السبيل لإنقاذ الذكاء الاصطناعي

13-08-2026 09:30 AM - عدد القراءات : 8
كتب توماس بلاك بالاتفاق مع «بلومبرغ» الشرق الاوسط
تشهد الفترة الراهنة انتعاشاً صناعياً قوياً يوفر دعماً للاقتصاد. وبفضل هذا الانتعاش؛ تمكن الاقتصاد من تجاوز صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار معدلات التضخم المرتفعة، التي أبقت الفائدة عالية، إلى جانب موجة جديدة من الرسوم الجمركية، التي قد تكون دائمة.
السبيل لإنقاذ الذكاء الاصطناعي


ونجح هذا الانتعاش الاقتصادي في ترسيخ جذوره إلى ما هو أبعد من طفرة الذكاء الاصطناعي؛ ليرتفع بذلك الطلب على قطاعات البناء والنقل وإنتاج الطاقة. ومع ذلك، يبقى الأمر المؤكد أن المحرك الرئيس للاقتصاد لا يزال السباق المحموم لبناء مراكز البيانات، وتزويدها بالمعدات اللازمة، لتشغيل أحدث الشرائح الإلكترونية وتبريدها.

ورغم محاولات المتشائمين البحث عن ثغرات في هيكل هذا التعافي، لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على تراجع الإنفاق الرأسمالي الضخم الموجه للمضي قدماً نحو حلم الذكاء الاصطناعي. في الواقع، هناك دلالات تنبئ بأن عملية تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد تستغرق سنوات طويلة.

وتُعدّ شركتا «أمفينول» و«فيرتيف هولدينغز» - وهما شركتان غير معروفتين على نطاق واسع في القطاع الصناعي، وترتبطان برابط وثيق بمراكز البيانات - بمثابة مقياس جيد لتقييم هذا الانتعاش؛ إذ تحقق الشركتان الموردتان لمراكز البيانات، أداءً استثنائياً في الوقت الحالي.

في ظل الظروف العادية، تُعدّ هذه التطورات مقدمة لدورة من الصعود والهبوط، على غرار أزمة فقاعة شركات الإنترنت، التي ضربت العالم أواخر التسعينات وأوائل الألفية. اللافت، أن تلك الفترة لم تقتصر على انهيار شركات التجزئة الإلكترونية الخاسرة فحسب، بل شهدت كذلك اندفاع الشركات نحو تمديد كابلات الألياف الضوئية، لإطلاق العنان لإمكانات الإنترنت.

وأدى الفائض في السعة إلى ما يُعرف بـ«الألياف المظلمة»، كما تسبّب انخفاض أسعار النطاق العريض في إفلاس كثير من شركات الشبكات وموردي الأجهزة. وبالنظر إلى الماضي، يتضح لنا أن المشكلة لم تكن في الإفراط في تمديد الكابلات، بل في السرعة المفرطة التي أنجزوا بها هذا الأمر. بمرور الوقت، جرى استيعاب تلك السعة الزائدة، ولا يزال الطلب على كابلات الألياف الضوئية الجديدة مستمراً حتى اليوم.

والسؤال هنا: ما الذي سيحمي طفرة الذكاء الاصطناعي من مصير مشابه؟ لا تزال ميزانيات الإنفاق الرأسمالي في ارتفاع مستمر، في خضم مخاوف تتعلق بما يُعرف بـ«مراكز البيانات العملاقة» وإمكانية تخلفها عن الركب. غير أن هناك عاملاً خارجياً يكبح جماح هذا المسار - ولو بدرجة طفيفة - ما قد يسهِم في توزيع التوسع على نحو متزن، ويساعد على تجنب انهيار حاد، ألا وهو: الرفض السياسي لبناء مراكز البيانات داخل بعض المجتمعات المحلية.

على سبيل المثال، نجحت حركة «ليس في فنائي الخلفي» بالفعل في إبطاء وتيرة زيادة القدرات الحاسوبية، مع استجابة المسؤولين والمرشحين والحكومات المحلية لمخاوف الناخبين حيال تفاقم الازدحام المروري، والضوضاء، واستهلاك المياه.

ويضاف إلى هذا الرفض، النقص الحاد في سعة الكهرباء داخل الولايات المتحدة، والمخاوف من ارتفاع الفواتير على المستهلكين. يذكر أن استطلاعاً للرأي أجرته مؤسسة «بوليتيكو» في يوليو (تموز)، أظهر أن 41 في المائة يعارضون بناء مركز بيانات على بعد ثلاثة أميال من منازلهم، مقارنة بـ28 في المائة في يناير (كانون الثاني).

ويعود جزء من هذا الرفض إلى المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي، نهاية المطاف، إلى الاستغناء عن الوظائف. صحيح أن الإنترنت وما نتج منه من برامج مثل البريد الإلكتروني وجداول البيانات والتقويمات الرقمية، لم يقضِ على القوة العاملة - رغم إنهائه وظائف محددة - فإن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تقليص الفرص الوظيفية لخدمات تفريغ النصوص والترجمة، وكذلك بدا واجباً على موظفي مراكز الاتصال ومُعالجي الطلبات البحث عن فرص أخرى.

وثمة صعوبة كبيرة في التنبؤ بطبيعة الوظائف الجديدة التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك فإنها آتية لا محالة. وبالفعل، بدأت مكاسب الإنتاجية الناتجة من الذكاء الاصطناعي، حتى في هذه المراحل المبكرة، تظهر بالفعل في أرباح الشركات. وستأتي ثورة الذكاء الاصطناعي بوصفها مثالاً آخر على التكنولوجيا، التي تتيح للبشر أجوراً أعلى ووقت فراغ أكبر، رغم ما تثيره هذه التقنيات، عادة، من مخاوف في البداية.

وبغض النظر عن الدوافع - مخاوف بشأن البطالة، أو تكاليف الكهرباء، أو مخاوف بيئية - فإن معارضة المشروعات، التي توفر فرص عمل وإيرادات ضريبية للمجتمعات، لن تُلغيها، بل ستؤدي فقط إلى إبطاء وتيرة بناء مراكز البيانات، وإطالة فترة الإنشاء، ودفعها إلى مناطق أكثر ملاءمة للأعمال.

من ناحيتها، استوعبت بعض الشركات هذه المخاوف، وشرعت بالفعل في اتخاذ خطوات استباقية. على سبيل المثال، وقّعت شركة «بلاك روك» اتفاقية مع نقابات البناء في أميركا الشمالية، لتوفير العمالة لمشروعات مراكز البيانات والطاقة. ودخلت شركة «أنثروبيك» في شراكة مع شركة «ماكواري لإدارة الأصول»، لبناء مراكز بيانات، وتعهدت بتغطية أي زيادات في أسعار الكهرباء للمستهلكين.

في الواقع، ستساعد التكنولوجيا في ترشيد استهلاك المياه، وتوفير الطاقة، وحتى تقليل الضوضاء. مثلاً، تطرح شركة «فيرتيف» نظام تبريد مغلق الدائرة، يعيد استخدام جميع المياه اللازمة لتشغيل النظام. ويتجه القطاع نحو استخدام جهد كهربائي أعلى؛ ما يجعله أكثر كفاءة في تشغيل رقائق الكمبيوتر. أما شركة «أمفينول»، المعنية بتصنيع موصلات الألياف الضوئية وغيرها من المعدات، فتحرص على تضمين أجهزة استشعار في منتجاتها لمراقبة حالة النظام. الحقيقة، أن مراكز البيانات تتميز ببصمة بيئية منخفضة، مقارنةً بالمصانع الكيميائية، ومصانع الصلب، وأفران الزجاج، أو أي نشاط تصنيعي تقليدي آخر.

المؤكد، أن الطلب على مراكز البيانات لا يزال مرتفعاً للغاية. ولنأخذ على سبيل المثال مقاييس الحرارة الصناعية، وشركتي «أمفينول» و«فيرتيف». في السنوات الثلاث الماضية، قفزت أسهم «أمفينول» بنسبة 281 في المائة، وارتفعت أسهم «فيرتيف» بنسبة 663 في المائة، متجاوزةً بذلك مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» البالغة 72 في المائة. يذكر أن «فيرتيف» تصنع منتجات، مثل نظام التبريد الخاص بها، الذي يوفر الطاقة وإدارة الحرارة لمراكز البيانات، والتي تمثل نحو 80 في المائة من إيراداتها. أما «أمفينول»، فتجني ما يقرب من 45 في المائة من مبيعاتها من مراكز البيانات. وتتولى «فيرتيف» تصنيع منتجات مثل نظام التبريد الخاص بها، الذي يوفر الطاقة وإدارة الحرارة لمراكز البيانات، والتي تمثل قرابة 80 في المائة من إيراداتها، في حين تحصل «أمفينول» على ما يقرب من 45 في المائة من مبيعاتها من مراكز البيانات.

وتُضيف الشركتان طاقات إنتاجية جديدة وتستحوذان على شركات أخرى؛ لمواكبة الطلب المتزايد. في قطاع مراكز البيانات، قفزت مبيعات «أمفينول» العضوية، بعد تعديلها وفق تأثيرات عمليات الاستحواذ وتقلبات أسعار الصرف، بنسبة 30 في المائة في الربع الثاني، مقارنةً بالعام الماضي، في حين ارتفعت مبيعات «فيرتيف» العضوية بنسبة 18 في المائة. وتُعدّ هذه قفزات هائلة لشركات صناعية كبرى.

وتتجاوز القيمة السوقية لشركة «أمفينول»، البالغة 210 مليارات دولار، قيمة شركة «بوينغ». أما «فيرتيف»، فقد ارتفعت قيمتها السوقية من 5.3 مليار دولار في صفقة استحواذ ذات غرض خاص، مدعومة من «غولدمان ساكس» عام 2019، إلى 104 مليارات دولار. وتُعدّ الشركتان رائدتين في مجال صناعتهما، وتُسهِمان في تطوير تقنيات جديدة لإدارة الطاقة والتبريد.

في مرحلة ما، ستهدأ وتيرة النمو المتسارعة لشركتي «فيرتيف» و«أمفينول» حتماً، وسيتجلى هذا في انخفاض الطلبات. وقد يؤدي رفض مراكز البيانات - أو مصانع الذكاء الاصطناعي، كما يُفضل جنسن هوانغ من شركة «إنفيديا» تسميتها - إلى إبطاء وتيرة تعزيز الشركات العملاقة لقدراتها؛ ما يُسهِم في إبطاء وتيرة بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ويُساعد في الحد من التجاوزات التي شهدناها في عصر شركات الإنترنت.

وبمرور الوقت، قد تثبت الأيام أن هذا أمر إيجابي لقطاع الذكاء الاصطناعي.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>