المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

«الذكاء الاصطناعي» واستراتيجية التسمية

📅 25-09-2026 03:59 م | 👁️ المشاهدات: 7 | بقلم: فهد سليمان الشقيران - كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
لم يعد مجال الذكاء الاصطناعي موضوع اهتمامٍ رسمي لأبعادٍ سياسيّة أو اقتصادية أو علمية فحسب؛ وإنما تجاوز تلك المجالات التقليدية ليصل الاهتمام به إلى ما هو أعمق، وآيةُ ذلك أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب تدخّل مقترِحاً تغيير اسم المفهوم والنحوَ به نحو تسمياتٍ أخرى مثل: «الذكاء المتفوّق - الذكاء الفائق - الذكاء الأعلى»، وله تسبيبه بحيث يعدّ أن تغيير المسمّى يتماشى مع «الثروة المتنامية» المنتظَرة من هذا المجال، وبالطبع مع عزمه على تعيين «قيصرٍ» للذكاء الاصطناعي، فإنه يقترح التصويت بغية تغيير التسمية.

البعض يرى في هذا الطرح بعض الترف اللغوي، بينما على الضفّة الأخرى من يرى فيه إرادة تسييس أميركية لهذا المجال من جهة، واندفاعاً صارماً وحثيثاً للَجْم المخاطر الكارثية الذي تنتظر البشرية من تقدّمه من جهةٍ أخرى، إذ لكل ثورةٍ علميّة وتقنية شظاياها وزلازلها وخرائطها الجديدة.

وما كانت استقالة «جايكوب»، في التاسع من سبتمبر (أيلول) الحالي، إلا أحد نُذُر تلك الموجة العلميّة الصاعدة، إذ عدَّ أن استقالته من شركةٍ تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي مردُّها إلى أن هذا المجال بشكله الحاليّ ومساره القائم سيؤثر على الوجود البشري، خلال عقدٍ أو أقل.

وبعد استقالته، تواطأ المختصّون على صحةِ قوله، وأن المخفيّ في هذا الباب أكثر مما يعرفه البشر، مما جعل الحديث عن المخاطر على البشرية، على المستويات الصحيّة والاقتصاديّة والوجودية والأخلاقيّة، سائداً ومحبباً اليوم، ومن الطبيعي أن يتصدّر النقاش حول الارتدادات الأخلاقيّة المشهدين الأكاديمي والعلمي، باعتبار هذا الموضوع أساسياً سوف يؤثر على التعاملات البشريّة، وعلى المعيشة الأُسريّة، وعلى الحالة الدنيويّة برمّتها.

على المستوى الفلسفيّ، فإن الذكاء الاصطناعي بقدرِ ما أثبت صحّة النبوءات الأولى منذ الاقتراحات الأخلاقية قبل قرنين وأكثر من قِبل كبار الفلاسفة وجعل نظرتهم حول التقنيّة تتبلور بمجملها في هذا التطوّر، بَيْد أنه طرح تحديّاتٍ أكثر راهنيّةً ومسؤولية؛ ومن أولئك الذين اهتموا بهذا الموضوع الفيلسوف إدغار موران الذي كتب قليلاً عن ذلك قبل رحيله عن مائة عامٍ في 29 مايو (أيار) الماضي. لم يقدَّر له العيش ليضع إضبارته على طاولة التشريح العلمي، بُغية تمتين النظريّة المحتملة لمناقشة هذا الفتح التقني الخارق.

وإذا كان أيقونة الفلسفة في القرن العشرين مارتن هيدغر قد كتب كثيراً وحاضر كثيراً عن التقنيّة متأملاً علاقتها بالعلم، وكانت التقنية حينها في بواكيرها، فإن هذا يدلّ على حضور القلق المبكّر من الغول القادم، لقد صعّد من دور التقنية في احتمال الحلول مكان الإنسان، وعدَّ أن «العلم لا يفكّر»، وكان لشذرات نيتشه حول التقنية، وهي قليلة، دورُها الضئيل في سبيل استدلال هيدغر على مسارٍ تحليليّ سيكون له أثره.

في السياق نفسه، وبتاريخ 13 يونيو (حزيران) 2023، كتب حسن منصور الحاج مقالةً بهذه الجريدة بعنوان «التقنية في حدود العقل والأخلاق»، وهي ثرية استعرض بها العديد من الأطروحات النظريّة الأساسية. ومما انتهى إليه أننا «إذا عدنا إلى المسألة التقنية بصفتها مسألة عقلانية، نجد أنفسنا نتساءل حول الحدود العقلانية للظاهرة التقنية. هل هي ظاهرة محدودة في الزمان والمكان أم أنها غير محدودة؟ عقلانياً، هي قد تكون محدودة، وقد تكون غير محدودة. هذا يتوقف على وظيفتها وعلى مدى انتهاكها قدرة العقل أولاً، والقانون الأخلاقي الإنساني ثانياً. وفي هذه المسألة، نجد أنفسنا، أيضاً، أمام مناقضة جديدة تتعلق بالتقنية». ثم يشير الكاتب إلى نظريّة «جانيكو» القائلة: «إن مناقضة قدرة العقلاني في عصر القدرة يمكن أن تُصاغ على الشكل التالي: كل ما هو قابل للتنفيذ تقنياً يجب أن يكون متحققاً، سواء أكان تحقيقه معتبَراً حسناً أخلاقياً أم مُداناً. أما الأطروحة النقيضة فهي: لا شيء مما هو قابل للتنفيذ تقنياً يجب أن يكون متحققاً إذا شكّل تحقيقه خطراً على الأهلية الأخلاقية للبشرية أو ألغاها».

ويَعدّ الحاج - بعد عرضه محاججة جانيكو ويوناس - أن «جانيكو يشارك يوناس اهتمامه بمستقبل البشرية، شرط ألا يكون هذا المستقبل على حساب الحاضر. هذا يعني أن الحاضر والمستقبل مرتبطان بلعبة قدرة العقل المفتوحة على الممكن المستقبلي. لكن هل سيبقى هذا الممكن أسيراً لسلطة حلف التقنية والعلم؟ أم أنه سوف يشكل ميدان شراكة تنكسر فيه أحادية هذه السلطة؟ لذلك، فإن هذه القدرة المفتوحة على الممكن سوف تنتشر وتُترجم في ثلاثة ميادين مقدسة: الأخلاق، والسياسة، والشعر».

الخلاصة أن النقاش المستمر على كل الصُّعُد حول المفهوم الأكثر حيويّة وإشكالاتٍ في تاريخ البشرية «الذكاء الاصطناعي» ضروري، وكل الإحالات التي تُضخِّم من الآثار الكارثيّة لها مشهدها الدرامي المسلِّي ونمط تجاوبٍ مع الشغف البشري بالإجابة عن سؤال: ما التالي؟! لكن من الراجح أننا أمام عوالم تتشكّل بسبب هذا المفهوم تُفتت العالم الواحد الذي عرفتْه البشريّة عبر العصور.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)