فالأسرة باعتبارها النواة الأولى للمجتمع تقوم على الحوار والتفاعل المباشر، لكن ما يحدث اليوم هو أن مائدة الطعام تحولت إلى مساحة صامتة يحدّق فيها كل فرد في هاتفه بدل أن يتبادل أطراف الحديث. وكثير من الأمهات يشتكين من انشغال الأبناء، والآباء يواجهون تراجعًا في مكانتهم كمصدر أساسي للمعلومة أو التوجيه بعد أن باتت المنصات الرقمية المرجع الأول للشباب.
كما أن دراسات علم النفس الإجتماعي تشير إلى أن الإستخدام المفرط للشبكات الإجتماعية يخلق نوعًا من "العزلة التفاعلية" حيث يفضّل الفرد التفاعل الإفتراضي على التواصل الحقيقي مما يضعف الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة. كما أن المحتوى المفرط بالصور المثالية للحياة الأسرية عند الآخرين يولّد مقارنات سلبية وشعورًا بالنقص أو الإحباط داخل البيت.
فالأبناء هم الحلقة الأكثر هشاشة في هذا المشهد. وإلي جانب ضعف الرقابة الأسرية على المحتوى يُسجَّل تزايد في معدلات التنمر الإلكتروني والإدمان الرقمي، والإنجذاب إلى أنماط استهلاكية وقيم دخيلة قد تهدد الهوية الثقافية والدينية.
وفي هذا السياق ، أود أن أشير إلي أن هناك انعكاسات إقتصادية لا يُلتفت إليها.فالأمر لا يقف عند حدود المشاعر والعلاقات؛ بل يمتد إلى التأثير على الوضع الإقتصادي للأسرة. فالإعلانات الموجَّهة على الشبكات الإجتماعية تزرع رغبات استهلاكية متواصلة وتجعل الأبناء يطالبون بشراء منتجات لا يحتاجون إليها ومع غياب الرقابة تتحول هذه الرغبات إلى ضغوط مالية تثقل كاهل الأسرة وتزيد من حدة الخلافات الداخلية.
المسؤولية ليست حكرًا على الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية شاملة، ويجب علي مؤسسات الدولة أن تضع استراتيجيات للتربية الرقمية وأن تُدرّس المدارس مقررات حول الإستخدام الواعي للتكنولوجيا. كذلك يمكن للمجتمع المدني إطلاق مبادرات لإعادة إحياء الأنشطة المشتركة بين الأسر مثل الرياضة والأنشطة الثقافية والفنية التي تُعيد للأسرة مساحتها الطبيعية بعيدًا عن هيمنة الشاشات.
والحل لا يكمن في شيطنة التكنولوجيا أو الدعوة إلى الإنقطاع عنها، بل في ترشيد استخدامها. فالأسرة الواعية هي التي تضع قواعد واضحة مثل أوقات محددة لإستخدام الهواتف، جلسات عائلية بعيدة عن الشاشات، وإعلاء قيمة الحوار المباشر. كما يجب على المؤسسات التعليمية والإعلامية أن تقوم بدور تكاملي عبر برامج توعية تعزز التربية الرقمية وتوضح خطورة الإنغماس غير المنضبط.
واود ان أشير الى أنه لا يقتصر أثر وسائل التواصل الإجتماعي على الحاضر فقط، بل يمتد ليشكّل ملامح الأجيال القادمة. فالأطفال والمراهقون الذين ينشأون في ظل الإعتماد المفرط على هذه المنصات يواجهون تحديات معقدة ، أبرزها ضعف مهارات التواصل الواقعي وانخفاض مستوى التفاعل الأسري وتراجع الإحساس بالإنتماء المجتمعي. ومع مرور الوقت قد يؤدي هذا النمط إلى تكوين جيل أكثر انعزالًا وأقل قدرة على مواجهة الضغوط الإجتماعية والنفسية بطرق طبيعية. كما أن الإفراط في العالم الافتراضي يُنتج شخصيات مرتبطة بالقبول الإلكتروني أكثر من ارتباطها بالتقدير الذاتي الحقيقي وهو ما ينذر باضطرابات قيمية ونفسية في المستقبل.
ويحذّر خبراء علم الإجتماع من أن استمرار هذا المسار دون تدخل واعٍ من الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية سيؤدي إلى فجوة بين الأجيال بحيث يغدو الجيل المقبل غريبًا عن جذوره الإجتماعية وأسيرًا لتأثيرات العوالم الرقمية. ومن ثمّ تصبح المسؤولية مضاعفة في الوقت الحاضر من أجل غرس وعي نقدي لدى الشباب يوازن بين الإستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على التماسك الأسري والهوية القيمية.
ولمواجهة هذا التحدي لا بد من تفعيل دور الأسرة والمدرسة جنبًا إلى جنب وذلك عبر تعزيز ثقافة الحوار داخل البيت وتخصيص أوقات خالية من الأجهزة الذكية للتفاعل المباشر بين الأفراد. كما يمكن إدماج برامج توعية رقمية في المناهج التعليمية، تهدف إلى تدريب الطلاب على الإستخدام الواعي والمسؤول لوسائل التواصل.
وفي السياق ذاته يتحتم على المؤسسات الإعلامية والثقافية إطلاق حملات تثقيفية تُبرز المخاطر الكامنة وراء الإنغماس في العالم الإفتراضي وتشجع على التوازن بين الحياة الواقعية والرقمية. ولا يقل عن ذلك أهمية وضع سياسات وطنية تُنظم استخدام التكنولوجيا لدى الفئات العمرية الأصغر بما يحميهم من التعرض المبكر لمخاطرها النفسية والإجتماعية.
ورغم المخاوف المتزايدة من سيطرة الهواتف الذكية ووسائل التواصل الإجتماعي على عقول الأجيال القادمة فإن دور الأسرة لن يُلغى بالكامل، بل سيتحوّل. فالتاريخ الإجتماعي يثبت أن الأسرة بوصفها الخلية الأولى للمجتمع قادرة على التكيّف مع المتغيرات، لكنها تحتاج إلى تجديد أدواتها وأساليبها في التربية. وإذا فشلت في ذلك فستترك فراغًا يملؤه الفضاء الرقمي وهو ما يجعل الأبناء أكثر عرضة للتأثر بثقافات عابرة للحدود قد تُضعف هويتهم الوطنية والقيمية.
ومن هنا، فإن بقاء الأسرة فاعلة يستوجب انتقالها من نموذج التلقين التقليدي إلى نموذج "التربية التشاركية"، حيث تشارك الأجيال الجديدة في بناء وعيها النقدي بدلاً من الإنصياع الأعمى لمؤثرات السوشيال ميديا.
إن معركة الحفاظ على التماسك الأسري في عصر السوشيال ميديا ليست معركة خاسرة، لكنها تحتاج إلى وعي جماعي وإرادة حقيقية. فإما أن نُحسن استخدام التكنولوجيا ونطوّعها لخدمة القيم والهوية، وإما أن نتركها تفرض واقعًا جديدًا يهدد الأجيال المقبلة. ولنا أن نتذكر أن مستقبل الأسرة هو مستقبل المجتمع ذاته وإذا ضاعت الأسرة ضاع كل شيء.
وختاماً ، أوضح أن الشبكات الإجتماعية سلاح ذو حدين يمكن أن تكون وسيلة للتقارب وتعزيز الروابط أو أداة للتفكك والعزلة. والفارق الحقيقي يصنعه الوعي الأسري والقدرة على إدارة هذا العالم الإفتراضي بذكاء وحكمة، فالحفاظ على دفء الأسرة في عصر التكنولوجيا هو التحدي الأكبر الذي سيحدد شكل مجتمع الغد.
|