الخوارزميات لن تستطيع القضاء على الوظائف المصرفية

04-08-2022 01:28 PM - عدد القراءات : 200
كتب بقلم: Shuli Ren المصدر: بلومبرغ - مقال رأي
تتعرض الوظائف الجيدة في قطاع الخدمات المصرفية الاستثمارية للاختفاء مع استبدال الكثير منها بالآلات وخوارزميات الكمبيوتر. باتت عمليات تداول الأسهم كلها تقريباً تتم بشكل إلكتروني، كما أنَّ سندات الشركات ذات العائد المرتفع، والتي تمثل جانباً غير واضح في السوق، أصبح يتم وضع طلبات العملاء الأثرياء عليها بشكل آلي. لقد وصلت نسبة إجراء المعاملات إلكترونياً في الولايات المتحدة إلى 37% مقارنة بإتمام 21% منها فقط إلكترونياً مطلع عام 2019.
الخوارزميات لن تستطيع القضاء على الوظائف المصرفية

شهد العام الجاري أيضاً سعياً حثيثاً من الصين لخلق فرص عمل؛ فقد طبّقت بكين إجراءات صارمة ضد كبريات شركات التكنولوجيا، ومنعت الشركات الناشئة التي تتخطى قيمتها مليار دولار "يونيكورن" من إدراج أسهمها في نيويورك، مما يسد الطريق أمام العديد من الوظائف، إلى جانب قطع الصلة التي استمرت لسنوات، عمل خلالها آلاف من الموظفين في هونغ كونغ التي باتت جسراً بين البلدين، وربطت الشركات الناشئة الصينية بالمدخرين الأمريكيين.

لكن الخسارة، لم تشمل كل شيء! فما تزال هناك ملاذات أخيرة تتيح وظائف مالية آمنة بعيداً عن الآلات واستبدادها.

سندات الأسواق الناشئة
أتحدث هنا عن السندات المقومة بالدولار التي تبيعها الشركات في الأسواق الناشئة -وخصوصاً الصين، فقد أثبتت قدرتها على الصمود بشكل مدهش في مواجهة قوى التغيير. لقد تضخمت الإصدارات الصينية خلال 5 سنوات فقط ليصل إجمالي السندات المستحقة إلى نحو 126 مليار دولار بعائد 7% على الأقل –وسط عالم تقترب فيه معدلاته الفائدة القياسية من الصفر، مما يدفع بمديري الأصول العالميين للمشاركة، ومن بينهم "بلاك روك"، ومجموعة "أشمور"، وكذلك عملاء الخدمات المصرفية الخاصة للأثرياء في "إتش إس بي سي"، و"يو بي إس غروب"، وصناديق التحوط الائتماني.

و مع بدء تزايد حالات التخلف عن السداد، وصعوبة الحصول على تحليل ائتماني يومي لمطوّري العقارات في الصين؛ أصبحت هناك فرصة للمساهمة في إعادة هيكلة الديون المتعثرة.

ساهمت الآلات في تحسين الأداء. لكنَّ سندات الشركات أكثر تعقيداً من الأسهم، وحتى المتداولين الأكثر خبرة لا يمكنهم اتباع كل منحنيات العائد. فعلى سبيل المثال؛ لدى مجموعة "تشاينا إيفرغراند" سهم واحد مدرج في هونغ كونغ، في حين لديها 13 من السندات المدرجة المقوّمة بالدولار (وأخرى بعملة هونغ كونغ المربوطة بالدولار) -مع آجال استحقاق تتراوح من 2022 إلى 2025- ومن وحدتين مصدرتين تحملان درجات ضمان متباينة. قد تكون خوارزميات الكمبيوتر التي تقارن عوائد السندات ورصد الفروق مفيدة للغاية.

لا غنى عن المتداول الجيد
لذلك، لا غنى هنا عن المتداول الجيد صاحب الرأي السديد. ربما تتزايد الشائعات، ويتحول ما يبدو جيداً على الورق إلى عديم الفائدة. لذلك؛ فإنّ من لديهم شبكات واسعة من العلاقات داخل البنوك التجارية والشركات العقارية، قد تكون لهم قيمة خاصة تساوي الملايين.

مثال على ذلك، طلب المطور العقاري "مودرن لاند تشاينا" (Modern Land China Co.)، ومقرها بكين، من المستثمرين في منتصف أكتوبر تمديد سداد سندات بقيمة 250 مليون دولار مستحقة في الخامس والعشرين من أكتوبر لمدة 3 أشهر. نظرياً، يبدو العرض جيداً، فقد وعدت الشركة بإعادة شراء 35% من السندات في تاريخ الاستحقاق الأصلي، وقالت، إنَّ المساهمين المسيطرين سيقرضون الشركة نحو 124 مليون دولار. ومع تزايد التعليقات سحبت الشركة العرض بعد أسبوع وتعثرت. هل يمكن أن يتوقَّع الكمبيوتر النية المخفية للتغيير؟


كما يمكن أخذ العبرة من "إيفرغراند"، إذ لم تتخلف الشركة عن سداد سنداتها الخاصة، لكنَّها تخلفت عن سداد سندات مضمونة لمشروع مشترك تمتلك حصصاً فيه. وكما شهدنا خلال العام الجاري؛ فالألغام الأرضية الكبيرة كانت من نصيب السندات الخاصة أو القروض الخاصة التي لا تتوفر بشأنها وثائق إقراض معلنة للجميع. وفي هذا العالم الغامض، تعتبر مهارات الاستكشاف لدى البشر أكثر قيمة بكثير من قوة الحوسبة.

شفرات التواصل الاجتماعي
هناك حاجة إلى فك الشفرات على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً أنّ عالم المدونات المالي الصيني نشط، وغالباً ما يتضمن معلومات سريعة ومباشرة لحسابات من دون أسماء خوفاً من الرقابة. فعلى سبيل المثال، كان أحد المدونين الذين تتم متابعتهم على نطاق واسع، والذي يمكن ترجمة اسمه المستعار بشكل فضفاض على أنَّه "شقيق البطيخ"، قد أشار إلى شركة "تشاينا هوارونغ لإدارة الأصول" (China Huarong Asset Management) على أنَّ لها "حواجب كثيفة وعيوناً كبيرة" -يُفهم من ذلك أنَّ لها سمات بارزة للوجه، في إشارة إلى أنَّ آخر عملية إعادة هيكلة للشركة كانت مملوكة في الأغلب لـ"وزارة المالية". كما أشار إلى مجموعة "بينغ أن إنشورنس غروب" (Ping An Insurance Group) على أنَّها "المصنع البرتقالي"، ربما لأنَّ شعار الشركة يحمل هذا اللون. وغالباً ما تكون منشورات المدون المنقطة بـ(xxx) غامضة، لدرجة تتطلب مني أن أستعين بأذكى مصادري لكي يفسرها لي.

الاقتراض من الخارج
برغم ضغوط السيولة الكبيرة التي يتعرض لها المطورون العقاريون، لم يكن لدى بكين مصلحة في القضاء على سوق السندات الخارجية المقوّمة بالدولار. فما تزال هناك مئات من آليات التمويل لصالح الحكومات المحلية التي تقترض من السوق ذاتها، والتي تعمل بشكل مشابه للمطورين، ولديها موارد مالية أسوأ بكثير. على سبيل المثال، تقوم مجموعة " تشونغتشينغ نانان للإنشاء والتنمية الحضرية" (Chongqing Nan’an Urban Construction & Development Group) بتنفيذ مشاريع التجديد الحضري في عاصمة الغرب عكس ما تفعله مجموعة "كايسا غروب هولدينغز" (Kaisa Group Holdings) حول قاعدتها الرئيسية في شنزن.

سيدفع العائد المرتفع الذي لا يمكن تجاهله المستثمرين إلى العودة، ولن يخرجوا من تلك السوق التي تشهد تراجعاً.

تحدد خوارزميات الكمبيوتر الاتجاهات، وتبحث عن القيم القصوى التي لا بدَّ لها من التقارب مجدداً. ولكن من مميزات الاستثمار في الصين أنَّها سوق ناشئة تحاول معرفة ما تريد أن تكون عليه -لذلك لا يوجد اتجاه في حدِّ ذاته. سيكون الاستثمار في الديون المتعثرة عملاً شاقاً، و سيشهد تسريبات وحسرة وتراجعات، وهذا هو سبب كونه آخر ملاذ آمن، إذ لا يمكن لأجهزة الكمبيوتر أن تحل محل البشر.



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>