يختلف الإنسان
عن سائر الكائنات في صفات جسدية عدة؛ فله وجه فريد يعبّر عن هويته، وحنجرة منخفضة
الموضع تمكّنه من النطق المتمايز، ويمشي منتصبًا على قدمين، وأطرافه العليا أقصر
نسبيًا. ويتميز دماغ الإنسان بقدرة عالية على التفكير والتحليل والإبداع.ويتميز
بقائمة طويلة نسبيًا من المشاعر والأحاسيس مقارنةً بغيره من الحيوانات، وإن كان
كثير من الحيوانات يشاركه بعض هذه المشاعر بدرجات متفاوتة. وتزداد هذه المشاعر مع
طابعه الاجتماعي المتفرد، ومنها الحياء والخجل والتعاطف وتأنيب الضمير والغيرة.
ويضاف إليها قدرات وصفات أخرى كالذاكرة والقدرة علي الحكي والوعي والصدق والأمانة والتفكير.والتي تشكل هي وغيرها صفات وخصائص الذكاء البشري.
ويختلف الإنسان كذلك عن سائر الكائنات في صفات جسدية عدة؛ فله وجه فريد يعبّر عن هويته، وحنجرة منخفضة الموضع تمكّنه من النطق المتمايز، ويمشي منتصبًا على قدمين، وأطرافه العليا أقصر نسبيًا. ويتميز دماغه بقدرة عالية على التفكير والتحليل والإبداع. كما يتميز بقائمة طويلة نسبيًا من المشاعر والأحاسيس مقارنةً بغيره من الحيوانات، وإن كان كثير من الحيوانات يشاركه بعض هذه المشاعر بدرجات متفاوتة. وتزداد هذه المشاعر مع طابعه الاجتماعي المتفرد، ومنها الحياء والخجل والتعاطف وتأنيب الضمير والغيرة. ويضاف إليها قدرات وصفات أخرى كالذاكرة والحكي والوعي والصدق والأمانة.
وقد تم التسلّيم تاريخيا بسيادة الإنسان على غيره من الكائنات الحية وتميّزه عنها، وهو ما تسنده نصوص قرآنية، منها قوله تعالى: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" [البقرة: 30]، وقوله: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ … وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" [الإسراء: 70]، وقوله: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ" [الجاثية: 13]. ومما يميّز الإنسان كذلك أنه حمل الأمانة، قال تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72].
غير أن هذا التميّز تراجع مع تقدّم علم الحيوان، وهو ما تشير إليه تعبيرات قرآنية مثل "إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم" [الأنعام: 38]، و"قَالَتْ نَمْلَةٌ" [النمل: 18]، و"عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ" [النمل: 16]، وهي تدل على أن للكائنات الحية عوالمها الخاصة، وأنها تشارك الإنسان في كثير من الصفات. يضاف إلى ذلك التقدم في نظرية التطور القائمة على الأصل المشترك، إذ يتشابه الحمض النووي للإنسان مع الغوريلا بنحو 98%، ومع الشمبانزي بنحو 98.7%، كما يقترب الخنزير من الإنسان في تركيب بعض الأعضاء ووظائفها. وثمة دراسات ليست حديثة تناولت استجابة النبات للمؤثرات، وذهب بعضهم إلى أن للجماد كالخشب والحصى نوعًا من الإحساس، استنادًا إلى قوله تعالى: "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" [الإسراء: 44].
وقد شغلت مسألة هوية الإنسان، أي ما الذي يجعلنا بشرًا، كبار الفلاسفة والحكماء منذ القدم. فقد اشتُهر حكماء اليونان السبعة (صولون وطاليس وبياس وكليوبولوس وبيرياندروس وبيتاكوس وتشيلون) بحِكمهم عن الإنسان والحياة، ومنها عبارة «اعرف نفسك» المنسوبة إلى بعضهم. ورأى ديفيد هيوم أن ذات الإنسان ليست إلا حزمة من التجارب والإدراكات المتعاقبة التي تربطها الذاكرة. أما أرسطو فرأى أن الإنسان «كائن مدني بطبعه»، وأن ما يميزه عن الحيوان هو امتلاكه «اللوجوس» (Logos)،أي القدرة على استخدام العقل والكلام، وهو ما يجعل المشاركة المدنية ضرورة لا مجرد واجب.
وقد استُخدمت فكرة ربط الحقوق بالقدرة على التفكير في تبرير العبودية، إذ كان يُنظر إلى العبيد على أنهم أشياء لا بشر واعون. وعلى المنوال نفسه جاءت مقولة «عبء الرجل الأبيض» التي بُرّر بها الاستعمار الغربي، وزعمت أن على الدول «الأكثر تحضرًا» أن تجلب العقلانية والمنطق إلى شعوب يُزعم أنها «أقل عقلانية».
ومن جهة أخرى تبرز مخاوف من سيطرة الروبوتات على البشر، غير أن الواقع عكس ذلك، فالبشر هم الذين يستخدمون التكنولوجيا لتحقيق أهداف غير أخلاقية، ويقوم ذلك الافتراض علي أن هذه الآلات لا تفكر.وهو ما يطرح بدوره تساؤلات حول كيفية التعامل مع تقدّم الذكاء الاصطناعي ليصبح «مفكّرًا»، وبعد ان أصبحت تمارس الأجهزة بالفعل نوعًا من التفكير، ومن ثم ظهرت أوجه شبه بين وظائف الحواسيب والبشر، وهو ما يضع مقولة ديكارت «أنا أفكر إذا أنا موجود» موضع اختبار ، وخاصة إن كان التفكير وحده هو ما يميّز الإنسان عن غيرة من الكائنات الحيه.
وقد دفع ذلك بعض المفكرين إلى الفصل بين التفكير والوعي؛ فمنهم من راي انه إن كانت الأجهزة تفكر فهي تفتقر إلى الوعي الذي يتضمنه ، وان الوعي في نظر هؤلاء،له أبعادًا روحية غير مادية. ولكن يرى بعضهم أن الذكاء الاصطناعي الفائق قد يمتلك وعيًا في المستقبل . ومع ذلك فإن من يرون الوعي ظاهرة بيولوجية لا روحية قد يجادلون أيضًا بأن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع التفكير لافتقاره إلى المكوّنات البيولوجية التي تُيسّر الوعي، وبالتالي لا يمكن اعتباره «تفكيرًا» حقيقيًا.
وعلي مستوى القدرات والوظائف فاصبح الذكاء الاصطناعي يستطيع ان يبتكر أعمال فنية ومحاكاة للمشاعر الانسانية ، ولكن المتشككين في هذا التطور يرون أنه حتى لو تم ذلك فانه يقوم بذلك فقط بناء علي دراسة ما أنجزه البشر أولًا، وأنه من جهة اخرى لا يستطيع إلا تنفيذ ما يبرمجة الانسان علية ، بينما يمتلك الإنسان الإرادة الحرة. والتي تصطدم هي الاخرى بالجدل بأن البشر أنفسهم في قراراتهم التي يتخذونها يخضعون بشكل غير مباشر لأنظمة حتمية، حيث تسهام جيناتهم ومعارفهم وادراكم المستقي من بيئتهم في تحديد سلوكهم، فهم «مبرمجون» بها رغمًا عنهم.
وإذا افترضنا أن ما يميز الإنسان عن الأشياء الجامدة ليس العقل وحده بل الذاكرة أيضًا، كما جادل هيوم وجون لوك، فقد يثير ذلك مشكلات إضافية ، وذلك بناء علي حالة التطور في مجال التطبيقات التقنية ، والتي بدات تاريخيا مع تصوّر "تشارلز بابيج " عن فكرة الحاسوب في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر ، الذي يُعدّ أول من قام بتصميم آلة حاسبة ،والتي اصبحت بدورها تقوم بدور العقل البشري في الحساب للارقام والاعداد ، واحدث ذلك حين ظهورها ثورة في مجال التعليم ، وتساؤلات حول تاثيرها المحتمل علي قدرة العقل البشري علي اجراء العمليات الحسابية .
وفيما يتعلق بالذكراة فانه في حالة تزُوّيد الذكاء الاصطناعي بذكريات رقمية ، يتم استلهام المخرجات منها وبما يجلعه يمتلك ذاكرة استثنائية تجعل الخط الفاصل بين الإنسان والروبوت أكثر ضبابية.وقد يحتج بعضهم بأن الذكريات الصناعية دليل نقص مقارنةً بذاكرة الإنسان، لكن ذاكرة الإنسان نفسها ليست معصومة من الخطأ، فالذاكرة عبارة عن معلومات مخزّنة يمكن عادةً استرجاعها، والبشر والحواسيب قادرون على ذلك. بل يمكن القول إن البشر يجدون صعوبة أكبر من الحواسيب في استرجاع الذكريات بدقة؛ فلو طلبنا من إنسان وحاسوب حفظ سلسلة من الحروف والأرقام ثم استرجاعها بعد عشرين عامًا، لكان الحاسوب عادةً أنجح في ذلك. ومن ثم فإن أصل الذكريات ودقتها لا يُعتدّ بهما في رسم الخط الفاصل بين الإنسان والروبوت.
ومن جهة اخرى اصبح الانسان لا يطلب من ذاكرته البشرية التذكر والاسترجاع والعودة الي الماضي وما يرتبط بذلك من ثقافة الحكي الشعبي والتي كانت مزدهرة بينما جاءت الذاكرة الالكترونية لتقوم بمقام الذاكرة البشرية للتخزين للمعلومات والذكريات ، واصبحت بمثابة ذاكرة خارجية للعقل البشري .ومن ثم فقد تراجعت قدرة الانسان علي التذكر وضعفت الذاكرة البشرية الفردية والجماعية لصالح الحاسبات وذاكرة الهواتف الذكية.
ويرى البعض أن الإنسان يمتلك وعيًا وأن تواصله مع الآخرين انعكاس لهذا الوعي، أما الذكاء الاصطناعي الذي لا يمتلك وعيًا فيقلّد التواصل بوصفه برنامجًا لسلوكيات مبنية على ذكريات مصطنعة. لكن إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقليد التواصل والسلوك البشري تقليدًا مثاليًا، وهو الامر الذي يجعله غير قابل للتمييز عن سلوك الإنسان، فإن الخط الفاصل بينهما ياتي بناءً على معيار الوعي ، والذي يصبح غير واضح. بل إن القول بأن الذكاء اصطناعي لا يمتلك وعيًا وأنه مجرد مجموعة من الدوافع والبيانات هو في حد ذاته إعلان بأن البشر كذلك، وعندئذ لن يبقى للإنسان ما يميّزه عن الذكاء الاصطناعي من حيث القيمة والمكانة.والوظيفه الحيوية له.
وبعيدًا عن هذا الجدل الفلسفي، ثمة وجه آخر للتحدي أكثر إلحاحًا يتصل بالمخاطر العملية لفقدان السيطرة. فخروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة لا يقتصر على قدرته على اتخاذ القرار بصورة مستقلة، بل يشمل كذلك قدرته على تطوير نفسه بنفسه ، مع تراجع فرص اختباره وتجريبه بالقدر الكافي قبل استخدامه. فقد كانت التقنيات قديمًا تُخضع للتجربة قبل تشغيلها، أما مع الذكاء الاصطناعي فقد تقلّص الاعتماد على التجريب بسبب السرعة الفائقة في التنفيذ وتصاعد القدرات في مجال التطور الذاتي.
ويكشف ذلك عن مخاطر تاثير ذلك علي ظهور تحديات خارج سيطرة البشر ، والتي تكمن من تحول الإنسان في استخدام السكين سواء تقطيع الطعام أو في القتل، الى ان اصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقوم باستخدام ما يشبه سكينا يستخدم بشكل ذاتيً، ويتوالد منها سكاكين عديدة دون رقابة أو سيطرة بشرية.ومن جهة أخرى فأن التوسع في الأتمتة قد يُضعف إحساس الإنسان بذاته وتميّزه، مع قدرة الروبوتات على القيام بالأعمال البشرية دون كلل أو تعب؛ ومن ثم تتراجع قيمة العمل بوصفه تعبيرًا عن الذات. ومن جهة أخرى، فإن التقدم في الروبوتات البشرية أو الشبيهة بالبشر قد يُضعف العلاقات الإنسانية.
ويفتح الباب أمام شركاء آليين يلبّون الرغبات الإنسانية والاجتماعية دون حاجة إلى التفاعل البشري، وهو ما قد يزيد العزلة الاجتماعية والاغتراب، وما يرتبط بهما من مخاطر نفسية واجتماعية قد تصل إلى الانتحار أو إيذاء النفس أو العنف. ويضاف إلى ذلك تأثير هذه التطورات بشكل سلبي في قيم الأسرة وفي الزواج والإنجاب،وفي ظبيعة المشاعر الانسانية التي ترتبط بحاجات الحب والمشاركة والتضامن ، والتي قد تُشبعها الآليات الخوارزمية والروبوتات أشباه البشر ونماذج الذكاء الاصطناعي بديلا عن العلاقات البشرية.
وتفرض هذه المخاطر اهمية الوعي بأنسنة التقنية، أي جعل الذكاء الاصطناعي متمحورًا حول الإنسان وفي خدمته، وبأهمية الإبقاء على الرقابة البشرية بما يُبقيه خاضعًا للسيطرة. فقد تتحول هذه القدرات إلى قوة في يد قلة من البشر، ومن ورائهم الشركات، يتحكمون فيما تراه الأغلبية وتسمعه وتتفاعل معه؛ ومن ثم تتهدّد الأغلبيةَ سيطرةُ الأقلية وتغوّلُها من مدخل تقني ومعرفي. وهو ما يهدد المساواة والعدالة، وقد مورس نحوه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على أيدي الاستعمار، ولكن بآليات مختلفة.
وعليه يواجه الإنسان تحدي الهيمنة من التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المتقدم، وتحديًا آخر يتمثل في محاولة القلة توظيف ذلك في ممارسة مزيد من الهيمنة والسيطرة والحد من إرادة الإنسان الحرة. فالتقدم في الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة، لكنه يفرض كذلك تحديات معرفية وإنسانية واجتماعية على الإنسان في العصر الرقمي.ويتطلب ذلك التقدم في حوكمة الذكاء الاصطناعي وخضوع الأنظمة المتقدمة للذكاء الاصطناعي للاختبار والتقييم قبل وبعد التشغيل ، واهمية الرقابة البشرية علي انظمة الذكاء الاصطناعي ، و التعاون الدولي لتعزيز المنفعة المشتركة للذكاء الاصطناعي وحماية الفئات الاضعف مثل الاطفال والمراهقين ، والوعي بمخاطر تطبيقات الذكاء الاصطناعي علي العلاقات الاجتماعية والانسانية .
ويبقى مستقبل الإنسان في العصر الرقمي رهنًا بقدرته على إبقاء هذه التقنية أداة في خدمته، لا بديلًا عنه ولا ان تكون هي سيدًا عليه.وأن قضية الحفاظ على تميزه عن باقي الكائنات او حتى الروبوتات، ترتبط بمدى قدرته علي عقلنة التقدم والسيطرة عليه لنهضته وليس لاستعبادة او لانتفاء ارادته الحرة .ومحاولة نزعه من انسانيته ومن الطبيعة التي يعيش فيها ، وذلك من اجل البحث عن بقاء الانسان وتقدمة في ظل تلك الثورة الجارفة ، والتي ستعصف بمن لا يمتلك ادوات التعامل معها ، وفي نفس الوقت ستتحول الي مصدر قوة لأخرين في الحاضر والمستقبل.