مقالات -
اختراع الذكاء

: 69
الاحد,25 نوفمبر 2018 - 09:02 ص
كتب د. على الدين هلال

فى مقال الأسبوع الماضى وصفت الثورة الصناعية الرابعة التى تجتاح العالم بأنها ثورة الذكاء او الثورة الذكية وذلك لاعتبار أن المعرفة والذكاء هما القاطرة الدافعة لها. ومن ثم خلافا للثورات الصناعية السابقة التى اعتمدت على مورد ناضب كالفحم او النفط والغاز فإن هذه الثورة ترتكز الى مورد متجدد وغير ناضب وهو الذكاء.

اختراع الذكاء
اضغط للتكبير
انطلقت هذه الثورة فى مسارين: الاول هو تطوير نظم التعليم وتنمية قدرات العقل البشرى على الابتكار والإبداع والاختراع واذكر انه فى مطلع عقد الثمانينيات من القرن الماضى عينت البرازيل وزيرا لشئون تعليم الذكاء وان الدنيا قامت فى الولايات المتحدة بعد صدور تقرير أمة فى خطر الذى كشف عن تراجع أداء النظام التعليمى الامريكى مقارنة بدول أخرى فى اوروبا واليابان وكانت نتائج هذا التقرير اساسا لتطوير شامل فى التعليم الامريكي. لقد تغيرت وظيفة التعليم واصبحت مهمته هى نشر المعرفة القائمة على الابتكار والابداع والتفكير الخلاق وأدى ذلك الى تنافس الدول على الارتقاء بنظمها التعليمية وبمواردها البشرية ورأس مالها الاجتماعى وظهور مفهوم التنمية القائمة على الجمع بين الموارد المادية والمعرفية وان الاستثمار البشرى هو أساس القدرة التنافسية للاقتصادات والدول وشاع مصطلح. «اقتصاد المعرفة». والثانى هو البحث والاستثمار فى مجال الذكاء الاصطناعى ولعل من أحدث مظاهر ذلك ما أعلنه معهد ماساشوتس للتكنولوجيا فى 2018-واسم المعهد هنا خادع فهى واحدة من اكبر واهم الجامعات الامريكية عن تخصيص مليار دولار لإنشاء كلية متخصصة للبحث فى هذا المجال وهو الموضوع الذى أريد التركيز عليه هنا. يشير تعبير الذكاء الاصطناعى الى اختراع الانسان لآلات ومعدات ذكية اى تملك بعضا من قدرات الذكاء البشرى وتحاكيها. كانت الصورة الاولى لتلك الآلات هى الروبوت الذى ابتكره الباحثون اليابانيون فى عقد الخمسينيات من القرن الماضى وسمى وقتها فى الاعلام بالإنسان الآلى وسرعان ما تلقفت مراكز البحوث الامريكية الفكرة وطورتها وظهرت أشكال متقدمة من «الروبوت» التى تقوم بمهام العمل فى المصانع والمزارع واطفاء الحرائق والبحث فى اعماق البحار والمشاركة فى نقاط التفتيش فى مناطق الاضطرابات العسكرية وصولا الى الطائرات دون طيار والسيارات ذاتية القيادة. وعاب هذه الآلات انها كانت تعتمد على البرامج المصممة فيها وتتحرك بشكل روتينى وفقا لها. والجديد فى هذا المجال هو ابتكار جيل جديد من الآلات فائقة الذكاء والتى تملك القدرة على تحليل كميات هائلة من المعلومات وتحديد الاحتمالات المختلفة ثم تقوم باتخاذ القرار وتنفيذه أى أنها تقوم بالتصرف تجاه مواقف لم يتم برمجتها فى الآلة لذلك سميت التقنيات والانظمة المستقلة وهى تعمل بقدرات ومهارات شبيهة للعقل البشرى ولكنها ليست بديلا عنه فهو الذى يطورها ويضيف اليها . تمثل تلك المبتكرات الذكية الأساس للتحول الجذرى الحادث اليوم فى الدول الصناعية المتقدمة والذى يغير من شكل الحياة فى العالم ففى مجال الاقتصاد يكون من شأنها رفع معدل النمو الاقتصادى وزيادة الانتاجية وتقليل التكلفة وتحسين الخدمات المقدمة للناس كالتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. وفى مجال العلاقات الاجتماعية يؤدى انتشار هذه المبتكرات بين الجمهور الى زيادة عدد المنتفعين بها وتوسيع قدرات البشر وتمكينهم من اتخاذ أفضل القرارات. وفى مجال السياسة تعاون فى عملية الترجيح بين البدائل واتخاذ القرار وتحديد تأثيراته وعواقبه والمساعدة فى التنبؤ بالتوترات والاضطرابات الاجتماعية والسياسية وقياس درجة المخاطر والتهديدات المحتملة. وفى مجال العلاقات الخارجية يكون لها دور مهم فى أعمال جمع المعلومات و الجاسوسية والاسلحة ذاتية الاستخدام والحروب السبرانية. وكشأن أى تحول كبير فإن مبتكرات الذكاء الاصطناعى توجد مجموعة من التحديات والمخاطر لعل ابرزها ازدياد الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية وانخفاض اعتماد الأولى على تنفيذ بعض أعمال التصنيع فى الثانية وازدياد معدلات البطالة بسبب حلول الآلة محل الانسان فى عديد من الوظائف. ويرد المدافعون عن مبتكرات الذكاء الاصطناعى بانها تغير من طبيعة العمل وانها بقدر ما تُنهى من وظائف فإنها توجد وظائف اخرى وان الاضرار الاجتماعية التى يمكن ان تحدث فى الأجلين القريب او المتوسط سوف تنتهى فى الأجل البعيد وان محصلة هذا التطور توفير الرفاهية للجميع. ومصر ليست بعيدة عن هذه التطورات فهناك عديد من الشركات الخاصة التى انشأها مبتكرون ومطورون من الشباب ولكنهم لا يمتلكون التمويل اللازم للاستمرار فى بحوثهم فيضطرون الى التوقف او بيع شركاتهم لإحدى الشركات الاجنبية الكبرى. وهناك جهود اكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا ومن مظاهرها الاتفاق الموقع فى يناير الماضى مع جامعة النيل لإنشاء اول حاضنة اعمال فى مجال الذكاء الاصطناعي. وانشطة ابداع مصر وهى منصة الكترونية تقوم بالتواصل مع المبتكرين المصريين فى الداخل والخارج وتوفير فرص التفاعل فيما بينهم و مع الشركات التى يمكن ان تتبنى مبتكراتهم ، كما تعمل على نشر الوعى بأسس الذكاء الاصطناعى وكيفية ممارستها و هى المنصة التى اطلقها مركز الابداع التكنولوجى و ريادة الأعمال فى 2010. كما تجدر الاشارة الى ادخال مجموعة من الخدمات الذكية فى العاصمة الادارية الجديدة ومتابعة رئيس الوزراء لذلك كما ورد فى الصحف اليومية بتاريخ 16-11-2018.هذا فضلا عن مئات التطبيقات فى مختلف جوانب الحياة اليومية كالنقل والدفع الفوري. وكل هذه الجهود محمودة ومشكورة ولكننا نتطلع أن تقوم الدولة بدور أكبر وان تتبنى استراتيجية وطنية لتطوير بحوث الذكاء الاصطناعى واستخداماته وان يكون للوزارات والهيئات الحكومية خطط وبرامج تنفيذية فى اطار تلك الاستراتيجية والعمل على توفير مصادر التمويل اللازمة من جهات دولية وعربية ومصرية وإيجاد شراكات اكبر بين القطاع الحكومى والقطاع الخاص. فقد أوضحت الخبرات الدولية ان قطاع ريادة الاعمال أكثر حساسية واستجابة للتطورات التكنولوجية من مثيله الحكومى وتعميم المعرفة بالتكنولوجيات الذكية فى المدارس والجامعات لتوسيع دائرة المبتكرين المحتملين من الشباب. وأحد الاسئلة الكبرى التى تواجهنا هو: هل نظل مستوردين ومستهلكين لمبتكرات الذكاء الاصطناعى التى يزداد انتشارها فى مجتمعنا أم نبذل الجهد والعمل لتوطين هذه التكنولوجيا والمشاركة فى تطويرها و الاستفادة منها؟.

اقرأ ايضآ

  • من التواصل الاجتماعي إلى معرض الأحوال الشخصية
  • باسوورد
  • الذكاء الاصطناعي والأفق الخطير
  • هل تمثل العملات الرقمية تهديدا للاقتصاد والأمن القومي ؟
  • تحليل البيانات الضخمة وبيولوجيا الكم والسموم.. علوم الثورة الصناعية الرابعة -
  • فيسبوك
    تعليقات


    هدية من الفيسبوك لمكتبي،شكرا..مارك وفريق العمل .. ولكن!
    فوجئت باتصال من احدى شركات الشحن بوجود طرد من امريكا لي ، وانه عبارة عن كرتونة ورقية متوسطة الحجم ،

    هل تمثل العملات الرقمية تهديدا للاقتصاد والأمن القومي ؟
    تطرح عمليات التحول الرقمي من حين لأخر فرص وتحديات أمام المجتمع نتيجة لحجم المكاسب المتوقعه وفي نفس ا

    اختراع الذكاء
    فى مقال الأسبوع الماضى وصفت الثورة الصناعية الرابعة التى تجتاح العالم بأنها ثورة الذكاء او الثورة ال

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    هل تعتقد ان تنظيم داعش سيظهر بقوة مرة اخرى عبر الفضاء الالكتروني؟
    نعم
    لا
    ربما
     
        
    التاريخ