«فيسبوك» والخوارزميات المستخدمة في التغذية الإخبارية

10-10-2021 05:40 AM - عدد القراءات : 30
كتب رودي ليندسي عالم بيانات سابق في موقع «فيسبوك»
أثار ما كشفت عنه فرانسيس هوغان، مديرة المنتج أو المحتوى في موقع «فيسبوك» التي تحولت إلى كاشفة خبايا ومطلقة إنذار، يوم الثلاثاء ذهول وتعجب واشنطن، لكن مرة أخرى يرى العامة جلسات رفيعة المستوى في الكونغرس تتعلق بممارسات الشركة من دون أن يعقبها أي إجراء. بالنسبة إلى من يعملون في مساحة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع السياسة، لا يوجد سبب قوي يدعو إلى التفاؤل بأن تحول واشنطن هذا الغضب العارم الذي شهدته مؤخراً إلى إجراء تشريعي.
«فيسبوك» والخوارزميات المستخدمة في التغذية الإخبارية
يتمثل التحدي الأساسي في عدم موافقة كل من الديمقراطيين والجمهوريين على ماهية المشكلة بالأساس، حيث يركز الديمقراطيون على النشر المستمر المتواصل للمعلومات المضللة المغلوطة، وهو ما أوضحته الوثائق الداخلية التي سرّبتها السيدة هوغان لصحيفة «وول ستريت جورنال»، في حين يشكو الجمهوريون من الرقابة والتحيز. ويصبّ هذا التوتر في مصلحة «فيسبوك» وشركات مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى التي تواصل عملها بشكل اعتيادي.
مع ذلك، كما ذكرت هوغان في شهادتها أمام لجنة بمجلس الشيوخ يوم الثلاثاء الماضي، يوجد حل تنظيمي يعالج المخاوف الأساسية للحزبين، ويحترم التعديل الأول، ويحافظ على القوى المحركة لاقتصاد الإنترنت. ينبغي على الكونغرس إجراء تعديل بسيط يجعل شركات مواقع التواصل الاجتماعي مسؤولة عن المحتوى الذي تنشره الخوارزميات الخاصة بها.
كان مستخدمو الإنترنت في نهاية حقبة التسعينات يكتشفون المحتوى باستخدام محركات بحث مثل «لايكوس» وأدلة على شبكة الإنترنت مثل «ياهو». لم تكن خدمات الإنترنت المبكرة تلك توفر أي آلية لعرض محتوى جانبي للوصول إلى قطاع أكبر من الجمهور؛ وذلك لأن استخدام المحتوى كان يتطلب بحث المستخدم عن قصد عن كلمة مفتاحية أو تصفح موقع أو منتدى إلكتروني محدد. تبدو تلك الحقبة عجيبة وطريفة الآن، حيث تعجّ التغذية الإخبارية الواردة إلينا على مواقع التواصل الاجتماعي بالمحتوى الجانبي غير المطلوب بفضل استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لتطورين تكنولوجيين أساسيين، هما: إضفاء الطابع الشخصي المتحقق، من خلال جمع بيانات المستخدم عن طريق ملفات تعريف الارتباط على الشبكة وأنظمة البيانات الضخمة، والتضخيم الخوارزمي وهو استخدام تقنية ذكاء صناعي قوية لاختيار المحتوى الذي يظهر للمستخدمين.
مما لا شك فيه أن إضفاء الطابع الشخصي والتضخيم الخوارزمي أتاحا خدمات إنترنت جديدة رائعة. ويتعامل مستخدمو التكنولوجيا بشكل مسلّم به مع قدرتنا على إضفاء الطابع الشخصي على التطبيقات والمواقع الإلكترونية من خلال إضافة الفرق الرياضية المفضلة لنا والموسيقيين المفضلين والهوايات. وقد حقق استخدام المواقع الإلكترونية الإخبارية لخوارزميات التصنيف، فيما يتعلق بأقسام تعليقات المستخدمين لها ورسائل البريد المزعجة التقليدية، نجاحاً كبيراً.
مع ذلك، حين يخلط علماء البيانات ومهندسو البرمجيات إضفاء الطابع الشخصي على المحتوى والتضخيم الخوارزمي، كما يفعلون من أجل إنتاج تغذية إخبارية على موقع «فيسبوك»، ومقاطع «تيك توك» المرشحة لك، ومحرك التوصية الخاص بـ«يوتيوب»، يخلقون وحوشاً جاذبة للانتباه خارجة عن السيطرة. رغم أنه يتم الترويج لتلك الخوارزميات، مثل «التصنيف القائم على المشاركة» على موقع «فيسبوك»، كمحتوى «ذي صلة»، يتسببون في وجود انحيازات، ويؤثرون على المجتمع بطرق قد لا يفهمها المتسبب في وجودها، ناهيك عن المستخدمين أو المنظمين.
لقد بدأت العمل في شركة «فيسبوك» عام 2007 كعالم بيانات، وكانت مهمتي الأولى هي العمل على الخوارزميات المستخدمة في التغذية الإخبارية. وقد أخذ موقع «فيسبوك» يوضح طوال أكثر من 15 عاماً إمكانية بناء التغذية الإخبارية الشخصية الخوارزمية بشكل مسؤول، وإن لم يحدث ذلك حتى هذه اللحظة فلن يحدث إطلاقاً. وكما ذكرت هوغان، ينبغي أن يتولى البشر، لا أجهزة الكومبيوتر، عملية «تيسير الأشخاص الذين نتلقى الأخبار الخاصة بهم».
رغم محاولة الفرق قليلة العدد من علماء البيانات ومديري المنتج مثل هوغان الحد من الآثار الأسوأ للخوارزميات، فلدى منصات مواقع التواصل الاجتماعي حافز اقتصادي أساسي للحفاظ على مشاركة المستخدمين؛ ويضمن هذا استمرار تلك التغذيات في دعم ونشر المحتوى الأكثر إثارة، ويجعل مهمة مشرفي المحتوى، الذين يواجهون صعوبة كبيرة في ضبط المحتوى الإشكالي المنتشر المكتوب بمئات اللغات، وفي العديد من الدول والسياقات السياسية، مستحيلة.
حتى إذا تم حلّ شركات مواقع التواصل الاجتماعي، أو تم إجبارها على أن تصبح أكثر شفافية وتوافقاً، لن تتغير الحوافز التي تحرك «فيسبوك» ومنافسيه باتجاه تلك الخوارزميات، بل ربما تتسبب معركة أكثر تنافساً على جذب الانتباه في ضرر أكبر إذا اتجهت شركات أكثر نحو محاكاة نجاح «تيك توك» بخوارزمياته، التي تنشر «روابط لانهائية من المحتوى الخاص بالجنس والمخدرات» بين القُصّر، بحسب ما جاء في صحيفة «وول ستريت جورنال».
الحل مباشر وبسيط، وهو إلزام الشركات، التي تستخدم التضخيم الخوارزمي ذا الطابع الشخصي، بالمحتوى الذي تنشره تلك الخوارزميات؛ ويمكن تحقيق ذلك من خلال تعديل بسيط لقسم رقم 230 من قانون 1996، الذي يسمح لشركات مواقع التواصل الاجتماعي باستضافة محتوى ينتجه المستخدم من دون أي خوف من الدعاوى القضائية ضد أي خطاب يتضمن تشهير، والمحتوى غير القانوني الذي ينشره أولئك المستخدمين.
الجدير بالذكر أنه قد جاء في شهادة هوغان «إذا قمنا بتعديل القسم 230 لجعل (فيسبوك) مسؤولاً عن عواقب قراراته المتعلقة بالتصنيف المتعمد، أعتقد أنهم سوف يتخلصون من التصنيف القائم على المشاركة» تماماً.
بصفتي عالم بيانات سابقاً في «فيسبوك» وأعمل حالياً كمسؤول تنفيذي في إحدى شركات التكنولوجيا، أوافق على تقييمها، حيث لا يوجد نظام ذكاء صناعي قادر على تحديد كل منشور يتضمن محتوى غير القانوني. إذا تم تحميل تلك الشركات المسؤولية عن كل منشور يتم توسيع نطاقه، من المرجح أن تُضطر إلى إلغاء التغذيات الخوارزمية تماماً.
تستطيع تلك الشركات تحقيق نجاح وأرباح في إطار هذا النظام، حيث لم يبدأ موقع «تويتر» استخدام التغذية الخوارزمية إلا في عام 2015، وحقق موقع «فيسبوك» نجاحاً وتقدماً كبيراً خلال أول عامين من بدء عمله حين كانت حسابات المستخدمين خالية من التغذية الإخبارية ذات الطابع الشخصي. وسوف يبدد هذا الحل أيضاً المخاوف المتعلقة بالانحياز السياسي وحرية التعبير، حيث ستكون تغذيات مواقع التواصل الاجتماعي خالية من الانحيازات التي كثيراً ما تقدمها الأنظمة القائمة على الذكاء الصناعي. كذلك، سيتم إقصاء المحتوى الإضافي الجانبي؛ مما يؤدي إلى تراجع شكاوى المستخدمين وتقليل الضغط على المنصات.
مع ذلك، هناك آثار سلبية محتملة لاستخدام تعديل القسم 230 بهذه الطريقة، فقد أدى آخر تعديل له إلى عواقب غير مقصودة. لذا ينبغي على الكونغرس هذه المرة استشارة النشطاء والمجموعات المهمشة المرجح أن تتأثر باللوائح المتعلقة بالخطاب على الإنترنت لضمان استهداف القانون بطريقة مناسبة ومحددة.
إذا تمت معالجة تلك المخاوف، فلن يكون هناك سبب يجعل فعل هوغان الشجاع مجرد فرصة أخرى مهدرة لمساءلة تلك الشركات.


© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>