وتقوم تلك المنصات الرقمية بجذبهم عبر المحتوى المرتكز على الصور والفيديوهات القصيرة والمتوالية، واستخدام للخوارزميات فى زيادة استهلاك المحتوى. وهو ما يحمل معه تأثيرات سلبية على المستوى النفسى والعقلى والجسدى، ويسهم فى التغير فى القيم والسلوك لدى تلك الفئات، وشعورهم بالعزلة أو الاكتئاب، والتنمر الإلكترونى، والشعور بعدم الرضا عن الذات، وزيادة الإرهاق والإدمان الرقمى والتشتت العقلى، وتراجع مهاراتهم الاجتماعية ،وكذلك الفكرية عبر تحول المنصات إلى مركز للمعرفة لديهم، بما يؤثر فى تشكيل العقول والقلوب، وفى ظل فجوة من التعامل الثقافى والقيمى، وتراجع دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية. وخطورة قيام دول أو جماعات مغرضة فى توظيف تلك المنصات فى شن الحروب النفسية وإعادة تشكيل الرأى العام.
واستخدام المنصات الرقمية فى إحداث حالة من التغيير المعرفى من خلال تلقى محتوى مؤطر، ثم التحول إلى استخدام ذلك فى التأثير الوجدانى عبر التأثير العاطفى أو الدينى، ثم الانتقال إلى التأثير القيمى الذى يترسخ بتبنى ما يرونه من حقائق مطلقة، ثم تأتى المرحلة التى يمكن أن تكون الأخطر وهى التأثير السلوكى، ويمثل ذلك إستراتيجية التغيير التى يمكن أن تستخدم كذلك فى إحداث تغييرات إيجابية. وخطورة سيطرة المحتوى الرديء على المنصات الرقمية التى ركزت فى البداية على تقديم خدمات جذابة يتم الاعتماد عليها بشكل متصاعد، والاتجاه إلى الحد الأدنى من الإعلانات لزيادة الانتشار، ثم قامت تلك المنصات فى مرحلة لاحقة بتوظيف الخوارزميات فى الترويج للمحتوى وتقديم خدمات للمعلنين، وذلك لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة فى السوق على حساب السلامة، وقيامها بممارسات احتكارية، وتعزيز غياب البدائل أمام المستخدمين. وتصاعدت تحديات جديدة مع دور الذكاء الاصطناعى التوليدى فى التزييف العميق، ونشر الشائعات والتأثير فى توجهات الرأى العام، وخطر دفع زيادة التنظيم والحوكمة إلى هجرة بعض الشباب والمراهقين إلى المنصات الأخرى الأقل شهرة وحوكمة، ولكنها تقدم نفس الخدمة، وتشفيرًا وخصوصية أكبر، والتوجه إلى منصات الألعاب الإلكترونية وغيرها، وطبيعة الفجوة المعرفية بين الأجيال الجديدة والأسرة من جهة، والنقص فى الوعى القانونى بما يمكن أن يدخل فى الجريمة أو يعاقب عليه القانون من جهة أخرى.
وفى محاولة لتفادى الضغوط الحكومية، لجأ عدد من المنصات الرقمية إلى تبنى سياسات للمحتوى، وتقوم على أساسها حذف أو حجب المحتوى الذى يتعارض مع سياسات المجتمع لديها. ومن جهة أخرى، أُتيحت الفرصة للمستخدمين لتقديم بلاغات للمنصات بشأن محتوى معين أو حساب محدد، ولكنها كشفت عن طبيعة الاختلاف الثقافى بين ما تفرضه تلك المنصات من سياسات للمحتوى وما بين ما يراه المجتمع مخالفًا لقيمه الثقافية. وفرض تلك التأثيرات أهمية حوكمة المنصات الرقمية، ونما تيار قوى عالمى لفرض التنظيم كان له استجابات وطنية وإقليمية، والتى ترتكز على كونها شركات عابرة للحدود. وفى سبيل السعى إلى تنظيم العلاقة بين المنصات وسياسات المحتوى، سعى العديد من الحكومات إلى تبنى تطبيقات للسيادة السيبرانية على المستوى التقنى والتشريعى والسياسى والأمني.
واتجه العديد من الحكومات إلى تبنى أطر تشريعية لحماية المراهقين والشباب من المنصات الرقمية، لحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، وفرض غرامات مالية عليها، والتى استهدفت تحويل البيئة الرقمية إلى بيئة آمنة، ومن ثم تعزيز الثقة فيها، والسعى إلى تقنين الاستخدام للمنصات الرقمية بين تلك الفئات الأضعف، أو أن يتم حظر الاستخدام دون سن 16 عامًا عبر التجريم، أو عبر موافقة الآباء على الاستخدام، وتبنى تطبيقات الهوية الرقمية التى يتحقق بها من العمر قبل الاستخدام.
ولا تنفصل تلك الجهود عن سن تشريعات جديدة للتعامل مع المنصات الرقمية وإلزامها بتعديل الخوارزميات التى توجه المحتوى وتجذب انتباه المستخدمين إلى ما لا نهاية، وتبنى سياسات جديدة لمنع الإدمان أو الاستغراق الرقمى عبر التنبيه بالوقت المستهلك. وتفعيل قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية وتعديل قانون الطفل لإدخال هذه المخاطر الجديدة، إلى جانب أهمية الوعى عبر المبادرات المختلفة لتعزيز سلامة الأطفال والمراهقين عبر الإنترنت، وتعزيز التكوين المعرفى والشخصى للفرد كركيزة لمواجهة التحديات، وهو ما يعكس أهمية توجه الدول المصرية لتبنى برامج لبناء القدرات والمهارات الرقمية، وأهمية الأنشطة الاجتماعية والثقافية، والتى ستحول دون استغراقهم الرقمى، وأهمية دور الأسرة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة.
وعلى الرغم من أن الحجب أو المنع ليس حلاً للمواجهة، ولكنه يتطلب فهماً ووعياً مجتمعياً لتحويل تلك المنصات إلى فرصة وليس إلى خطر، والتركيز على الجانب الوظيفى لها وليس الطابع الاستهلاكى.
|