اولا ،خصائص القوة الجديدة لصعود جيل زد
تعد التغييرات الديموغرافية من اهم محركات التغير في العلاقات الدولية ، وأصبح الشباب جزء مهم من تشكيل الهرم السكاني في الدول النامية بينما أصبح لهم جزء كبير من التأثير والنفوذ داخل الدول المتقدمة وخاصة في ظل تصاعد شيخوخة المجتمعات المتقدمة.مع تراجع معدل النمو ليصل الى 0,91 % عام 2024 بدلا من ان كان 2% في ستينيات القرن الماضي[1]
واصبح السلوك والقيم لدي المراهقين والشباب تتأثران بطبيعة الثورة الرقمية وتطبيقاتها المختلفة مثل الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي إلى جانب تصاعد دور الاقتصاد الرقمي في ايجاد طرق جديدة لتكوين الثروة والنفوذ تتجاوز الأطر التقليدية .واصبح يشكل جيل زد[2]اكبر مجموعه تمتلك خصائص متقاربة وتعيش في زمن واحد، والذين ولدا بعد عام 1997 وهو ما يزيد قليلا عن ربع سكان العالم وبما يمثل 26 % بما يعادل 2,47مليار نسمة من مجموع السكان البالغ 8 مليار نسمة[3]،ولا ينفصل ذلك عن علاقة ذلك الجيل مع فئة النشئ والذين يزيد أعمارهم عن 15 عاما و ما نسبته 38% من سكان العالم ، و يشكل من يتراوح أعمارهم ما بين 25 و 44 عاما ، 2.3 مليار شخص بما يمثل 29% من سكان العالم.
ويمتلك 98% من جميع أفراد جيل زد هاتفًا ذكيًا، ويقضي الفرد منهم أكثر من 8 ساعات عبر الإنترنت يوميًا، ويفضل 74% منهم قضاء أوقات فراغهم عبر الإنترنت. وتشير جوجل إلى أن 52% من المراهقين يستخدمون تطبيقات المراسلة لأكثر من ثلاث ساعات، ونحو 42% يقضون ثلاث ساعات أو أكثر في ممارسة الألعاب يوميًا. ويأتي ذلك مع التطور المستمر في قدرات الهواتف الذكية أو في عمل البطاريات. وساعدت سيطرة الصورة واختزالها للمعرفة على شعبية الشبكات الاجتماعية بين جيل زد، وخاصة منصات الصورة والفيديو القصير؛ حيث يستخدم منهم تيك توك 60% مع توافر المؤثرات الرقمية التي تجعله أكثر جذبًا للمتابعين. ويوجد في أوروبا والولايات المتحدة 285.9 مليون مستخدم لتيك توك، و60% من المستخدمين في الولايات المتحدة ممن تتراوح أعمارهم ما بين 16 – 24 عامًا.
وانعكست تلك البيئة الجديدة على حياة جيل زد وخصائصه واهتماماته وقيمه، وهو الذي استفاد من العولمة ومن الإنترنت كأحد مظاهرها، ومن ثم نجده ينجذب إلى قيم حرية التعبير وحقوق الإنسان ويهتم بالقضايا العالمية مثل تغير المناخ، ويتميز كذلك هذا الجيل بتقدير التنوع والاختلاف. وعلى الرغم من سيطرة الصورة على هذا الجيل مع دورها في اختزال ونشر المعرفة ومواجهة ضغوط الوقت، فقد جرفته نحو القيم المثالية وإلى البحث عن الكمال والجمال. ومن جهة أخرى يتميز هذا الجيل بوجود توجه براغماتي نحو البحث عن الفرصة والمال في ظل تنامي التحديات الاقتصادية التي يعيشون فيها مقارنة بغيرهم، ومن ثم فإنهم يبحثون عن الاستقرار المالي بشكل سريع. وقد دفع تصاعد دور الفرد والتقليعات الاجتماعية إلى زيادة الإحساس بالوحدة على الرغم من قدرتهم الكبيرة على الحشد والتجمع الرقمي، فكشفت دراسة أن 79% من جيل زد يشعرون بالوحدة، مقارنة بـ 71% من جيل الألفية و 50% من جيل الطفرة السكانية.
ولكن يرجع ذلك إلى الاختلافات الثقافية ما بين الشرق الذي يركز على التعاون الجمعي في مقابل سيطرة النزعة الفردية في الدول الغربية، ناهيك عن دور الدين المختلف ما بين الشرق والغرب. ورغم ذلك فقد عبرت العديد من الدراسات عن تفاؤل جيل زد بشأن حياتهم المهنية، فقد كشف أكثر من 80% من جيل زد في أوروبا أنهم لا يزالون متفائلين بشأن مساراتهم المهنية المستقبلية. ولدى جيل زد إحساس كبير بقدرتهم على التحكم وتوجيه مستقبلهم استنادًا إلى ما لديهم من فرص لبناء القدرات، ومن ثم التحرر من التحديات الإدارية أو البيروقراطية السامة. وعلى الرغم من إحساسهم بالوحدة إلا أن لديهم شغفًا متواصلاً نحو التفاعل الاجتماعي، والانتقال من التعبئة الرقمية إلى الواقعية، ومن الصراع إلى التعاون، ولديهم دوافع للتغيير الهيكلي داخل المنظمات الدولية بما يجعلها تلبي الطموحات والاحتياجات الجديدة، وكذلك مواكبة المتغيرات التي أحدثتها الثورة الرقمية والاتصالية.

التنوع العرقي بين جيل زد في الولايات المتحدة
ثانيا ،مؤشرات التفاعل في الحراك العالمي
كان جيل زد جزءًا من محركات حالة التضامن العالمي مع غزة، سواء عبر المشاركة الفعلية أو بتأثيرهم في الفئات الأكبر سنًا، خاصة داخل الأسرة، وتنوعت كذلك المشاركة الافتراضية عبر المجال السيبراني بإنتاج المحتوى ونقل المعلومات والأفكار، وإطلاق الهاشتاجات، واستخدام الصور والفيديوهات القصيرة، ونقل وجهات النظر، أو عبر مشاركة الوثائق والصور التاريخية عن الصراع. وأسهمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في سهولة صياغة المحتوى والترجمة الآلية للفيديوهات والنصوص بما يوسع من دائرة الانتشار والتأثير، أو بالتعبير والحشد للمظاهرات الاحتجاجية على العدوان الإسرائيلي على غزة، أو بالتعريف بالمأساة الإنسانية أو بالخطابات العنصرية من قبل أعضاء حكومة الحرب الإسرائيلية، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي.
وكان حصل وسم فلسطين حره , #freepalestine على 31 مليار منشور مقابل 590 لوسم للوقوف مع اسرائيل #standwithisrael وذلك مع وجود نصف عدد المستخدمين اقل من 30 عاما . وبلغ المحتوى المناصر للقضية الفلسطية 80% على منصة اكس ،وقفز تداول المنشورات التي تفيد بأن اليهود قتلوا يسوع بنسبة تزيد على 1000% على شبكة X (تويتر سابقًا) في الأسبوع الأول بعد مذبحة 7 أكتوبر - وفقًا لتقرير صادر عن منظمة "Cyber Well" التي تراقب التعبيرات المعادية للسامية على شبكات التواصل الاجتماعي . ويظهر التقرير أيضًا أن وسم "HitlerWasRight#"؛ "هتلر كان على حق"، ارتفع بنسبة 1600% بعد الحرب.[4]
وفي الفترة بين 7 و31 أكتوبر، تم اكتشاف ما يقرب من 13000 بوست بمثل هذا المحتوى، مقارنة بأقل من 7000 بين 11 سبتمبر و6 أكتوبر. وزيادة في عدد الدعوات للعنف الجسدي ضد اليهود والإسرائيليين، من نسب قليلة في الشهر السابق للحرب إلى مستوى 61%، وحدثت القفزة الأكثر دراماتيكية في عدد المحتوى المعادي للسامية بعد الحرب على فيسبوك، حيث كانت هناك زيادة بنسبة 193% في نسبة المحتوى الذي تم تعريفه على أنه معادٍ للسامية مع احتمالية عالية.
وكان في الفترة من 7- 27 اكتوبر ما يقرب من 4200 مظاهرة عالميا تتعلق بالصراع بين اسرائيل وغزة وانتشرت فيما يقارب من 100 دولة ، وهو ما يمثل 38 ? من جميع أحداث التظاهر المبلغ عنها على مستوى العالم. كان منها مؤيد للفلسطنيين 3700 بما يقارب 90% بينما كانت المظارهات المؤيدة لاسرائيل تصل الى 520 ، الدول التي شهدت أكبر عدد من المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين هي اليمن (486 مظاهرة) والولايات المتحدة (402) وتركيا (355) وإيران (275). في المقابل ، نظمت مظاهرات مؤيدة لإسرائيل في 45 دولة. الولايات المتحدة هي الدولة التي لديها أكبر عدد من المظاهرات المؤيدة لإسرائيل (182 مظاهرة) ، تليها ألمانيا (62) وفرنسا (21) وكندا (14).[5]
و شارك مليون أمريكي في الاحتجاجات منذ بدء الحرب بين حماس وإسرائيل في أكتوبر 7 وهو اكبر حشد في التاريخ الامريكي ، وعلى الرغم من تركز المظاهرات المؤيدة لاسرائل في الاسبوع الاول بعد هجمات حماس الا انها كانت اكثر حشدا واتساعا عاليا تلك التي تؤيد الفلسطينين .

عدد المظاهرات عالميا في الفترة من 7 -27 اكتوبر 2023[6]
ثالثا ، توجهات جيل زد نحو فلسطين
كشفت استطلاعات رأى مختلفة عن غلبة الاتجاهات الايجابية تجاه الفلسطينيين لدى جيل زد مقارنة بالأجيال التى تكبره أو التعبير عن الابتعاد عن ركائز السياسة الخارجية للدول الغربية. أو عن التوجه التقليدى للمواطن الأمريكى الذى لا يهتم كثيرا بقضايا السياسة الخارجية.وفي دراسة لمركز هارفرد للسياسيين الامريكين بالتعاون مع مؤسسة هاريس للرؤى والتحليلات[7] كشف الاستطلاع عن أن نسبة 51% من المشاركين يريدون إنهاء إسرائيل وإعطاء الأرض لحماس وللفلسطينيين، وذلك بين الفئة التي تتراوح أعمارهم بين 18 و 24، بينما تصل إلى 31% بين من تتراوح أعمارهم ما بين 25-34، ونسبة أقل من 32% من جيل زد يؤيدون حل الدولتين، بينما تصل نسبة الدعم 49% بين من تتراوح أعمارهم بين 25 و 34 عامًا. في حين يدعم 60% من الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و 54 عامًا حل الدولتين. وأعرب 17% فقط من جيل زد عن تأييدهم لخطة إجبار العرب على استيعاب الفلسطينيين للجدل، ووافق عليها 20% فقط من أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و 34 عامًا، و19% ممن تتراوح أعمارهم بين 25 و 45 عامًا. وعبر المراهقون والأصغر سنًا عن مواقفهم من الحرب، حيث اعتبر ما يصل إلى 60% ما تفعله إسرائيل في غزة إبادة جماعية، وأيد فقط 40% مزاعم إسرائيل بأنها تدافع عن النفس. وعبرت الفئة التي تتراوح أعمارهم بين 25 و 34 عامًا عن أن ما تقوم به إسرائيل هو إبادة جماعية بنسبة 56%، وشارك ذلك الرأي مع من تتراوح أعمارهم بين 35 و 44 عامًا بنسبة 45%.
بالإضافة إلى ذلك، يعتقد 76% من المستطلع آرائهم أنه يمكن التفاوض مع حماس من أجل إحلال السلام في المنطقة، ويتفق مع ذلك معظم الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا (52%) و35-44 عامًا (52%). وأعرب جلّهم عن دعمهم لإنهاء فوري للعدوان الإسرائيلي بنسبة 57%، في حين أظهرت الفئات العمرية الأخرى مزيدًا من الانقسام في الرأي. ففي حين طالب 49% من المستطلعين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا أن توقف إسرائيل الأعمال العدائية على الفور، عارض ذلك 51% منهم. وكذلك الحال فيما يتعلق بالفئة العمرية ما بين 35-44 عامًا حيث شهدت انقسامًا حادًا بنسبة 50/50. وأيّد أغلب المشاركين بنسبة 67% وقف غير مشروط لإطلاق النار، بينما اتجهت الفئات العمرية الأخرى نحو وقف إطلاق النار بعد إطلاق سراح الرهائن. واعتقد أكثر من 60% من المشاركين في الاستطلاع أن حماس تحظى بدعم غالبية الفلسطينيين في غزة، وعبر نحو 42% عن رغبتهم في أن تدير حركات المقاومة غزة بعد الحرب، بينما عارض ذلك 58% من الشباب. ولا يريد أغلبية المستطلع آرائهم أن تدير إسرائيل غزة، بينما دعم فقط 36% من الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا تلك الخطة، وعبر 41% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا عن رغبتهم بأن تدير غزة السلطة الفلسطينية. ومن جهة أخرى، حمّل 51% المشاركون إسرائيل مسؤولية الأزمة الإنسانية. وقال أكثر من 70% من الشباب إن 7 أكتوبر كان هجومًا إرهابيًا، لكن 60% اعتقدوا أيضًا أن الهجوم يمكن تبريره بمظالم الفلسطينيين.
وفي استطلاع اخر قامت به مجلة الايكونميست بالتعاون مع YouGovولم تتناول الدراسة مشاركة الجيل زد وجيل الألفية .كشف عن تنامي اتجاه معادي لإسرائيل بين الأجيال الأكبر سنا ، ولكنها لم تتحول الى الاغلبية ، واظهر الاستطلاع ان الأجيال الشابة توافق على القول "إسرائيل دولة أبارتهايد" بين الفئة العمرية التي تتراوح ما بين 18-29 عاما بنسبة 32% ؛ بينما توافق الفئة العمرية التي تتراوح ما بين 45-64 بنسبة 14% فقط ، بينما توافق الفئة العمرية ما بين 18 – 29 على أن "إسرائيل تحاول عمدا القضاء على السكان الفلسطينيين" بنسبة 40% ، بينما تصل في الفئة العمرية 45-64 الى نسبة 21% .[8]
وفي دراسة استطلاعية اخرى لشبكة NBC الاخبارية كشفت عن موافقة 41% من الفئة العمرية التي تتراوح ما بين 18 – 34 عاما على أن "إسرائيل ذهبت بعيدا جدا وأن ردها لم يكن مبررا" ، بينما قال 31% إن هناك مبرر لقيام إسرائيل برد فعلها ، وكانت لدى 26% منهم وجهة نظر إيجابية عن إسرائيل ،في مقابل 37% لديهم نظرة سلبية.[9]
ومن جهة اخرى اجرت ميرست ومؤسسة PBS استطلاع في الفترة من 6-9 نوفمبر 2023 كشف ان هناك 6 من 10 امرييكن يتعاطفون مع اسرائيل مقارنة 3 من كل 10 متعاطفين مع الفلسطيين ، وقال 38% من البالغين الامريكيين ان رد إسرائيل العسكري على حماس كان "أكثر من اللازم" — بزيادة قدرها 12 % منذ أكتوبر 2023. [10]
وكشف استطلاع اخر للراي لجريدة ديلي ميل ان واحد من بين عشرة من جيل زد وجيل الالفية يحملون توجهات ايجابية تجاه مقاتلي حركة حماس في الفئة العمرية ما بين 18 الي 29 عاما. [11]وكشف ان 48% من جيل زد وجيل الألفية يرون ان الرد العسكري الاسرائيلي كان أكثر من اللازم.وكشفت دراسة مركز «بيو» ان 46% من دون 30 عاما لا يوافقون على سياسة بايدن تجاه الصراع،بينما كانت أقل سلبية فى الفئات العمرية الأكبر. [12]

تطلعات جيل زد وجيل الالفية في الولايات المتحدة

الاقل من 30 عاما الاكثر معارضة لسياسة الرئيس بايدن تجاه الحرب بين اسرائيل وغزة
رابعا ،الحرب على غزة ودوافع توجهات جيل زد
وتعد حرب إسرائيل وغزة أول حرب حقيقية يتابعها جيل زد، حيث إنهم لم يشهدوا حربًا بتلك الكثافة النارية والتدميرية سوى في الأفلام والألعاب الإلكترونية، ومن ثم كان هناك نوع من الصدمة أربك أحلام هذا الجيل وهدد فرص السلام العالمي كما يَتَقُون. وكشفت أنماط التفاعلات عبر المنصات الرقمية عن حجم وطبيعة التغير الذي حدث للمراهقين والشباب في الفكر والإدراك والصور الذهنية، وخاصة داخل الكتلة المساندة تقليديًا لإسرائيل والتي باتت تشهد ليس فقط انقسامًا بل بغلبة الاتجاهات الإيجابية تجاه الفلسطينيين، وخاصة أن مجتمع المؤيدين لم يكونوا فقط من المسلمين أو السود، بل كانوا من مختلف العرقيات، وشاركت كذلك اليهود في التظاهرات المؤيدة لفلسطين والمطالبة بوقف إطلاق النار، حيث شاركت مجموعة في عمر 18 عامًا تحت شعار "ليس باسمنا".
وشكلت تلك التوجهات الجديدة لدى جيل زد صدمة لدى الأوساط الغربية واللوبي اليهودي النافذ، والتي تراجع جزء كبير منها مع تصاعد الضغط الشعبي، وفشل إسرائيل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة، وحالة التغطية المباشرة لمجريات الإبادة في قطاع غزة. وشهد الغرب أكبر المظاهرات المساندة للفلسطينيين، ويرجع ذلك الحراك لتميز جيل زد بأنه ترعرع في ظل الثورة الرقمية وشكلته ثقافيًّا وإنسانيًّا ومكنته من تحطيم الصور الذهنية النمطية ومشاركتها بين الأجيال الأكبر سنًّا، والتحرر من سيطرة جماعات الضغط والأيديولوجيا على وسائل الإعلام الغربية.
وتحول جيل زد إلى مواطن رقمي يمتلك رؤية نقدية مختلفة للعالم، من منطلق أنه هو الأكثر اتصالًا به مقارنة بالأجيال السابقة، والتي ترتكز على التعددية والإنسانية ومناهضة الإمبريالية ودعم حركات التحرر، ومكافحة التطرف والعنصرية، والتفريق بين الصهيونية كحركة سياسية وبين معاداة السامية.
وعلى الرغم من النظر لدى الكثيرين إلى جيل الألفية على أنه أقوى فئة عمرية، فقد بدأ جيل زد في الانتقال إلى دائرة الضوء، فقد كشف عدد كبير من استطلاعات الرأي عن امتلاكه رؤية مختلفة سواء عن الجيل الذي يكبره أو عن السياسة الخارجية للدول الغربية. وتم استخدام المنصات الرقمية للتعبير عن موقفهم وآرائهم. وفي الواقع إن هذا التغير الجيلي المرتبط بتغير توجهات وآراء وطموحات جديدة تعبر عن حالة عالمية، إلا أن خصوصية الحالة الغربية تجذب المزيد من المراقبة والتحليل لطبيعة تلك الظاهرة الجديدة، وماهية الدوافع للتغير التي تجعلهم أكثر تأييدًا لفلسطين مقابل تراجع التأييد لإسرائيل مقارنة بالجيل الأكبر، أو بثوابت السياسة الغربية. وشكلت تلك التوجهات الجديدة لدى جيل زد صدمة لدى الأوساط الغربية سواء من قبل اللوبي اليهودي النافذ في الغرب أو من قبل دول أوروبية أو الولايات المتحدة، وهو ما انعكس تارة في ممارسات قمعية أمنية ضد المتظاهرين أو في ممارسة الضغط على المنصات الرقمية للحد من انتشار المحتوى المناصر للقضية الفلسطينية، أو بتشديد الرقابة داخل الجامعات والمدارس الغربية تجاه حرية التعبير وممارسة الأنشطة، وهو الأمر الذي يعكس وجود فجوة سياسية بين الحكومات والشعوب وفجوة أخرى جيلية بين رؤية الأصغر سنًا مقارنة بالأجيال الأكبر. وأدت السياسات القمعية لحرية الرأي إلى تنامي قوة الرفض، وخاصة مع امتلاك جيل زد قدرات على التعامل مع التقنية وفي المناورة والصمود والإصرار على البحث عن الذات والتعبير عن الروح الإنسانية، وامتلاكه لرؤية نقدية تحليلية للأفكار والحوادث والأشخاص، وفي ظل بيئة رقمية تميزت بتجاوز التحالفات الإعلامية التقليدية بين صناعة الرأي ورجال المال والأعمال، وما بين الهيمنة الغربية على الإعلام الدولي وصعود شبكات التواصل الاجتماعي، وظهور منصات أخرى غير غربية ساهمت في نمو اتجاه تعددية الشبكات الاجتماعية مثل تيك توك وتليجرام وغيرها التي نجحت في اختراق الداخل الأمريكي.
وتميز جيل الألفية وجيل زد خاصة بقدرتهم على التأثير لما أصبحوا يمتلكونه من مصادر متجددة للمعرفة ومن مهارات توظيف تقنيات التعبير عن الرأي عبر المنصات الرقمية، ومن ثم كان لهم تأثير في نقل المعلومات ورواية باقي القصة وتحطيم الصور النمطية ومشاركتها داخل الأجيال الأكبر سناً، والتحرر من سيطرة المال والأيديولوجيا وجماعات الضغط على وسائل الإعلام الغربية. ونتيجة لصعود دور الإبداع والابتكار في العصر الرقمي، لدى هذا الجيل إيمان كبير بهمّتهم في مواجهة المشكلات وامتلاك المبادرة والفضول أكثر من الأجيال الأخرى، وارتباط ذلك من جهة أخرى بحالة التغير في الوظائف والمهارات في ظل الذكاء الاصطناعي.
وترادف تفوق جيل زد في مهارات التعامل مع التقنية مع قدرتهم كذلك في توظيفها للتعبير عن أنفسهم أو موقفهم من القضايا الجديدة التي يشعرون بأنها ستؤثر في واقعهم ومستقبلهم، والتي لم تنحصر بالبعد المحلي لها بل كذلك ببعدها العالمي، ومن ثم فهم مواطنون رقميون عالميون. وهو الأمر الذي انعكس على امتلاك هذا الجيل رؤية مختلفة للعالم بما كونه الأكثر اتصالاً به مقارنة بالأجيال السابقة، ولديهم رؤية للتغير منفتحة على التجارب ووجهات النظر المختلفة، وخاصة في ظل تنامي المخاطر العابرة للحدود مثل أزمة جائحة كوفيد 19. وشكلت تلك الخصائص لجيل زد بوابة لتفسير تنامي التعبير عن الرفض غير المسبوق للسياسات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
وعلى الرغم من رؤية الأكبر سناً لتطبيق تيك توك نظرة سلبية، إلا أنه تحول إلى أداة لتشكيل رؤية جيل زد عن العالم، والذي حوّل المراهقين إلى خبراء في تاريخ وسياسة الشرق الأوسط، بل وربما كذلك خبراء في مجال السلام والأمن. وذلك على الرغم من أن خبرات السياسة الأمريكية تكشف بأن المواطنين الأمريكيين لا يهتمون كثيراً بقضايا السياسة الخارجية. وبدأت تظهر اتجاهات مناهضة للإمبريالية ودعم حركات التحرر ومكافحة التطرف والعنصرية، وتوظيف حركة السود مهمة في الصراع بين إسرائيل وغزة.
وتعكس مشاركة تيك توك تعبيراً عن المشاعر والتوجهات العالمية، وليست بالضرورة الوطنية، تجاه قضية الصراع، والتي لديها أكثر من مليار مشترك نشط شهرياً، وتقع غالبيتهم في دول أكثر دعماً لفلسطين. ودفع تصاعد تأثير تطبيق تيك توك إلى مطالبة بعض السياسيين الأمريكيين بحظره باعتباره يهدد الأمن القومي، ووُجِّهت اتهامات بوقوع ذلك الجيل تحت تأثيرات تطبيق التيك توك "الصيني"، وظهرت محاولة إضفاء الأبعاد الأمنية على الأبعاد السياسية.
خامسا ،مخاض تغيير مستقبل الحوكمة العالمية
على مدار التاريخ لعبت الحركات الطلابية دوراً في مكافحة الاستعمار وإسقاط دول الفصل العنصري كما حدث في جنوب إفريقيا، ولكنها أصبحت الآن تمتلك قوة إضافية في العصر الرقمي تمكنها من إحداث تغيير في مستقبل السياسة الدولية، وذلك في إطار تأثير التغيرات الجيلية على إحداث تغيير ثقافي سيؤثر على عملية صنع القرار وكيفية عمل المنظمات الدولية المعنية بحفظ الأمن والسلم الدوليين. وخاصة أن هناك ثمة وعياً عالمياً يتصاعد بوحدة المصير المشترك والتحالف من أجل مواجهة التحديات التقليدية وغير التقليدية التي تهدد المجتمع الإنساني، وخاصة مع بروز دور منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام العالمي.
وما يحرك ذلك حالة الإحباط والرغبة في مواجهة الفجوات الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية بين شمال وجنوب العالم، وعدم كفاءة المؤسسات الدولية في معالجة قضايا الأمن والسلم وعجز الأطر القانونية الدولية في التطبيق لصالح عسكرة العلاقات الدولية، وهو ما يجعل هناك اتجاهاً متصاعداً نحو تغيير قواعد اللعبة لتصبح أكثر عدلاً وإنصافاً وتعبيرًا عن حجم التغييرات الهيكلية والثقافية في النظام الدولي، وهو الأمر الذي يفرض أن تأخذ قمة المستقبل للأمم المتحدة، والتي ستُعقد هذا العام، في اعتبارها تطلعات الجيل الجديد نحو غدٍ أفضل. وأصبحت التطورات تتجاوز بسرعتها ودرجة تعقيدها ما لدينا من نُظُم للتعاون والتكيف. وهناك ثمة تفاوت وفجوة كبيرة بين توزيع المنافع وفرص التقدم لصالح قلة من الدول، وهناك تفاوت كذلك تبعاً للتعرض للمخاطر والتهديدات، وأصبحت الفئات الأضعف هي الأكثر تضرراً.
وتعهدت الجمعية العامة في القرار 77/568 بالموافقة على إعتماد إعلان حول الأجيال القادمة،[13] الذي سيكون، في حال الموافقة عليه، واحدًا من نتائج قمة المستقبل المقرر عقدها في 22-23 سبتمبر 2024 في نيويورك،[14] وسيكون مرفقًا بميثاق المستقبل ،وكانت قد تمت مشاورات غير رسمية افتراضية مع أصحاب المصلحة في 15 و 16 يناير 2024، استعدادًا للمفاوضات الحكومية المقررة في الربع الثاني من عام 2024. وعُقدت مشاورات منفصلة مع الشباب وكالات الأمم المتحدة والصناديق والبرامج؛ منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات البحثية، والأكاديمية؛ والقطاع الخاص.[15]
والتي كان من ابرز مبادرتها حملة الامم المتحدة التي نريد ،والتي تعكس رؤية الشباب في مستقبل الامم المتحدة[16] ، الى جانب مشاركة الشباب في مناقشة التحديات الجديدة للامن العالمي ، وسبل تطوير آليات الحوكمة العالمية ،وستحاول القمة الوصول الى توافق دولي جديد حول اصلاح الحوكمة العالمية وجعلها اكثر قدرة على مواجهة التحديات الحالية والمستقلبية ، وبما يتضمن اعادة النظر في ميثاق الأمم المتحدة [17]والإعلان العالمي لحقوق الإنسان[18]، وخطة التنمية المستدامة 2030[19]، واتفاقية باريس[20]، وخطة عمل أديس أبابا [21]وغيرها من الاطر الدولية .والتوصل الى اعتماد دولي لوثيقة "ميثاق من أجل المستقبل".Pact for the Future. والذي سيتم التفاوض علية خلال انعقاد القمة
وجاء عقد قمة المستقبل كمبادرة من الامين العام للامم المتحدة وكتوصية صادرة عن تقرير الاجندة المشتركة [22]الذي تم اعتمادة من الجمعية العامة للامم المتحدة [23]، وتمت الموافقة عليه من الدول الاعضاء [24] ، ويتضمن التقرير اهمية تجديد الثقة والتضامن على جميع المستويات بين الشعوب والبلدان والأجيال. وأوصى التقرير أيضا بتجديد النظام المتعدد الاطراف الأطراف،
وإعادة التفكير في نظام الحوكمة العالمي على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك من أجل جعلها أكثر عدلاً وفعالية وفي إطار إعادة تأكيد ميثاق الأمم المتحدة، وتعزيز تنفيذ الالتزامات الدولية الموجودة بالفعل، والاتفاق على حلول للتحديات الجديدة، واستعادة الثقة. وخاصة أن الشباب هم الفئة الأكثر معاناة وتطلعًا في مواجهة التحديات المختلفة مثل الصراعات المسلحة والحروب الأهلية وتغير المناخ والبطالة والهجرة غير الشرعية، ومواجهة الفجوة الرقمية واستخدام الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المستدامة والخضراء، وتزويد الكفاءات والبنية التحتية، وتعزيز الثقافة التكنولوجية، والأمن الغذائي، وأسلحة الدمار الشامل، والأوبئة والأزمات الصحية، والمخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا الجديدة.25
وهو ما يتطلب استجابة محلية وإقليمية وعالمية تهدف إلى الوصول إلى حلول مبتكرة، وهو أمر يتطلب العمل على أهمية إصلاح منظومة الحوكمة العالمية وتمكين الشباب وتنمية المهارات الرقمية في ظل تصاعد الذكاء الاصطناعي، وتشجيع المشروعات الناشئة، وتعزيز آليات الحوار بين الجيل الجديد من الشباب والمؤسسات الدولية المعنية بالأمن والسلم الدولي، ومن أجل تعزيز أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030. وذلك في ظل تحول دور المنصات الرقمية إلى دور مؤثر في قيم وسلوك المراهقين والشباب في العصر الرقمي بما يحمل معه فرصًا وتحديات يمكن أن تساهم في مستقبلهم وطرق تعامل المنظمات المعنية بهم من جهة والمعنية بالأمن والسلم الدوليين من جهة أخرى مع نمو اتجاه سلبي فيما بينهم تجاهها، وهو أمر يحتاج إلى بناء الثقة وإلى إعادة النظر في الحوكمة العالمية لتأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجيلية ودورها في إحداث ضغوط نحو التحول والانتقال إلى بناء نظام حوكمي مستدام وعادل.26

نمو السكان في العالم سيتركز في فئات المراهقين والبالغين [1]
[1]https://www.census.gov/library/stories/2023/11/
world-population-estimated-eight-billion.html

سيكون نمو السكان المستقبلي متزامنًا مع شيخوخة السكان.
*خبير بوحدة العلاقات الدولية ومدير برنامج دراسات المجتمع الرقمي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.
** اعتمدت الدراسة علي مقال الكاتب المنشور بجريدة الاهرام بتاريخ 20 فبراير 2024
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/932749.aspx
References
[1]Current World Population,2024.https://www.worldometers.info/world-population/
[2]هناك العديد من المسميات الاخرى مثل Post-Millennials, iGeneration, Plurals, GenZers (or Gen Zers)
[3]Global Population Estimates Vary but Trends Are Clear: Population Growth Is Slowing,census.gov ,November 09, 2023https://www.census.gov/library/stories/2023/11/world-population-estimated-eight-billion.html
[4]https://cyberwell.org/
[5] Derek Lief, Mora Deitch, AlonBerkman, Jesse R. Weinberg ,New Figures Reveal: The Number of Demonstrations Against Israel has Soared, The Institute for National Security Studies , 09/11/2023
https://www.inss.org.il/social_media/new-figures-reveal-the-number-of-demonstrations-against-israel-has-soared/
[13] https://www.un.org/en/summit-of-the-future/declaration-on-future-generations
[14]https://www.un.org/en/summit-of-the-future
[15] https://www.un.org/sites/un2.un.org/files/sof-dfg-stakeholder-consultations.pdf
[16]https://c4unwn.org/youth-futures/
[17]https://www.un.org/en/about-us/un-charter
[18]https://www.un.org/en/about-us/universal-declaration-of-human-rights
[19]https://www.un.org/sustainabledevelopment/development-agenda/
[20]https://unfccc.int/process-and-meetings/the-paris-agreement
[21]https://undocs.org/en/A/RES/69/313
[22]https://www.un.org/en/content/common-agenda-report/
[23]https://www.un.org/sg/en
[24]https://www.un.org/en/about-us/member-states
[25]
https://www.census.gov/library/stories/2023/11/world-population-estimated-eight-billion.html
26 -عادل عبد الصادق ، تقرير حول رؤي الجنوب العالمي حول إصلاح الحوكمة العالمية، مؤسسة الحوكمة العالمية والاستدامة في بروكسيل -بلجيكا، 2023
https://www.foggs.org/wp-content/uploads/2023/09/FOGGS-and-HumanizaCom_Global-South-Perspectives-Report_September-2023.pdf
|