i_icon/   phone_icon   site_map

المقالات -
القيادة فى العصر الرقمى

عدد الزيارات : 4
الأربعاء,5 أغسطس 2026 - 06:14 ص
د. عادل عبد الصادق
الاهرام 15 يوليو 2026

جاء افتتاح مصر مقر القيادة الاستراتيجية «الأوكتاجون» فى العاصمة الإدارية فى 4 يوليو 2026، ليكشف ذلك عن مدى إدراك الدولة المصرية لحجم التغير فى طبيعة الفرص والتحديات فى بيئة صنع القرار فى العصر الرقمي، وفى مواكبة أيضاً للتحولات المتسارعة والتى تحدث فى بيئة مضطربة تتراجع فيها حالة اليقين.

القيادة فى العصر الرقمى
اضغط للتكبير
 

وبما يجعل ذلك تحديا جوهريا لعملية صنع القرار وفى ظل تصاعد حجم ونوعية التهديدات غير التقليدية المرتبطة بتطبيقات وتأثيرات الثورة الصناعية الرابعة، ولكن تكمن كذلك فرص المواجهة عبر استغلال ما توفره البيئة الرقمية من مزايا استراتيجية، تتمثل فى دورها فى تعزيز قدرة الدولة على امتلاك الرؤية الاستباقية لمواجهة التهديدات المتصاعدة وتحسين عملية صنع القرار بما يضفى ملامح جديدة للحكم والقيادة فى القرن الحادى والعشرين.

ويجمع «الأوكتاجون» بين القدرات التقنية والمنظومة المؤسسية التى تحكم وظيفتها. والتى لا تعكس فقط تبنى أحدث التقنيات بل فيما يطرحه من تغير فى ثقافة اتخاذ القرار القائم على البيانات، ومن ثم الانتقال من التفاعل البطيء إلى الاستجابة الآنية؛ ومن التشتت فى إنتاج المعلومات إلى التنسيق المتكامل بين مختلف الجهات الحكومية. وبما يحول عملية اتخاذ القرار إلى إجراءات وقائية مبنية على زيادة الإحاطة الكاملة لصانع القرار بكل مدخلاتها فى وقت السلم أو الحرب. وهو ما يفرض أهمية الإلمام العميق بالتقنيات الناشئة، والتى باتت تتنافس الدول على سرعة مواكبة تطبيقاتها وبناء القدرات الوطنية فى مجال تحديث البنية التحتية الرقمية والحوسبة الفائقة، ومراكز البيانات، وتحديث نظمها الدفاعية والأمنية، والتعاون الدولى لبناء القدرات المعززة للصمود والمرونة فى مواجهة الأزمات.

وفرض التحول الرقمى إعادة هندسة التفكير فى مؤسسات الدولة ووظيفتها وعلاقتها بمحيطها، وفرض ذلك التوجه للانتقال من تبنى القرار الأحادى إلى القرار التشاركي، وذلك بعد بروز فاعلين آخرين فى عملية صنع القرار من غير الدول. ويعمل صانع القرار الآن فى بيئة عمل جديدة تتجاوز إرث البيروقراطية التقليدية وتعقيداتها وتأثيرها السلبى على عملية صنع القرار، والتى باتت لا تعتمد على استقبال التقارير أو إصدار الأوامر فى غرف العمليات التقليدية، والتوظيف من جهة أخرى لأدوات التحليل التنبؤى والذكاء الاصطناعى لاستشراف السيناريوهات المحتملة، واعتماد منهجية المرونة الاستراتيجية فى ضوء المستجدات المتغيرة وبما تتطلبه طبيعة العمل فى البيئة الرقمية من التطور فى طبيعة دور القيادة فى صياغة الرؤية الوطنية القائمة على دمج التقنية فى صلب مؤسسات الدولة ذات الطبيعة المدنية أو العسكرية، وذلك على المستوى الوظيفى والثقافى لها، ويأتى ذلك تتويجا للجهود الحكومية المتواصلة للتحول الرقمي.

وهو الأمر الذى يعزز من عملية الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى استشرافها والتنبؤ بها قبل وقوعها. والذى يتم عبر تبنى تفعيل أنظمة الإنذار وتوفير صورة عملياتية موحدة ومتزامنة ومراقبة الأداء عبر آلية مركزية ذكية وتأمين وتشفير الاتصالات، ودمج الذكاء الاصطناعى فى منظومات التحكم والسيطرة، وإدارة البيانات السحابية بشكل متطور عبر سحابة حكومية مغلقة وأخرى عامة لتأمين تدفق المعلومات.

أو يسهم ذلك فى ترسيخ الحوكمة عبر اتخاذ قرارات دقيقة وسريعة وبالرصد الفعلى لتكاليف تقديم الخدمات، وقياس أداء المشروعات وأثرها بما يحسن من القدرة على مواجهة جوانب النقص ويحقق التوزيع الأمثل للموارد ويرشد الإنفاق العام فى ظل القدرات المحدودة، والتى تأتى فى ظل التطلعات المتزايدة لدى الرأى العام.

ويمثل «الاوكتاجون» ركيزة مهمة فى تعزيز سيادة البيانات الوطنية باختلاف أنواعها عن طريق بناء قدرة وطنية لتحليل المعلومات الاستراتيجية والقدرة على التحكم فى تدفقها واستثمارها. وبما يقلص من الاعتماد على جهات خارجية كمصدر لها بما يعزز من الأهداف الوطنية ، ويعزل انتاج تلك البيانات والمعلومات عن أى توظيف سياسى خارجي، وتوفير إمكانية استخدامها فى تدريب وتطوير نماذج، وطنية للذكاء الاصطناعي. ويقدم التوجه المصرى نموذجا إقليميا فى تعزيز بناء القدرات الوطنية وخاصة مع سعى العديد من الدول الى تطبيق سيادتها الرقمية، وقيام دول أخرى بتحديث نظم قيادتها مثل إسرائيل وسنغافورة وبريطانيا وتركيا.

وفى ظل التصاعد فى وتيرة التهديدات التى تحيط بالأمن القومى المصري، وعلاقة ذلك بنمو اتجاهات بناء نظم أمنية إقليمية حديثة تاخذ فى اعتبارها المتغيرات الأمنية الجديدة، وتفتح الباب للتعاون ونقل الخبرات مع صعود المخاطر العابرة للحدود مثل الهجمات السيبرانية وعسكرة الذكاء الاصطناعي.

ويعد «الاوكتاجون» ليس مجرد بنية تحتية رقمية بل يرتبط بالثقافة التنظيمية والكفاءات البشرية وآليات الحوكمة. ومن ثم فإن صنع القرار والقيادة فى العصر الرقمى ليست مجرد مواكبة للتقنية، بل هى التزام استراتيجى بالصمود والابتكار، فى بيئة أصبحت تتميز بإعادة إنتاج لمفهوم القوة والتأثير الاستراتيجي، من قبل قادة يمتلكون التفوق فى سرعة اتخاذ القرار والشجاعة لتغيير الثقافة التقليدية، والعمل على بناء بيئات محفزة للابتكار المستدام. ودور ذلك فى فهم طبيعة التحديات والاستحواذ على الفرص الممكنة، وتأثير البيئة الرقمية فى التغير فى عملية صنع القرار وفى القيادة وانماطها، والتى اصبحت ليست مجرد تطبيقات يتم التحكم فيها بل بالقدرة على تحويلها الى نبض فى قلب مؤسسات الدولة، بما يجعلها تمد روح الحياة واليقظة والوعي، ويجعلها تعمل كحائط ضد التهديدات الخارجية، وتزيد من التماسك الوطنى من اجل صناعة المستقبل الذى يليق بتاريخ واسهام الدولة المصرية الحضارى والانسانى .

 
طباعة ارسل لصديق تعليق

اقرأ ايضا

Facebook
Comments
el-doo2_text/
accr2024/


القيادة فى العصر الرقمى
جاء افتتاح مصر مقر القيادة الاستراتيجية «الأوكتاجون» فى العاصمة الإدارية فى 4 يوليو 2026، ليكشف ذلك

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟
أعاد اختتام أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الم

مراكز الأبحاث من «المطبعة» إلى «الذكاء الاصطناعي»
في البدء كان الصراع، كما كتب خلدون النقيب، فالإنسان بغرائزه والمجتمعات بعلاقاتها والدول بمصالحها، وق

hama
موضوعات جديدة
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقا
الى اي مدى انت راض على اداء المنصات الرقمية في الحرب على غزة ؟
راضي
غير راضي
غير مهتم
 
    
التاريخ