من أين نبدأ حقبة ما بعد الليبرالية الجديدة؟

14-05-2022 04:14 AM - عدد القراءات : 86
كتب رنا فورهار من نيويورك FINANCIAL TIMES
يبدو نظام التجارة العالمي في هذه الأيام كأنه برنامج فاشل من 12 خطوة. الخطوة الأولى لإصلاح ذلك هي الاعتراف بوجود مشكلة. لسوء الحظ، يبدو أن قليلين من أصحاب المصلحة على استعداد للاعتراف بذلك. الاستثناء النادر هو الممثلة التجارية الأمريكية، كاترين تاي، التي دعت قبل أيام قليلة فقط، إلى وضع حد للعمى المتعمد عن أوجه القصور في نموذج التجارة العالمية الحالي. قالت في مؤتمر للابتكار في ميونيخ، "لا يمكننا العودة إلى العالم في 2015 والتظاهر بأن هذه الأشياء لم تحدث".
من أين نبدأ حقبة ما بعد الليبرالية الجديدة؟

كانت تشير إلى ردود الفعل الشعبوية - بما في ذلك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة في 2016 - على الوضع الراهن للعولمة وتحرير التجارة. لكن كان في ذهنها أيضا قضايا مرونة سلسلة التوريد والقيم السياسية المختلفة التي أثبتها كل من الوباء والحرب في أوكرانيا.
قالت تاي، "أعتقد أن عددا من الأشياء قد حدث، وهذا يجعلني أتساءل عما إذا كانت هذه الرؤية للعولمة التي تقودنا إلى عالم أفضل وأكثر أمانا قد استكملت مسارها، وإذا لم نكن بحاجة إلى تصحيح المسار للتحرك إلى الأمام".
لنكن واضحين، لا أنا ولا إدارة بايدن بشكل عام نبعث بفكرة "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى". في الواقع، بايدن وصف أنصار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" الأسبوع الماضي بأنهم أخطر فصيل سياسي في الولايات المتحدة، ردا على نص تم تسريبه للمحكمة العليا بشأن حقوق الإجهاض.
لكن الولايات المتحدة تقول علانية ما يعتقده السياسيون والعامة في كثير من الدول بصمت: منظمة التجارة العالمية محطمة. تحرير التجارة العالمية من أجل تحرير التجارة العالمية بلغ مداه. يجب أن يكون هناك توازن جديد بين التجارة الدولية والسياسة المحلية.
إذا نظرت إلى ما هو أبعد من الخطاب، فإن هذه الحقيقة هي جوهر كل قصة تداول كبيرة تقريبا في الوقت الحالي. ضع في الحسبان أنه بعد أكثر من عامين من بداية الوباء، وبعد عام من إعلان البيت الأبيض دعمه لما يسمى "تريبس"، التنازل عن حقوق الملكية الفكرية الخاصة بلقاحات كوفيد- 19، لا يزال العالم ينتظر نصا متفقا عليه، فضلا عن الموارد التي من شأنها أن تسمح للدول الفقيرة بالبدء في الالتفاف حول حواجز الملكية الفكرية لإنتاج لقاحات خاصة بها.
بعض هذا يتعلق بممارسة الضغط الصيدلاني على جانبي المحيط الأطلسي، وبعضها يتعلق بالمصالح الدولية المختلطة المرتبطة بالملكية الفكرية. تحاول أمانة منظمة التجارة العالمية المضي قدما في اتفاق "يعتقد بعضهم أنه لن يحدث فرقا" قبل المؤتمر الوزاري الـ12 المقرر عقده في حزيران (يونيو). لكن الفيروس - والسياسة - يتحركان بسرعة كبيرة. حتى إذا كانت منظمة التجارة العالمية قادرة على ترتيب اتفاقية ذات مغزى بشأن التنازل، فمن المحتمل أن يكون الفيروس نفسه قد تحور قبل أن يتمكن العالم من تلقي لقاحات محدثة.
كل ذلك يؤكد الحاجة إلى طريقة أحدث وأفضل وأسرع لحل النزاعات التجارية - فكل بلد يريد إصلاح منظمة التجارة العالمية، لكن بالطبع في قضايا مختلفة - ولا سيما فيما يتعلق بالملكية الفكرية، حيث توجد الأغلبية العظمى من الثروة العالمية.
بعض القضايا الأكثر إثارة للجدل عبر الأطلسي تتعلق بالتجارة الرقمية وحماية البيانات وبراءات الاختراع وأنواع أخرى من حقوق الملكية الفكرية كان من المفترض أن تتم تسويتها من قبل مجلس التجارة والتكنولوجيا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ـ سيجتمع في باريس في غضون أسبوع. بالنظر إلى أن كلا من الولايات المتحدة وأوروبا لديها خيول كبيرة، لكن مختلفة، في السباق نحو إنترنت الأشياء "منصات التكنولوجيا الأمريكية مقابل الشركات الصناعية الأوروبية"، كان من المفترض أن يكون مجلس التجارة والتكنولوجيا مكانا للبدء في معرفة من يحصل على أي جزء من شطيرة الثروة الرقمية في المستقبل.
لكن النطاق الترددي الخاص بمجلس التجارة والتكنولوجيا مكرس الآن لتداعيات الحرب في أوكرانيا وما ينبغي للولايات المتحدة وأوروبا فعله لإيجاد مزيد من المرونة في سلاسل الطاقة والإمداد.
يمكننا أن نتوقع أن يدور كثير من النقاشات حول العقوبات الإضافية أو ضوابط التصدير التي يجب فرضها على روسيا، إلى جانب كيفية فصل سلاسل التوريد المهمة عن المنطقة "الملتهبة"، وكيفية المضي قدما في إنتاج الطاقة البديلة. سيتم تصنيف الخطط الخاصة بمستقبلنا الرقمي من خلال تدابير الطوارئ المتعلقة بالحرب الحالية.
في هذه الأثناء، داخل الولايات المتحدة، هناك جدل مستمر حول دمج "قانون التنافس" المطروح في مجلس النواب و"قانون المنافسة والابتكار" في مجلس الشيوخ، وكلاهما يهدف إلى معالجة المرونة داخل المشاعات الصناعية في أعقاب الوباء. بغض النظر عن دعم أشباه الموصلات، فإن مشروع قانون مجلس الشيوخ يعد عملا ليبراليا جديدا، كالمعتاد. من ناحية أخرى، يؤكد مجلس النواب على إعادة بناء التصنيع المحلي، فضلا عن التركيز بشكل أكبر على معايير البيئة والعمل.
يأتي كل هذا في وقت يتعرض فيه البيت الأبيض لضغوط لإعادة التفكير في التعرفات الجمركية التي كانت مفروضة على الصين خلال عهد ترمب.
سيكون من الجيد أن تتحول كل الخلافات ببساطة إلى جهة أعلى. لكن هذه هي المشكلة - لا توجد جهة أعلى "بما في ذلك منظمة التجارة العالمية" أثبتت أنها قادرة على إدارة انهيار نموذج التجارة العالمية.
في الواقع، ما زلنا نكافح من أجل الخطوة الأولى، الاعتراف بالمشكلة. كما تقول تاي، فإن النسخة الجديدة من العولمة "يجب أن تأخذ في الحسبان أكثر من مجرد الكفاءة" وألا تشجع التدفق الحر لرأس المال وتحرير التجارة باعتبارهما غاية في حد ذاتهما.
تكمن المشكلة في كيف وأين نناقش شكل حقبة ما بعد الليبرالية الجديدة.
 

 



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>