الطبقة العاملة فى العصر الرقمى

29-06-2026 06:34 AM - عدد القراءات : 3
كتب د. عادل عبد الصادق جريدة الاهرام 29 يونيو 2026
اختتم مؤتمر العمل الدولى فى دورته 114 فى جنيف أعماله فى 12 يونيو 2026 باعتماد منظمة العمل الدولية اتفاقية 193 بشأن تحسين ظروف العمل فى المنصات الرقمية، جاء ذلك بعد أن فرضت الثورة الصناعية الرابعة تحديات على الطبقة العاملة الصاعدة شملت تغير طبيعة العمل وبيئته وعلاقاته وقوانينه المنظمة،
الطبقة العاملة فى العصر الرقمى

وتأثير الاقتصاد الرقمى فى بزوغ شكل جديد من اقتصاد المنصات الرقمية، والذى فتح فرصة لتوليد العمل والإنتاج والأرباح. وفى الوقت نفسه، برز غياب أطر تنظيمية تواكب تلك المتغيرات، وظهرت طبقة عاملة جديدة تتميز باتساع حجمها ونطاق عملها الجغرافى. تتميز بالاختلاف عن الأخرى التقليدية سواء فيما يتعلق بمستوى المهارات، أو التفاوت فى الدخل ونظام الإدارة، وطبيعة عقد ومكان العمل، والأدوات الأساسية له.

من فئات تلك الطبقة عمال التوصيل والنقل الذكى والعاملون عبر الإنترنت، والذين ينخرطون فى العمل كخلايا عمل صغرى تسهم فى منتج أو خدمة واحدة عبر الحدود، بغض النظر عن الزمان أو المكان.

ارتبط ذلك بالاقتصاد الحر الذى يتميز بنمط العمل المرن والتوظيف المؤقت، والذى يشهد تزايدًا فى قاعدته وانتشاره. ففى عام 2020، كان 20% من الموظفين حول العالم يعملون عن بُعد، لتصل النسبة إلى 28% عام 2023، ثم قفزت إلى 48% من القوى العاملة العالمية فى عام 2025.

يواجه العمال فى المنصات خطر نقص تبنى المهارات الجديدة وفقدان الوظائف فى ظل الذكاء الاصطناعى، وما يرتبط به من تحديات إعادة التأهيل والتعليم، وفى ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بهم. فوفقًا لمعهد ماكينزى العالمى، بحلول عام 2030، سيحتاج ما لا يقل عن 14% من الموظفين على مستوى العالم إلى تغيير مساراتهم . وتتعرض الطبقة العاملة الجديدة لهيمنة الشركات الكبرى على السوق والوظائف، مما يدفعهم للموافقة بإذعان على سياسات العمل لديهم، رغم أنهم لا يحصلون إلا على زهاء 1% من إيراداتها. وعلى الرغم من أن زيادة الإنتاجية تؤدى إلى زيادة الأجور مع زيادة الأرباح، إلا أن الشركات التقنية خفضت أجور العمال، مما أدى إلى معاناتهم من ظروف عمل غير مستقرة، وضعف فى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى مشكلات فى قدرتهم على التنظيم والاحتجاج مقارنة بالعمال التقليديين.

يواجه العمال فى المنصات الرقمية نظامًا آليًا صارمًا يعتمد على الخوارزميات لمراقبة الأداء، والتقييم، والتعيين، والرواتب، وهو بديل عن المدير البشرى. ونتيجة لذلك، لا تتاح هناك فرص متاحة للتفاوض بين الإدارة والعمال. من ناحية أخرى، فقد هؤلاء العمال الشعور بالأمان من احتمال تعرضهم للاستبدال من قبل الشركات المشغلة، ليس فقط بمن يقبل أجوراً أقل، بل أيضًا مع الاتجاه نحو الأتمتة والروبوتات. ويعانون غياب التأمين الصحى والمعاشات والشعور بالاغتراب نتيجة تراجع دورهم فى العملية الإنتاجية، وتحولهم إلى ترس فى عجلة إنتاج ضخمة لا نهائية . ونتيجة لذلك، تراجعت القوة السياسية للطبقة العاملة بسبب اتساع الفجوة بين مستويات التعليم والدخل مما أثر فى تحالفاتها وقدرتها على التحرك كجماعة ضغط. وقد تفقد قوتها بعد معاناتها من فقدان الوظائف وتراجع الأجور وزيادة البطالة، ناهيك عن تأثير التوترات الجيوسياسية والتضخم فى الاقتصاد العالمى.

وبالرغم من تحديات تفتيت قوة الطبقة العاملة الجديدة، فإنها أصبحت أمام فرصة للتمكين عبر توظيف أدوات التعبئة والنضال الجديدة لتعزيز قدرتها على التنظيم وبناء تحالفات رقمية قريبة من عمل النقابات التقليدية.

وهو ما دفع للسعى إلى عقد اجتماعى رقمى ينظم العلاقة بين العمال والشركات المشغلة، ومن ثم جاءت اتفاقية 193 لسد الفراغ التشريعى للتعامل مع فئتى منصة العمل الرقمية وعامل المنصة، وتعزيز حقوقهم الأساسية مثل الحرية النقابية، ومنع العمل الجبرى والتمييز، والضمان الاجتماعى، وتوفير بيئة عمل آمنة. وتقدم الاتفاقية أول تنظيم دولى مباشر للإدارة الخوارزمية وأهمية الإشراف البشرى، وقدمت مرونة فى التنفيذ الوطنى، وعالجت البعد العابر للحدود للمنصات بتطبيق الاتفاقية على الموجودين فعليًا فى إقليم الدولة. لكن لم تحسم الاتفاقية طبيعة التدابير المناسبة التى تتخذها الدول، وجاءت بصيغة مطاطة بشكل يضعف قوتها القانونية وفتح الباب واسعًا للاستثناء لفئات محددة، وجاءت بعض المواد بصيغة استرشادية. والنص على نفاذ الاتفاقية بتصديق دولتين فقط دون انضمام الدول التى تستضيف كبرى المنصات، ولم تتناول حق العمال فى الانتقال بين المنصات. ولم تقدم الاتفاقية آليات تنفيذية دولية لمواجهة احتكار الشركات التقنية الكبرى، ولم تفرض عقوبات مباشرة عليها فى حالة عدم الالتزام،ولم يتم ذكر أطر لدعم الدول النامية فى سوق العمل وبناء القدرات الوطنية.

تمثل الاتفاقية الإطار الدولى الأول للتعامل مع اقتصاد المنصات، مما يعطى قوة لطبقة عاملة تتشكل ملامحها وسط خضم الصراع المحتدم بين ذكاء الإنسان وقوة الآلة، ولكن باتت المعركة التى تخوضها الطبقة العاملة اليوم مختلفة فى أدواتها وتأثيرها، وباتت لا تبحث عن العمل فقط بل بالبحث عن ذاتها ومعنى وجودها وعلاقته بالعمل كقيمة وليس كمصدر فقط للدخل ومدى قدرتها على التكيف ومواكبة التغير السريع فى سوق العمل على مستوى الفرص والمهارات والأجور، وارتباط ذلك بتحسين جودة التدريب والتعليم المستمر، وحمايتها من تغول الشركات التقنية الكبرى، وبما يفتح الباب لساحة نضال جديدة تقودها طبقة عمالية واعية بذاتها وبإرادتها الحرة وبقدرتها على بناء المستقبل وفق الأجندة الوطنية.

 

رابط المقال النصي
وتم توظيف الذكاء الاصطناعي في الاستماع الى المقال
وتم توظيف الذكاء الاصطناعي في تحويل المقال الي فيديو عبر الرابط


© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>