مقالات -
الإبداع والمعرفة

: 1091
الخميس,7 سبتمبر 2017 - 02:41 م
كتب حميد سعيد

في الإبداع، تختلف عن المعرفة في البحث الأكاديمي مثلاً، لأنها في الإبداع تأخذ أهميتها من حضورها الجمالي، بينما في البحث الأكاديمي تأخذ أهميتها من حضورها المباشر.

الإبداع والمعرفة
اضغط للتكبير

ليس من إبداع حقيقي، في جميع مجالات الأدب والفن، لا يقترن بمعرفة حقيقية، مصدرها المعايشة والمشاهدة والقراءة والسماع والحوار، من خلال تمثل عميق، وليس من خلال استقبال سطحي لمصادر المعرفة.

وإذا كان الشائع في هذا المجال تحديداً، إن المواهب المتميزة هي التي تعطي إبداعاً متميزاً، فالموهبة استعداد لدى المرء، لكنها لا تظهر إلا بالتجربة والاجتهاد، ومن دونهما تضمر وتنتهي إلى غياب، وما أكثر ما أدركنا من مواهب لدى أشخاص في المراحل العمرية المبكرة، لكنها ضعفت وضمرت وغابت، ولم تظهر نتائجها بسبب عدم الاهتمام بها، وفقدان الاجتهاد من أجل تنشيطها.

إن المعرفة في الإبداع، ما كانت ولن تكون، مجرد مقولات تُحفَظ، وحكمِ تُكرر، بل هي حالة التمثل وإدراك المتغيرات، فالحياة الإنسانية في تحولات مستمرة، في الثقافات والمفاهيم، وإن الإنسان منذ أن تشكلت المجتمعات في ظل حضارات عديدة وثقافات مختلفة، عايش تعددية، لم تقدر أية أحادية، مهما كانت تلك الأحادية، أن تلغي مفاهيم غيرها، وقد حاولت أحاديات مختلفة، إمبراطورية وأيديولوجية وأسطورية وغيرها، أن تكون هي الحياة، لكن الحياة في حيويتها ومتغيراتها ظلَّت أقوى من تلك الأحاديات، فاستمرت في تعدديتها وتجددها وحيوية متغيراتها، لذا كان جوهر الإبداع في الكتابة والتشكيل والموسيقى، هو ما تمثَّل الماضي وعبَّر عن الحاضر، وتوفر على قدرة التواصل مع المستقبل.

حين صدرت مجموعتي الشعرية ” أولئك أصحابي” وهي محاولة جمالية لتمثل التعدد المعرفي من خلال شخصيات وأحداث روائية، تنتمي إلى عدد من الأزمنة وعدد من الثقافات والمجتمعات والتجارب الإنسانية، سألني أحد النقاد قائلا: قد يظن بعض القراء بأن استخدامك لهذه الشخصيات من باب المماحكة الثقافية وإبراز العضلات المعرفية، وقراءاتك، فماذا ترى؟

ورغم ما أدركته من توجه في السؤال، للإثارة، قلت ما معناه: لا عليك بالظن، وقبل أن أجيب عن هذا السؤال، أود القول بأن لا اعتراض عندي على الفكرة، وأعترض على الوصف، حيث يوحي بأن التوفر على المعرفة هو استعراض عضلات معرفية! والفرق كبير بين المعرفة واستعراض العضلات، حتى لو كانت معرفية.

نعم، أنا أوظف ما أتوفر عليه من معرفة وما أمتلك من ثقافة، في كل ما أكتب، وبخاصة في الشعر، وقد عرفنا شعراء كثيرين موهوبين، وبداياتهم تفصح عن موهبتهم، لكنهم يظلون عند البدايات، يكررونها من دون تجديد أو إضافة، لأنهم لا يملكون ثقافة عميقة وجادة وحيوية، أو لأن ثقافتهم محدودة وهامشية، وأمثال هؤلاء، إما أن ينصرفوا عن الكتابة الشعرية، فتضمر موهبتهم، أو أن يكون نتاجهم مجرد كم يتكرر.

وسواء في قصائد هذه المجموعة، أم في سواها، أجد في الثقافة وفي القراءات ما يغني تجربتي الشعرية ويعدد مساراتها وينفتح بها على آفاق جديدة وأمداء واسعة.

وأقول: أيكون على المبدع أن يتنازل عن معارفه وتجاربه، ويضعها في محيط معزول، لتبدو سطحية وباهتة، لا تقارب إلا ما هو شائع ومعروف ومكرر، من أجل أن يتصالح مع ناقد كسول وقارئ أكثر كسلاً، أو مستمع يصفق لما يعرف وينأى بنفسه عما لا يعرف؟

غير أن المعرفة في الإبداع، تختلف عن المعرفة في البحث الأكاديمي مثلاً، لأنها في الإبداع تأخذ أهميتها من حضورها الجمالي، بينما في البحث الأكاديمي تأخذ أهميتها من حضورها المباشر، فالنص الإبداعي طائر بجناحين، الفكر والجمال، وبهما معاً يبلغ أفقاً أوسع.

كاتب عراقي

حميد سعيد

اقرأ ايضآ

  • التغيير والأمن.. تعدد مصادر الخطر وآليات المواجهة الجديدة
  • الـ «سوشال ميديا» سلاح استراتيجي يوازي الردع النووي
  • مستقبل العملات الرقمية بين الشك واليقين
  • هل تصبح إستونيا أول دولة "رقمية" في العالم؟
  • حرب «النفط الجديد»
  • فيسبوك
    تعليقات


    التغيير والأمن.. تعدد مصادر الخطر وآليات المواجهة الجديدة
    في الرابع عشر من أبريل 2017، قالت وكالة «China Daily» الصينية، إن طفلاً كان قد اختُطِف من أهله منذ 2

    قانون حماية البيانات الشخصية بين التحديات وفرص التفعيل
    أضحت عملية حماية البيانات الشخصية من أهم الحقوق الفردية للحفاظ على الخصوصية ،والتي هي من ركائز حقوق

    مستقبل العملات الرقمية بين الشك واليقين
    مرّت حوالى عشر سنوات على بداية فكرة العملات الرقمية ،وهو ما يطرح العديد من التصورات حول مسقبل تطوره

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
     
        
    التاريخ