المقالات
السباق القادم للذكاء الاصطناعي يكشف عن حدود اللغة
الأحد,11 أكتوبر 2026 - 03:53 م
مشاهدات: 8
بعد أكثر من 50 عاماً على وفاتها، لا تزال هيلين كيلر حاضرةً في نقاشات الذكاء الاصطناعي. فكثيراً ما يُستشهد بالإنجازات التواصلية للكاتبة الأميركية الصماء الكفيفة دليلاً على أنَّ اللغة هي المسار الأمثل لابتكار آلات تضاهي ذكاء الإنسان.
وعلى الرغم من موجة الشكوك المبكرة والصاخبة، أثبتت النماذج اللغوية الكبيرة -التقنية المغذية للغالبية العظمى من استثمارات الذكاء الاصطناعي اليوم- أنها أكثر رسوخاً مما توقع المنتقدون. قد لا يستطيع الحاسوب غمس أصابع قدميه في المحيط، لكنه قادر على التعرف على أنماط كافية في نصوص الإنترنت بأسره لمحاكاة فهم ما يعنيه ابتلال القدمين. وهوسنا بالنماذج اللغوية الكبيرة يتبع تقليداً راسخاً في ربط اللغة بالذكاء.
غير أن رواية كيلر ذاتها عن تلك اللحظة الفارقة المتعلقة بكلمة «ماء» كانت تتجاوز مجرد الكلمات. فبينما كانت معلمتها آن سوليفان تتهجى الحروف على راحة يدها، كانت كيلر تشعر أيضاً بـ«شيء رائع وبارد» ينساب على يدها. لم تكن تربط كلمة بكلمة فحسب، وإنما كانت تربط اللغة بإحساس جسدي ملموس.
يكتسب هذا التمييز أهمية بالغة فيما يُبشّر الجميع -من جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ- بعصر الذكاء الاصطناعي (المادي) الجسدي. ففي المرحلة التالية من هذه الثورة التكنولوجية، التي تتسم بروبوتات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتنقل في العالم الحقيقي، باتت حدود النماذج اللغوية الكبيرة أصعب تجاهلاً. فثمة فارق جوهري بين معرفة كل جملة كُتبت عن استخدام عيدان تناول الطعام أو ربط الحذاء وبين القدرة على إطعام النفس أو الخروج من الباب.
وسبق أن كتبتُ أن أكبر عقبتَيْن أمام تطوير روبوتات شبيهة بالإنسان تُؤدي وظائف حقيقية هما: الأيدي (المهارة الحركية الدقيقة) و«الدماغ» (نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على توجيه وتنفيذ أفعال في العالم الحقيقي). وحلّ هاتين العقبتين قد يفتح الباب أمام سوق تتوقع مؤسسة «مورغان ستانلي» أن تبلغ 5 تريليونات دولار بحلول عام 2050. ولكن ماذا لو كانت هاتان المشكلتان أكثر ترابطاً مما نعتقد؟
وجد علماء الأحياء الذين يدرسون حفريات أسلاف البشر أن مهارة الرئيسيات الحركية وتطور الدماغ قد تطورا جنباً إلى جنب عبر الأجيال، مما يُشير إلى أن الذكاء تشكّل ليس فقط بمراقبة العالم، وإنما من خلال التفاعل الجسدي معه، وفقاً لورقة بحثية نُشرت في مجلة «نيتشر» العام الماضي.
قد لا يختلف تحقيق الذكاء الاصطناعي العام في الآلات عن ذلك كثيراً، وفق ما أخبرني به جونغهي ريو، الرئيس التنفيذي لشركة «آر إل وورلد»، وهي شركة ناشئة للذكاء الاصطناعي المادي بمكاتب في سيول وسان فرانسيسكو وطوكيو. تعمل شركته على تطوير نماذج أساسية للروبوتات قادرة على إتقان المهارة الحركية للأصابع الخمس، ويؤكد ريو ضرورة تطور مكونات الأجهزة والبرامج الخاصة بأدمغة وأيدي الروبوتات بالتوازي. وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت شركة «آر إل وورلد» تعاوناً مع «إنفيديا» لتطوير معيار جديد للتحكم الحركي الدقيق.
ويقول ريو إن النماذج اللغوية الكبيرة بارعة جداً في فهم الظروف والتخطيط للأفعال، لكنها لا تزال عاجزة عن أداء أي وظيفة تستلزم مهارة حركية دقيقة، مما يجعلها غير مجدية في شريحة واسعة من سوق العمل. ومن وجهة نظره، ينبغي أن يُعيد ذلك النظر في الادعاءات الأخيرة بأننا وصلنا إلى الذكاء الاصطناعي العام، ذلك الهدف الأسطوري الذي يُشير إلى أنظمة بجدوى اقتصادية مماثلة للإنسان.
وليس ريو بمفرده في هذا الرأي. فالمهارة الحركية الشبيهة بالإنسان، لا سيما في أيدي الروبوت، هي «المكوّن الأخير الذي يجعل الذكاء الاصطناعي العام ممكناً»، كما كتب محللون في شركة «كوريا للاستثمار والأوراق المالية» في تقرير بشأن هذا القطاع، صدر في وقت سابق من العام الحالي. وأشاروا إلى أن اليدين مرتبطتان بنسبة 25 في المائة من القشرة الحركية للدماغ، وبنسبة 30 في المائة من القشرة الحسية، مما يجعلهما محوريتَيْن في كيفية إدراك الإنسان للمعلومات الخارجية والتفاعل معها.
ومع ذلك، حتى مع توقعات الخبراء المتكررة بأننا نقترب من الذكاء الاصطناعي العام، يميلون إلى الاعتقاد بأننا نبتعد عن الآلات القادرة على إنجاز المهام الجسدية البسيطة. ففي استطلاع مطوّل يضم مئات الباحثين في الذكاء الاصطناعي، اعتقد المشاركون عام 2016 أن الآلات القادرة على طي الملابس أو تركيب أي مجموعة من مكعبات «ليغو» بصورة أفضل من الإنسان ستصل بحلول عامَي 2022 و2025 على التوالي. أما في آخر تكرار للاستطلاع عام 2024 فقد تأخرت هذه التوقعات مجدداً إلى عامَي 2030 و2031.
ويبدو ذلك منطقياً في ضوء ما أشار إليه أحدث تقرير لمؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد، من أن المعايير الأصعب على الذكاء الاصطناعي تظل تلك المتعلقة بالتصرف في العالم الحقيقي، بما يتسم به من بيئات غير متوقعة وعواقب مادية ملموسة للأخطاء. وقد وجد الباحثون، في مقارنتهم بين أداء الروبوتات في المختبرات الخاضعة للسيطرة مقابل بيئات المحاكاة المنزلية، فجوة شاسعة. إنه واقع يدعو إلى النظر والتأمل، ويرى باحثون، مثل ريو، أن جذوره تعود إلى غياب المهارة الحركية الدقيقة.
كما يُمثّل ذلك جرس إنذار للصين. وإدراكاً منها للتحولات الديموغرافية، جعلت بكين الذكاء الاصطناعي المادي أولوية سياسية. وتبدو الصين متقدمة بالفعل في مجال الروبوتات الشبيهة بالإنسان، إذ تستأثر الشركات الصينية بأكثر من 97 في المائة من الشحنات العالمية في النصف الأول من العام الحالي، وفقاً لشركة «سمارت أناليتكس غلوبال» الأميركية. غير أن وهم الكفاءة يتداعى خلف العروض التوضيحية المبهرة.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»