوع من الجاذبية أم بتعبيرات الوجه المضحكة أم بالإيماءات الجارحة.

الأهم من كل ذلك أنًّ صور السيلفي والكثير من الصور الأخرى ما هي سوى تظاهر أمام الآخرين بسلوكيات أو نوايا أو مواقف معينة. بعبارة أخرى، هذه الصور لا تعكس هويتنا الحقيقية، بل فقط المظهر الذي نريد الظهور به أمام الآخرين في تلك اللحظة. وإذا اعتمدنا كثيراً على الصور لكي تُذكرنا بماضينا، فمن المحتمل أنَّ نخلق لأنفسنا هوية ذاتية مشوّهة مبنية فقط على الصورة التي أردنا رسمها عن أنفسنا لدى الآخرين في ذلك الوقت.
لكن ذاكرتنا نفسها ليست دقيقة تمامًا هي الأخرى: فقد أثبتت الأبحاث أنَّنا كبشر نكوّن ذكريات زائفة عن الماضي في أحيان كثيرة لكي نحافظ على الهوية التي نريدها لأنفسنا كيلا يصبح فهمنا لأنفسنا متضارباً مع مرور الوقت. فإذا كان المرء معروفاً بالرّقة والطيبة مثلاً، وقرر من خلال بعض الخبرات الحياتية المهمة أنَّ يكون قاسياً، فإنَّه قد يسترجع الذكريات التي كان بها عدوانياً في الماضي، بل وقد يخلق ذكريات زائفة كلياً فقط ليثبت ذلك.

وعليه، فإنَّ الاحتفاظ بأكثر من تذكِرة يومية على الهاتف بما كنّا عليه في الماضي من الممكن أن يجعل ذاكرتنا أقل مرونة وأقل قدرة على التكيف مع تغييرات الشخصية نتيجة التجارب الحياتية المختلفة التي نخوضها، مما يجعل هويتنا ثابتة لا تتغير.

إذا كانت هويتنا الحالية مختلفة عن هويتنا الثابتة في الماضي، فسوف يخلق ذلك مشكلات جديدة تتمثل في الشعور بالارتباك الذي سوف ينتج عن ذلك، وهذا بالضبط هو ما تهدف الذاكرة "الطبيعية" إلى منع حدوثه. فالذاكرة الطبيعية ذاكرة مرنة تسمح لنا بتكوين صورة خالية من التناقضات عن أنفسنا. وبما أنَّنا نريد الاعتقاد بأنَّ "جوهر" شخصيتنا فقط هو ما يظل ثابتاً دون تغيير، فإنَّنا إن شعرنا أنَّنا غير قادرين على تغيير الصورة التي رسمناها لأنفسنا بمرور الوقت، فقد تكون لذلك تأثيرات جسيمة على شعورنا بالقوة وعلى صحتنا العقلية.

أي أنَّ الهوس بالتقاط الصور قد يتسبب بضعف الذاكرة وتناقضات الهوية المربكة.

إنَّ مسألة التقنية وعلاقتها بتغيّر السلوكيات والتصرّفات هي مسألة مثيرة للاهتمام بالتأكيد. وما دمنا على دراية بطبيعة المخاطر الناتجة عنها، سوف نتمكن من تخفيف عواقبها الوخيمة على الأرجح. ما يخيفني فعلاً هو: ماذا لو تسبب عطل ما يصيب الهواتف الذكية على نطاق واسع في مسح كل الصور التي التقطناها؟ ماذا سيحدث لنا حينئذ؟

لذلك، في المرة المقبلة التي تذهبون فيها لزيارة أحد المتاحف، تمهلوا واستمتعوا بالتجربة بأكملها. من يدري؟ ربما يحدث شيء ما يتسبب في مسح الصور التي تحرصون على التقاطها إلى هذه الدرجة!

جوليانا مازوني هي أستاذة في علم النفس بجامعة هال البريطانية. المقال نُشر لأول مرة على الموقع البريطاني The Conversation.

اقرأ ايضآ

  • تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي .
  • الشعر ينتعش بفضل شبكات التواصل الاجتماعي
  • الكارثة التكنولوجية التي لم تحدث
  • زوكربيرغ وقواعد التعبير الجديدة
  • احتدام المعركة ضد المحتوى البغيض والتضليل على الإنترنت
  • فيسبوك
    تعليقات


    تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي .
    يعد الذكاء الاصطناعي من أهم إرهاصات الثورة الصناعية الرابعة لما له من تطبيقات عديدة وان كان الذكاء ا

    الثورة الصناعية الرابعة: تحديات وفرص الاستحواذ على القوة الجديدة
    جاءت الثورة الصناعية الرابعة لتطلق شرارة الجيل الرابع من العولمة ، ولتفرض معها المزيد من المتغيرات

    استباحة الفضاء عسكرياً
    ظهرت عدة متغيرات جديدة تربط بين قضية أمن الفضاء الخارجي، وتصاعد وتيرة الصراع الدولي على مقدراته، وان

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    هل تعتقد ان تنظيم داعش سيظهر بقوة مرة اخرى عبر الفضاء الالكتروني؟
    نعم نتيجه خسارة معاركه على الأرض
    لا سيتراجع نشاطه مع خسائر ه التنظيمية والفكرية
    ربما سيحاول ان يظهر بشكل جديد وباسم جديد وارض جديدة
     
        
    التاريخ