مقالات -
كوريا الشمالية.. قوة في الحرب الالكترونية

: 1278
الخميس,4 يناير 2018 - 09:19 ص
كتب ترجمة: خالد قاسم

عندما حاول قراصنة من بيونغ يانغ سرقة مليار دولار من مصرف نيويورك الفيدرالي العام الماضي، لم يوقفهم سوى خطأ املائي. وسرقوا رقميا حسابا للبنك المركزي البنغلاديشي،

 كوريا الشمالية.. قوة في الحرب الالكترونية
اضغط للتكبير
عندما حاول قراصنة من بيونغ يانغ سرقة مليار دولار من مصرف نيويورك الفيدرالي العام الماضي، لم يوقفهم سوى خطأ املائي. وسرقوا رقميا حسابا للبنك المركزي البنغلاديشي، عندما شكّ المصرفيون بطلب سحب أموال تضمن خطأ بحرف واحد ومع ذلك نجح توابع النظام الكوري بسرقة 81 مليون دولار. الحظ وحده ساعد قرصانا بريطانيا يبلغ من العمر 22 سنة بإحباط أكبر هجوم الكتروني كوري شمالي حتى الآن، وهو هجوم بدافع كسب الفدية في آيار الماضي فشل باستحصال مبالغ كبيرة لكنه أسقط عشرات آلاف أجهزة الكمبيوتر في دول كثيرة وأصاب الخدمات الصحية البريطانية بالشلل لفترة وجيزة.

على الرغم من تفاوت أدائهم، لكن جيش كوريا الشمالية المؤلف من ستة آلاف قرصان مثابر ومستمر بالتطور بشكل لا يمكن انكاره، كما يقول مسؤولون أمنيون أميركيون وبريطانيون تعقبوا تلك الهجمات.
وسط كل الاهتمام المسلط على تقدم كوريا الشمالية في تطوير سلاح نووي قادر على ضرب قارة أميركا الشمالية، فتلك الدولة طورت بهدوء أيضا برنامجا الكترونيا يسرق مئات ملايين الدولارات وتثبت قدرتها على نشر الدمار عالميا.
على عكس اختبارات الأسلحة التي أدت الى عقوبات دولية، فالهجمات الالكترونية الكورية لم تواجه أي دفاع أو عقوبة حتى مع استخدام النظام قدرات القرصنة لتسديد ضربات فعلية ضد أعدائه في الغرب.
بعد أن سخر محللون غربيون ذات يوم من قدرات البرنامج النووي الكوري الشمالي ورفض خبراء امكاناتها الالكترونية، اعترفوا مؤخرا أن القرصنة سلاح مثالي لبيونغ يانغ المعزولة والتي لا يوجد لديها شيء تخشى فقدانه. البنية التحتية البدائية للبلاد قليلة التعرض الى الانتقام الالكتروني، ويعمل قراصنتها خارج بلادهم بكل الأحوال. لا تقدم العقوبات ردا مفيدا، طالما أن مجموعة منها قد فرضت بالفعل ويراهن مستشارو الزعيم الكوري على أن لا أحد سيرد على الهجوم الالكتروني بآخر عسكري، خوفا من تصعيد كارثي بين الكوريتين.

نزاع ثنائي
يدور هذا النزاع بين قوتين، ووفقا لبعض المقاييس انخرطت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في حرب الكترونية نشطة منذ سنوات. اضافة الى ذلك، وضعت أميركا وكوريا الجنوبية «غرسات» رقمية في مكتب الاستطلاع العام وهو المكافئ الكوري الشمالي لوكالة الاستخبارات المركزية كما ذكرت وثائق سربها ادوارد سنودن قبل سنوات. نشرت واشنطن أسلحة حربية الكترونية ورقمية لتعطيل صواريخ بيونغ يانغ، وهو هجوم حقق نجاحا جزئيا بأحسن الأحوال.
ويرى الطرفان هذا النوع من الحروب أسلوبا لكسب ميزة تكتيكية في مواجهتهما الصاروخية والنووية.
كشف نائب كوري جنوبي أن الجار الشمالي اخترق بنجاح شبكات جيش سيئول لسرقة خطط حربية، ومنها «قطع رأس» الزعيم الكوري الشمالي في الساعات الأولى من الحرب الكورية الجديدة. توجد دلائل على أن بيونغ يانغ زرعت ما يسمى خلايا نائمة رقمية في البنية التحتية الحساسة للجار الجنوبي ووزارة دفاعه، يمكن تفعيلها لإصابة محطات الطاقة وقيادة الجيش وشبكات السيطرة بالشلل.
لكن الطرف الشمالي لا يتحرك بدافع سياسي فحسب، اذ وقع أشهر هجوم الكتروني له عام 2014 ضد شركة «سوني بكتشرز انترتيمنت» في محاولة ناجحة لمنع اطلاق فيلم يسخر من الزعيم الكوري.
الأمر الذي لم يكشف عنه حتى كتابة هذا التحقيق هو أن كوريا الشمالية قرصنت شبكة تلفزيون بريطانية أيضا لمنعها من اذاعة برنامج درامي عن عالم نووي اختطف في بيونغ يانغ. نجحت كوريا الشمالية في إحدى المرات بتزوير عملة ورقية خام من فئة 100 دولار بهدف كسب سيولة نقدية، ويعتقد مسؤولو مخابرات أن بيونغ يانغ تجني مئات ملايين الدولارات سنويا من انتزاع الفدية والسرقات الرقمية للمصارف واختراق ألعاب الفيديو الرقمية وقرصنة تبادلات بتكوين كورية جنوبية.
يعتقد ضابط مخابرات بريطاني سابق أن السرقات الالكترونية تجلب لكوريا الشمالية مليار دولار سنويا، أو ثلث قيمة صادرات البلاد. 

تطوير القدرات
كان «كيم جونغ إيل» والد الزعيم الحالي ومؤسس العمليات الالكترونية لبلاده محبا للأفلام وشعر بالحماسة تجاه الانترنت، وهو خدمة كمالية تقدم الى نخبة البلاد. وعند وفاة كيم عام 2011 بلغ عدد عناوين الانترنت في بلاده أكثر من ألف عنوان بقليل وهو أقل من معظم أحياء مدينة نيويورك.
رأى كيم الانترنت، على غرار الصينيين، الانترنت في البداية تهديدا على قبضة نظامه الحديدية على المعلومات. لكن موقفه بدأ بالتغير في بداية التسعينيات بعد عودة مجموعة من علماء الحاسبات الكوريين الشماليين من خارج البلاد واقتراحهم استخدام الويب للتجسس على الأعداء مثل أميركا وكوريا الجنوبية ومهاجمتهم.
بدأت كوريا الشمالية بتحديد طلبة واعدين في سن مبكرة لأغراض التدريب الخاص، وارسال الكثيرين الى أكبر برامج علوم الحاسبات الصينية. لاحظ قسم مكافحة التجسس في مكتب التحقيقات الفيدرالي نهاية التسعينيات أن كوريين شماليين عينّوا للعمل في الأمم المتحدة ومسجلين سرا بمناهج برمجة كمبيوتر جامعية في نيويورك.
نالت وحدة الحرب الالكترونية في كوريا الشمالية الأولوية عام 2003 بعد الغزو الأميركي للعراق، وعندما شاهد كيم إيل الحملة الأميركية على شبكة سي أن أن أصدر تحذيرا لجيشه قائلا: «اذا كانت الحرب تتعلق بالرصاص والنفط حتى الآن، فحرب القرن 21 ستتعلق بالمعلومات.»
عندما خلف كيم جونغ أون والده عام 2011، وسّع المهمات الالكترونية الى أبعد من مجرد سلاح حربي، وركز على السرقة والازعاج وتحقيق المكاسب السياسية. بحلول العام 2012 ذكر مسؤولون حكوميون وباحثون أن كوريا الشمالية وزعت فرق قرصنة خارجيا وتعتمد أساسا على بنية الانترنت التحتية الصينية. وسمح هذا للشماليين باستغلال اتصالات انترنت غير آمنة والحفاظ على درجة من سياسة الانكار.
وجد بحث جديد أجرته شركة الأمن الالكتروني «ريكوردد فيوتشر» نشاط انترنت قويا لكوريا الشمالية في الهند وماليزيا ونيوزيلندا والنيبال وكينيا وموزمبيق واندونيسيا. في بعض الحالات كما هي حال نيوزيلندا، نقل قراصنة من بيونغ يانغ هجماتهم ببساطة عبر أجهزة كمبيوتر البلد المستهدف من الخارج. وفي حالات أخرى، يعتقد باحثون أن القراصنة يتمركزون داخل دول مثل الهند حيث تنشأ هناك خمس الهجمات الالكترونية لبيونغ يانغ.
تحاول وكالات المخابرات تعقب قراصنة كوريا الشمالية في تلك الدول بنفس طريقة تعقبهم سابقا للخلايا النائمة الارهابية أو ناشري الأسلحة النووية، وهي البحث عن فنادقهم المفضلة والتسلل الى المنتديات الرقمية التي قد يسجلون فيها ومحاولة تغذيتهم بشفرات كمبيوتر سيئة وشن هجمات مضادة على خوادم الكمبيوتر الخاصة بهم.

صورة كيم
الهدف السياسي الرئيسي من البرنامج الالكتروني هو الحفاظ على صورة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. ففي آب 2014 تعقب قراصنته القناة البريطانية الرابعة التي أعلنت خططا لمسلسل تلفزيوني عن عالم نووي بريطاني اختطف في بيونغ يانغ.احتجت كوريا الشمالية في البدء عند الحكومة البريطانية، وعندما جوبهت الشكوى بالتجاهل وجدت لندن أن بيونغ يانغ قرصنت نظام الكمبيوتر للقناة التلفزيونية. أوقف الهجوم قبل إلحاق أي ضرر، وتعهد ديفيد أبراهام المدير التنفيذي للقناة باستمرار انتاج المسلسل.ذلك الهجوم مجرد مقدمة، فعندما أصدرت سوني عرضا لفيلم «المقابلة» وهو فيلم كوميدي عن صحافيين اثنين أرسلا الى بيونغ يانغ لاغتيال زعيم البلاد، كتبت كوريا الشمالية رسالة شكوى الى الأمين العام للأمم المتحدة مطالبة بايقاف الانتاج، ومن ثم وصلت تهديدات الى سوني.
في أيلول 2014 أثناء محاولة اختراق القناة الرابعة، تعمق قراصنة كوريون شماليون في شبكات سوني وانسلوا بسرية لثلاثة أشهر تالية حيث لم تنتبه سوني والمخابرات الأميركية تماما لوجودهم.
تواجد مدير المخابرات الأميركية جيمس كلابر آنذاك في كوريا الشمالية محاولا اطلاق سراح أميركي محتجز، وتناول العشاء مع مدير مكتب الاستطلاع العام آنذاك. بعد بدء هجوم كوريا الشمالية على سوني، عانت الشركة لتوزيع الفيلم لأن دور السينما شعرت بالرعب. أما في لندن فإختفى فجأة المستثمرون بالمشروع الكوري الشمالي للقناة الرابعة مما تسبب بموته فعليا.

سرقة المصارف
تتجاوز المسألة مجرد الاحترام والعقاب، فكوريا الشمالية أرادت العملة الصعبة من برنامجها الالكتروني. لذلك وسرعان ما بدأت سرقات المصارف الرقمية: هجوم على الفلبين في تشرين الأول 2015 وآخر على مصرف فيتنامي بنهاية نفس السنة ومن ثم البنك المركزي البنغلاديشي. وذكر باحثون في شركة سيمانتك أنها كانت المرة الأولى التي تستخدم دولة هجوما الكترونيا ليس لأغراض الحرب أو التجسس وإنما لتمويل عمليات البلاد.
تتصف الهجمات بمكر متزايد، فقد لاحظ خبراء أمنيون في شباط الماضي أن الموقع الالكتروني لجهاز المراقبة المالية البولندي يصيب زواره بفايروس عن غير قصد. النتيجة هي أن هؤلاء الزوار: موظفون من المصارف البولندية والبنوك المركزية للبرازيل وتشيلي واستونيا والمكسيك وفنزويلا وحتى من مصارف غربية معروفة مثل بنك أميركا، أستهدفوا بما يسمى هجوم «حفرة الماء» حيث انتظر قراصنة بيونغ يانغ ضحاياهم لزيارة الموقع ومن ثم وضعوا فيروسا في حواسيبهم. أظهر الفحص الجنائي أن القراصنة جمعوا قائمة بعناوين انترنت من 103 منظمة، معظمها مصارف، وصمموا فيروسهم ليصيب زوار تلك المصارف على وجه التحديد.
توفر الهجمات على تكوين مصدر مربح جدا للحصول على أموال جديدة، ويقول باحثون إن هناك أدلة على اجراء كوريا الشمالية تعاملات بعملة مسروقة من هذا النوع تهدف الى كسب «مونيرو» وهي نسخة مجهولة جدا من العملة المشفرة يصعب على السلطات العالمية تعقبها.

سباق تسلح
بينما يعبر مسؤولو الولايات المتحدة وكوريا الشمالية عن غضبهم بسبب نشاطات كوريا الشمالية الالكترونية، لكنهم نادرا ما يتحدثون عن أنشطة بلديهم واذا كانت تشعل سباق تسلح الكتروني.
مع ذلك تستهدف واشنطن وسيئول مكتب الاستطلاع العام والبرنامج النووي والصاروخي الكوري الشمالي. يمضي مئات ان لم يكن آلاف المحاربين الالكترونيين الأميركيين كل يوم في رسم خارطة الشبكات القليلة لكوريا الشمالية، بحثا عن نقاط ضعف يمكن تفعيلها عند الأزمات.
ذكر مدير وكالة المخابرات المركزية مايك بومبيو أن واشنطن تحاول جمع صورة أوضح عن القيادة المحيطة بالزعيم الكوري الشمالي، ويبقى تحديد من يشرف على العمليات الخاصة والالكترونية لغزا كبيرا. روجت الصحافة اليابانية اسم مسؤول يدعى «جانغ كيل سو»، بينما يشعر آخرون باهتمام نحو الجنرال «نو كوانغ تشول» الذي رقّي الى اللجنة المركزية للحزب الحاكم في آيار 2016 وهو أحد مسؤولين قلائل لا تكشف معلوماتهم المالية.
*مجموعة من محرري نيويورك تايم
أول مشروع بحثي مستقل في العالم العربي

اقرأ ايضآ

  • قراصنة روس لا يعلم عنهم الرئيس شيئا
  • 5 عقول للمستقبل
  • تنظيم داعش ونهاية البروباغاندا
  • الإنترنت وحركة التغيير في إيران
  • الانترنت والدبلوماسية ومعركة القوة الناعمة بين الولايات المتحدة وايران
  • فيسبوك
    تعليقات


    من يوقف نزيف المال والمعلومات في الشرق الأوسط؟
    على الرغم من تمكن الاجهزة الامنية المصرية في السنوات الاخيرة من القبض على متهمين في هيئة افراد وشر

    الدبلوماسية الإلكترونية والمدخل الجديد لإدارة السياسة الخارجية
    جاءت عملية اطلاق مصر مبادرة للتحول الرقمي في اطار تبني القيادة السياسية مشروعا وطنيا لخلق دوله اكثر

    مذبحة "الروضه " والرمق الاخير للجماعات الارهابية
    في حين حشدت شركات التسويق الالكتروني على ما اسمته بيوم الجمعه "البيضاء " والتي عرضت تخفيضاتها الهائل

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    هل تعتقد ان تنظيم داعش سيظهر بقوة مرة اخرى عبر الفضاء الالكتروني؟
    نعم
    لا
    ربما
     
        
    التاريخ