مقالات -
"كوفيد – 21".. حين تعصف الجائحة بالعقل البشري

: 34
الثلاثاء,12 يناير 2021 - 12:19 ص
كتب طاهر علوان
العرب -لندن

تعيش البشرية أزمة لا تعرف نهاياتها مع تفشي وباء كوفيد – 19 وقتله للآلاف من البشر وإصابته الملايين منهم. ولا تزال الشعوب من أقاصي الأرض إلى أدناها تقفل على نفسها على أمل الحدّ من تفشي الوباء. وكل ذلك يجري على خلفية أزمات حقيقية تعاني منها البشرية، ومنها ظاهرة الاحتباس الحراري والحروب والصراعات والهجرة والبطالة. كل ذلك يظهر أمامنا في لقطات وثائقية يفتتح بها فيلم «كوفيد – 21» للمخرج دانييل تورادو.

"كوفيد – 21".. حين تعصف الجائحة بالعقل البشري
اضغط للتكبير

ينطلق فيلم “كوفيد – 21” للمخرج دانييل تورادو بتمهيد منطقي للأحداث باستخدام اللقطات الوثائقية عن الأضرار التي لحقت بالأرض من جراء الاحتباس الحراري، ومن ثم تفشي الأوبئة والأمراض والفايروسات. تمهيد نجده يتكرّر في الكثير من الأفلام الوثائقية والدرامية على حدّ السواء لغرض الانتقال بسلاسة إلى الأحداث التي يقدّمها فيلمنا الحالي، ومن ثم لنصل إلى ما خلّفه وراءه فايروس كوفيد الذي وصل إلى التسلسل 21 افتراضيا.

على أن الخيال الواسع يذهب بعيدا قليلا في رسم صورة المجتمعات وقد ضربها الوباء في إطار معالجة سينمائية لا تتعدّى كثيرا ما يمكن أن نطلق عليه أفلام الأوبئة والأمراض، وهناك بالطبع الكثير منها، وخاصة تلك التي تندرج في إطار ما يعرف بأفلام “الفامباير” أو مصاصي الدماء، حيث يقتفي المخرج أثرها بشكل شبه كامل ويقدّم هنا نسخة منها، والفرق هو أنها تندرج في إطار صورة البشرية تحت جائحة كوفيد – 21.

الوباء وقد تطوّر، صار يضرب عقول البشر ويصيبهم بسعار لا يطفئه سوى الاقتصاص من البشر الناجين ونقل الوباء إليهم، وهكذا كما هو معتاد في الأفلام من هذا النوع.

على أن المخرج سوف يزرع لنا ثيمة يسعى لتطويرها من خلال شخصيتين متباعدتين، ولكنهما سوف تتعرضان للهجوم نفسه والمعاناة نفسها عبر أفواج من المسعورين المصابين.

المخرج نجح في تقديم جماليات الصورة والمونتاج وعنصر الحركة، خاصة في استخدامه القطع السريع والانتقالات المتلاحقة

يتخفى سكوت (الممثل كريستيان ستام) عن أعين حشود المصابين ويتجوّل مذهولا في شوارع مدينة مهجورة، ذلك الإحساس المكاني كان كافيا لرسم صورة ما هو آت، ففي البداية ليس هناك سوى الصمت الذي يضرب الطرقات والبيوت، مجرد أطلال قد هجرها سكانها، ثم لننتقل إلى تجمعات ينتشر فيها الوباء وهو ما يدفع سكوت للهروب إلى خارج المدينة.

بموازاة محنة سكوت في إنقاذ نفسه، سوف تكون هناك مهمة حكومية ينفذها الجيش لنقل الدكتورة أليسون (الممثلة لوريتا هوب) الطبيبة المتمرسة بهذا الوباء، إلى المختبر الذي تعمل فيه من أجل إنقاذ الناس من الجائحة، لكن المهمة تفشل وتجد أليسون نفسها وسط الغابة لوحدها مطاردة من الوحوش، ثم تلتقي مع سكوت ويكملان الرحلة الشاقة والخطيرة.

لا شك أن أفلام آكلي لحوم البشر على كثرتها وتكرار مشاهدها، لم تترك لمخرج هذا الفيلم وفريقه من المشاركين في كتابة السيناريو ما يضيفه، سوى مشاهد مبثوثة هنا وهناك ترتبط بكيفية إنقاذ الذات والخروج من المأزق والنجاة، أضف إلى ذلك اقتفاء أثر أليسون من قبل عسكريين اثنين ناجيين لغرض إنقاذها.

وأما إذا توقفنا عند الشخصيات نفسها، فلا شك أن أداء سكوت بدا الأكثر إقناعا وتناغما مع الواقع المحيط به، وأمّا الطبيبة الشابة فكأنها قد تم حشرها في تلك الدوامة بردود أفعالها الباردة وصراخها بسبب ومن دون سبب، يقابلها العسكريان اللذان كانت مهمتهما هي القتل ولا شيء آخر غير القتل.

الوباء تطوّر إلى الحدّ الذي بات فيه يضرب عقول البشر، ويصيبهم بسعار لا يطفئه سوى الاقتصاص من الناجين

وأما لجهة جماليات الصورة والمونتاج وعنصر الحركة فلا شك أن المخرج نجح في استخدامها، وخاصة ذلك التنوّع المرتبط بتصوير الحشود من أعلى بواسطة كاميرا علوية بطائرة مسيّرة، ثم مشاهد المواجهات الدامية التي استخدم فيها الكاميرا المحمولة على الكتف أو باليد واللقطات المشوّشة، وكذلك في استخدام القطع السريع والانتقالات المتلاحقة المرتبطة بحركة الحشود، كل ذلك كان استخدامه مقنعا.

ولعل السؤال المرتبط بهذه الدراما يرتبط بالإجابة عن الكيفية التي بمستطاع الدكتورة أليسون أن تنقذ من خلالها البشرية، إذ لم يكن هنالك ما يقنعنا بأنها وهي الشابة الصغيرة، قد تعمّقت في الأبحاث الوبائية حتى أوصلت البشرية إلى الحل وفي ذلك إقحام لم يكن هنالك ما يسوغه.

وينقلنا المخرج إلى حبكة ثانوية أخرى من خلال رحلة أليسون مع سكوت، والتي تنتهي بخيبة أمل بالنسبة له، إذ ظن أنه سوف ينقذها ويمضيان معا إلى النهاية. لكن المفارقة هي أنها كانت تسعى لإنقاذ طفلتها وهي حبكة غير مقنعة أيضا، لاسيما وأن ذهن المشاهد كان قد انصرف كليا إلى أن الدكتورة أليسون ماضية إلى مختبراتها لإنقاذ البشرية، وإذا بها تبحث عن طفلتها ثم تخذل سكوت الذي يبدو أنه رسم أحلاما عاطفية وسط تلك الكارثة.

ربما يكون الشغل الشاغل للبشرية بتطوّرات تفشي هذا الفايروس كانت كافية بالنسبة للمخرج وفريقه لكي يقدّموا فيلما لا يحمل من ذلك الفايروس التنفسي إلاّ اسمه، بينما صار هناك وباء عقلي وجنوني يعيدنا إلى شكل متكرّر من أشكال آكلي لحوم البشر دونما إضافة جديدة تذكر، سوى مغامرة شاحبة تم تشتيتها في رحلة مشوّشة للشخصيتين الرئيسيتين.

 

اقرأ ايضآ

  • أقوى تحالف استخباراتي في العالم.. هل تنضم اليابان لتحالف العيون الخَمس؟
  • الخصوصية تُحرج (واتساب)
  • "العمل العميق" والآلات الذكية
  • ينتظره السجن بسبب (تريند)
  • مسارات التفوق التكنولوجي الآسيوي الوشيك
  • فيسبوك
    تعليقات


    التجارة الالكترونية بين الفرص والتحديات في ظل جائحة كوفيد 19
    على قدر ما فرضت جائحة "كوفيد 19" من تحديات كان لها كذلك فرص أمام الاقتصاد الوطني،وبخاصة فيما يتعلق

    ترمب ضد «السيليكون»... حرب البيانات ومزحة «حريّة التعبير»!
    الولايات المتحدة على صفيح ساخن وحرائق العالم الموازي التي لا يمكن أن يطفئها رحيل ترمب أو حتى الضغوطا

    حماية البيانات الشخصية والجدل حول واتس اب
    مع اعلان شركة الفيس بوك عن نيتها نقل بيانات المستخدمين للواتس اب الي خوادم شركة الفيس بوك وشريطة موا

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
     
        
    التاريخ