الحق في النسيان ما بين المعرفة والخصوصية

08-07-2014 05:44 AM - عدد القراءات : 3775
كتب د.عادل عبد الصادق
عديدة هي الانشطه التي يقوم بها الملايين من المستخدمين عبر الانترنت سواء اكانت في شكل تعليقات او اخبار خاصة او صور او معلومات شخصية سواء التي يضعها المستخدم بنفسه او يقوم طرف اخر بنشرها وخاصة مع حرية النشر والانتشار والتخزين ، والتي تستقر في خوادم الشركات وهو ما يعد عملية الانتقال من سيطرة مالك المعلومات عليها الى تحكم اطراف اخرى في هذه المعلومات .
الحق في النسيان ما بين المعرفة والخصوصية
 
 
 
وفي ظل ضخامة المعلومات الشخصية  الناتجة عن النشاط الالكتروني سواء من حيث الحجم او الاهتمام او ما يتعلق باثارة العديد من المشكلات المثاره حول طرق حمايتها ومعالجتها وسريتها وخصوصيتها ، ومن اهم القضايا الجديدة هي اثارة الحق في النسيان The Right to Be Forgotten،كحق من حقوق الخصوصية وعلاقتها بالبيئة الالكترونية .والذي يتعلق ببساطة بحق المستخدم في مسح المعلومات التي يراها تشكل انتهاكا لخصوصيته او تسببها في اضرار نفسية او مادية . والتي تبقى عالقة في خوادم الشركات ويصعب على المستخدم قيامه مباشرة بمسحها .وعلاقة ذلك بحماية المعلومات الشخصية، وضرورة الحصول على موافقة الأشخاص بشكل صريح وواضح، على جمع المعلومات الخاصة بهم. وأن يُشرح لهم كيف تُخزن، ومدة تخزينها، والغاية من ذلك والحق في محو تلك المعلومات .
والنسيان يحمل بعدين احدهما بعدا سلبيا يتمثل فيما تعتبره العديد من الثقافات بأنه نقيض الذاكرة إن لم يكن معول هدمها، ويعتبر معوقا على كسب وتراكم المعلومات والحفاظ عليها. واما البعد الاخر فيتعلق بان للنسيان طابع إيجابي، وأنه ضروري لصحة الإنسان النفسية والبدنية، ويعتقد المفكر “نيتشه”، بعدم وجود سعادة وكبرياء وصفاء الذهن دون نسيان. وان كانت الذاكرة ملازمة للوعي، فالنسيان هو غلق أبواب هذا الوعي ونوافذه ليستريح بين الحين والآخر ويجدد طاقته،
ويعرف “ايتيان كيي” الحق في النسيان بحق الشخص في اتخاذ القرار الخاص بالمعلومات المتعلقة به وتلك التي يجب أن يطويها النسيان. وهذا يعني منح الشخص سلطة اتخاذ القرار في مصير المعلومات التي تنشر عنه: أين تنشر؟ وكيف تعالج؟ وكيف تخزن؟ وأين؟ وإذا طبقنا هذا الحق في المجال الرقمي يصبح بإمكان الشخص التمتع بسلطة مراقبة كل المعلومات المتعلقة به وحذفها سواء تلك المرتبطة بشخصه والمنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية أو تصريحاته التي تنقلها بقية المواقع الإلكترونية، وقد طالب المانيين من القضاء الامريكي محو التاريخ والسجل الاجرامي لهما من صحفات ويكبيديا . ويؤمن المشرعون بصعوبة هروب الافراد من ماضيهم وبخاصة مع تسجيل الانترنت كل شيئ وعدم نسيانه اي شيئ.
وتعود جذور الحق في النسيان إلى منتصف الستينيات من القرن الماضي. وقد صاغه أستاذ القانون في الجامعة الفرنسية “جيرار ليون- كين ويسمى الحق في النسان في القانون الفرنسي بـ droit à l’oubli ، وكان يقصد به في ذاك العقد ما يحيلنا إلى النسيان الذي يفرض على الإنسان من قوى خارجة عن إرادته بواسطة معيار ضروري لضمان السلم والانسجام الاجتماعيين، مثل قوانين العفو التي تشمل الأشخاص والجماعات وحظر الإشارة إلى كل من تمت إدانتهم القانونية والسياسية بعد أن أعيد لهم الاعتبار. فهذا النوع من النسيان يرتبط باختيار مجتمع ما أو بما يفرضه النظام العام أكثر من ارتباطه بحق الأشخاص. إنه ذو طابع جماعي أو مجتمعي يتحقق نتيجة تفاوض من أجل استعادة السلم المدني بعد الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة ذات الطابع السياسي أو العرقي أو الديني.ويندرج الحق في النسيان ضمن الحقوق الأساسية للإنسان، مثل الحق في حماية الحياة الشخصية، والحق في الصورة :أي حق الشخص في رفض تصويره أو الاعتراض على نشر صورته.
ويطلق ماير-شونبيرجر ما يسميه "الحق في أن نُنسى"؛ والذي يقوم على تحديد ما يشبه "تاريخ الصلاحية" للمحتوى الإلكتروني، الشخصي خصوصاً، وذلك تمهيدا إلى إلغائه، وذلك على نحو ما يتم في حالة إتلاف المنتجات الغذائية عقب  انتهاء مدة محددة من إنتاجها خشية مخاطرها المحتملة. وفي الوسط الامريكي تم تحويل هذا الحق إلى قانون فيدرالي يحظى بدعم غير مسبوق في التاريخ الأميركي، بتأييد 84 % ممن تتراوح أعمارهم بين 18-24 سنة (وهم المولودون في العصر الرقمي)، كما تأييد 90 % ممن تزيد أعمارهم على 60 سنة، وفقاً لاستطلاع بهذا الشأن أجرته جامعة بيركلي الأميركية قبل سنتين.
وشهد"الحق في النسيان "  تطورا جديدا بعد  قرار محكمة العدل الاوربية  حول الزام شركة جوجل ومحركات البحث الأخرى على شبكة الإنترنت بمسح الروابط المتعلقة ببيانات شخصية قديمة ، وكان الحكم قد صدر اثر قيام مواطن اسباني يدعى ماريو كوستيخا غونزالس بنشراسمه في صحيفة عام 1998 بصفته مالك عقار سيتم عرضه في مزاد لتسديد ديونه ، وعلى الرغم من تجاوز الرجل ازمته الا ان الروابط  المتعلقة بهذه المعلومات  استمرت بالظهور في محركات البحث عند جوجل بعد مرور ما يزيد على 16 عاما، وحاول الرجل من جانبه في محاولة لانهاء تأثير ذلك علية نفسيا وتجاريا الى السعى الى  مسح هذه المعلومات، وفي عام 2010 وقفت هيئة حماية البيانات في إسبانيا إلى جانبه  ، حيث أمرت جوجل بمسح الروابط. واستأنفت من جانبها جوجل القرار،الامر الذي دفع المحكمة إلاسبانية الى تحويل القضية لمحكمةالعدل الاوروبية لاستشارتها .
والجدير بالذكر أن المفوضية الأوروبية قد اقترحت عام 2012 قانونا يمنح مستخدمي الإنترنت "الحق في محو البيانات".وسيتعين على محرك البحث إدخال تعديلات على بعض نتائج البحث حتى تكون متطابقة مع التوجيهات الأوروبية بخصوص حماية البيانات الشخصية.
واستندت محكمة العدل الأوروبية على قانون الاتحاد الأوروبي،والذي يعتبر أن محرك البحث " مسؤول عن العمليات التي تجرى على البيانات الشخصية التي تظهر على صفحاته وتشمل المحتوى الذى نشربالفعل في وسائل الاعلام".وان هذه المعلومات تحتوي على جوانب عدة للحياة الشخصية للفرد ـ ويؤكد الحكم على أن حق الأشخاص أقوى عندما يتعلق بالتصرف في بياناتهم الخاصة، على الرغم من حق الناس - بصفة عامة - في الحصول على المعلوماتالمتعلقة بالشخصيات العامة.
ومن ثم فقد خلصت المحكمة إلى أن ذلك يتعارض مع الحقوق الأساسية للفرد، بـ"الحق محو البيانات".بل وقررت انه يجب ان تتوافر الالية امام  المواطنون لطلب مسح روابط تحتوي على بيانات "غير كافية أو ليست ذات صلة أو انها اصبحت مسيئة ،واعتبرت  جوجل من جانبها أن هذا الحكم مخيب للآمال بالنسبة لمحركات البحث والجهات الاخرى الناشرة على شبكة الإنترنت بشكل عام ، وان هذا  القرار جاء  رغم توصية أحد كبار المحامين بالمحكمة العام الماضى بأنه لا يجب أن تتحمل محركات البحث مسؤولية المعلومات التى تظهر في صفحات البحث.
وقد امتثلت جوجل للحكم وبدأت في وضع نموذج الطلب على الموقع في 30 مايو الماضي،والاعلان عن اجراءات بشأن طلبات الإزالة ، وتلقت جوجل أكثر من 70 ألف طلب لمحو روابط تحتوي على بيانات شخصية، في ظل القانون الأوروبي لحماية البيانات الشخصية. واعلنت شركة جوجل أنه سيتم النظر والدراسة في كل طلب على حدة، لتحديد ما اذا كان يتطابق مع معايير المحكمة أم لا.
وقد اثر ذلك احتجاج الصحف ووكالات الاخبار والتي ربما يتم ازالة اخبار خاصة بهم بسبب احتوائها على بيانات لأشخاص لا يرغبون في وجودها على محرك البحث العملاق.وهو ما تعده تلك المؤسسات الصحفية بمثابة  ملكية فكرية ، وهو ما يتم الرد علية ان المادة ما تزال محفوظة على موقع الجريدة الا انها لن تظهر فقط في محركات البحث ، وقامت بعض الصحف مثل الجارديان والبي بي سي بنشر قائمة بالروابط التي تم حذفها من أخبار وقصص حظر تداولها على النسخ الأوروبية لموقع جوجل.
ويحمل الحكم ايضا تبعات على كل من ينشر معلومات عن أشخاص على الإنترنت.وأن أي شخص لا يعجبه منشور قديم ذو صلة به، من حقه أن يطلب إلغاءهوبخاصة . بعد مرور فترة كبيرة على نشره وان من شأن تلك المعلومات او الراوبط ان تؤثر على الحرية الشخصية وعلى سمعه الشخص وهو ما يكون له تاثيرات خاصة في مجال المال والاعمال ، وذلك كحالة نشر روابط عن قضية فساد احدي الشركات والتي تظل تؤثر في سمعة الشركة بغض النظر عن نتائج التحقيق او تغير ادارة الشركة او تغير طبيعة القوانين المتبعه .
وهناك اتجاه اخر يرى ان مسح الراوبط  التي تحمل معلومات يعد انتهاك من جانب محركات البحث لحرية الراي والتعبير عبر الانترنت والتي اصبحت قيمة اساسية في حقوق الانسان الرقمية .
ويعبر الحق في النسيان عن عملية التداخل بين العديد من الحقوق المتعارضة فهناك تداخل بين حق الشخص في الاحتفاظ في خصوصيته وبين الحق في المعرفة من جانب الجميع وحرية تداول المعلومات وتدفقها ، فمثلا اذا كان من حق شخص تم اتهامة من قبل في احدى القضايا في محو ما يتعلق به فان من حق الجمهور معرفة حيثيات تلك القضية وملابساتها بل انها قد تفيد في رفع الوعي عن مخاطر الجريمة ، وهناك ايضا التداخل بين حق الجهة الناشرة للمعلومات المتعلقة والتي قد تكون وكالة انباء او صحيفة وبين حق محركات البحث في الغاء تلك المعلومات او سلطتها القانونية او التحريرية  ، لان صلاحية الحذف ربما تكون من اختصاص الجهة الناشرة باعتبارها الجهة الاصيلة في امتلاك المادة الاعلامية وخاصة اذا ثبت عكس ما يتم نشره ،وتعد عملية الاقتصار على محركات البحث بمثابة  جزء من تحجيم انتشار المعلومات واعطائها صلاحية التحقيق في موضوعات النشر وهي ليست جهة متخصصة في العمل الصحفي او الجنائي ،
وعلى الرغم من الجوانب الايجابية في تفعيل الحق في النسيان عبر الانترنت الا انه يواجه صعوبات في تفعيلة فلن يصل الافراد بالضرورة الى ما يسئ اليهم ومن ثم فان قيام افراد اخرين بطلب حذف تلك المعلومات يصبح غير ذي جدوي ، كما ان الاخبار والمعلومات التي تنشر عن الافراد  قد لا يتم انتشارها فقط عبر محركات البحث بل عبر مواقع اخري كالشبكات الاجتماعية ، والتي تتميز بانها عملت على ادخال سياسات جديدة تعمل على الحد من انتشار الكراهية وامكانية الابلاغ عن الاساءة او امكانية حجب المستخدمين او قيام الموقع نفسة بحجب من يقوم بانتهاك سياسة الخصوصية للموقع ، ولعل اهم عامل في ذلك ايجابي هو قيام الافراد بتحمل المسئولية عما يتم نشره عنهم سواء اقاموا به او قام به غيرهم ـ وتحوي الانترنت وخوادم الشركات  كم هائل من المعلومات الشخصية  .
 وبالرغم من ان نسيان أخطاء الماضي، يكون مهما وممكناً لنا كبشر في التفكير واتخاذ قرارات بشأن الحاضر والمستقبل. فانه في عصر الإنترنت يتم توثيق كل ما يحدث وهو بمثابة التاريخ الانساني ، ومن ثم فان هناك اهمية للتاريخ في فهم الحاضر والمستقبل ، وانه على مستوى الافراد يمكن الموازنه بين القضايا التي لها بعدا شخصيا بحتا وبينا ما يعد حقا للمجتمع ليس فقط المحلي بل كذلك العالمي في توثيق تاريخه في انتظار الاجيال القادمة وذلك  كحق السماح للذين تم اتهامهم في قضايا جنائية وقضوا فتره عقوبتهم في التعامل معهم كاشخاص طبيعه ، والاهم هنا العمل على الا يشكل مساوئ التاريخ عائقا لتقدمنا او سيطرة الشعور بالمطاردة في كل زمان ومكان وعبر الاجيال. بل السعى الى الموزانه بين الحق في الخصوصية والحق في المعرفة وما بين حق الجيل الحالي وحق الاجيال القادمة ، وما بين حرية التعبير وما بين السب والقذف والتشهير . وعلى اية حال فان الحق في ان النسيان يمكن ان يريح من يطلب ذلك ولكنه ربما لا يريح الاخرين المحيطين بنا.  

* خبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية - مدير مشروع المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني


© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>