الانتخابات الأمريكية والثقة في استطلاعات الرأي

17-12-2020 02:59 AM - عدد القراءات : 128
كتب د.عادل عبد الصادق* الاهرام 9 نوفمبر 2020
على الرغم مما حققه ترامب من مكاسب اقتصادية خلال فترة ولايته المنقضية،إلا أنه واجه تحدي كسب الثقة للفوز بالولاية الثانية ،وعزز هذا التوجه نتائج أكثر من عشرة استطلاعات للرأي ،بحصول "بايدن" ما يقارب 51.3% مقابل 43.5% لترامب، او بفارق بنحو سبع أو ثماني نقاط، ومع هامش خطأ 3 نقاط زيادة او نقصانا. وهو ما أثار التساؤلات قبيل الانتخابات حول مدى الثقة في تلك النتائج ومدى إمكانية تكرار ما حدث عام 2016.
الانتخابات الأمريكية والثقة في استطلاعات الرأي

وترصد استطلاعات الرأي العام اتجاهات التصويت وإمكانية تحويلها إلى مؤشرات كمية تساعد في صنع السياسات وفهم طبيعة القوى المؤثرة فيها،ومهمة الرصد والتنبؤ والإنذار المبكر للمرشحين ومؤيدهم في الانتخابات. وتعد الاستطلاعات جزء من التاريخ السياسي الأمريكي منذ عام 1824 حين تم إجراء أول استطلاع للرأي بواسطة جريدة محلية بولاية بنسلفانيا ، وحدث تطوير أخر لها في عام 1922 بجهود " جورج جالوب".ونجاحه في التنبؤ بفوز "روزفلت " عام 1936 .

ومع أهمية الدور الذي قامت به خلال تلك الفترة الطويلة ، إلا أنها فشلت في ثلاث حالات فقط هي توقع فوز "ترومان "عام 1948، وهزيمة"آل جور" عام 2000.وهزيمة "هيلاري"عام 2016. وكشفت الأخيرة عن تعرض منهجية الاستطلاعات لأخطاء، كإهمالها متغيرات مهمة مثل الانتماء العرقي،والخلفيات الاجتماعية والتعليمة للمصوتين من غير الحاصلين على مؤهل جامعي، وحالة تصويت الجمهوريين بشكل أكبر من تصويت البيض الذين لديهم مؤهل جامعي، إلى جانب عدم التفريق بين الاستطلاعات على المستوى الوطني والأخرى التي تُجري على مستوى الولايات.

ولم تميز بين أصوات المجمع الانتخابي والتصويت الشعبي داخل الولايات. هذه الخبرة دفعت إلى إجراء تغييرات على منهجية الاستطلاعات التي تم إجراءها،وتم تطوير نموذج خاص يجمع بين استطلاعات الناخبين بعموم الولايات المتحدة، مع إدخال متغيرات اقتصادية،وأخذ المجمع الانتخابي في الاعتبار، والتأكد من تمثيل العينة ،وهو ما عمل على تقليل هامش الخطأ وتحقيق درجة عالية من الدقة في التنبؤ بنتائج الانتخابات. ، وارتباط ذلك بالقدرة على معرفة التركيبة السكانية مثل التعليم والعرق والعمر والجنس وتسجيل الحزب وغيرها. وتنوعت استطلاعات الرأي العام التي أُجريت بين استطلاعات تابعة للحزبين المتنافسين أو مؤسسات مستقلة. ووفق بعض التقديرات، بلغ إنفاق ترامب على الاستطلاعات 7 مليون دولار، في حين أنفق بايدن 1,5 مليون دولار.

وفي 2016 أنفق ترامب 4 ملايين دولار، مقابل 10 مليون دولار من جانب "هيلاري". وجرت هذه الاستطلاعات في ظل بيئة غير مسبوقة شكلتها جائحة "كوفيد 19"، والتي أدت إلى وفاة ما يقرب من ربع مليون مواطن أمريكي،و 9,5 مليون إصابة، وبما أثر ليس فقط على توجهات الناخبين ولكن على أدوات التصويت أيضا.

وجاء ذلك في ظل تأثر الحملات الانتخابية للمرشحين بفرض إجراءات الابتعاد الاجتماعي وتصاعد دور الدعاية عبر شبكات التواصل الاجتماعي مع عدم التزامها بـ"الصمت الانتخابي"، والجهود التي اتخذتها الشركات في ضبط الإعلانات السياسية تفاديا لما حدث عام 2016. وبلغ تمويل حملة بايدن في الأول من أكتوبر الماضي حوالي 177 مليون دولار مقابل 63.1 مليون دولار لترامب وهوما يكشف عن قوة حملة بايدن في ظل ثقة ترامب بالفوز وانه اذا حدث غير ذلك يكون " تزويرا".

وتفوق "ترامب "في معدل الثقة في التعامل مع الاقتصاد بـ 53% وفق الاستطلاعات في حين تفوق بايدن في القضايا الأخرى.وبخاصة الانقسام العرقي بثقة 58 % من الناخبين ،و56% في التعامل مع "كوفيد 19". فوفقا لاستطلاع رأي أجرته شبكة ABC وافق 35% فقط على طريقة إدارة ترامب للجائحة،في حين رأى72% أن إدارته لم تأخذ الأمر على محمل الجد بما فيه الكفاية.

وفي ظل التفاعل بين الواقع الصحي وحالة الاستقطاب الشديد بين المرشحين حدثت زيادة غير مسبوقة في التصويت المبكر،بلغت ما يزيد على 100 مليون ناخب وهو رقم قياسي مقارنة بـ 47 مليون 2016 ، وذلك عبر البريد ،وهو ما شكك ترامب فيه بينما رحب به بايدن وكان له القول الفصل في المعركة. ورغم حصول ترامب على43.5% في المتوسط وفقا لمعظم الاستطلاعات، فإنه اقترب للغاية من مستوى شعبيته التي ظلت ثابتة خلال فترته الأولى بين 41%- 43%، حتى قبل وقت قصير من الانتخابات، بل إنه قد فاز بالسباق الرئاسي ذاته بنسبة 46,1% عام 2016.

وبلغت نسبة المشاركين غير المحددين لتوجهاتهم الانتخابية وفق تلك الاستطلاعات 5,6% أو الذين قد يصوتوا لحزب ثالث، وهي نسبة أقل من نظيرتها عام 2016 والتي وصلت إلى 15,5%. ولكن أهميتها تكمن في تعرضهم للاستقطاب ودفعهم للمشاركة.إلى جانب دور عامل المشاركة السياسية، خاصة بين الناخبين المترددين والذين يشكلون حوالي 20% من الأصوات ،ودور الأمريكيين الأفارقة بعد حادثة جورج فلويد. ووفر ذلك فرصة ذهبية للحزب الديمقراطي في اقتناص النقاط من الحزب الجمهوري إلى جانب أبعاد أخرى،وبخاصة مع تميز تلك الانتخابات بغلبة قضايا الاقتصاد والأمن على توجهات الناخبين .

وعلى الرغم مما حققه ترامب من توفير الوظائف وتحسين الاقتصاد وإعادة رسم العلاقة مع الصين. وبمقارنة نتائج استطلاعات الرأي بنتائج الانتخابات ،فقد كشفت عن نجاح بايدن في الفوز بـ 50,6% مقابل 47,7% من الاصوات لترامب ، و290 مقعد مقابل 214 لترامب ، وهو ما يقترب من النتيجة الكلية للاستطلاعات التي أكدت عن تقدمه ، وفيما يتعلق بنتائج الولايات فان استطلاعات الرأي تبدو صحيحة بشكل عام في الجنوب والجنوب الغربي.وبينما قام ترامب بأداء أفضل مما توقعت استطلاعات الرأي قبل الانتخابات في الغرب الأوسط.

وعلى سبيل المثال اقتربت نتائج الاستطلاع من توقع فوز بايدن بفارق ضئيل في أريزونا وخسارته بفارق ضئيل في ولاية كارولينا الشمالية، وتعادل المرشحين في جورجيا ، بينما أشارت إلى تفوق بايدن على ترامب في ولاية فلوريدا بفارق 2.1%،في حين نجح ترامب بها بفارق 3,6% ،وتوقعت تقدم بايدن في ولاية ميشيجان بفارق 7.8% ولكنه نجح بفارق 3,6% . وتوقع فوزه كذلك بـ 4.9% في ولاية بنسلفانيا،بينما فاز بها بفارق 5,% فقط ، وتوقع الفوز بفارق 4.6% في ولاية ويسكونسن، بينما فاز فيها بفارق 1,4% فقط .

ومن ثم فقد رصدت الاستطلاعات الاتجاهات وأثبتت نجاحها في تحسين منهجيتها السابقة ، وبخاصة أنها تواجه عامة بمحددات لعل أهمها ، نسبة الناخبين المحتملين، ودرجة تأثير تكرار استطلاعات الرأي على وزنها، وقت وزمن الاستطلاع مقارنة بزمن الانتخاب ، ناهيك عن وجود مؤثرات أخرى على التوجه مثل الأسرة، واختلاف طرق الاستبيان وفق إيجابياتها وسلبياتها، مثل المقابلة الشخصية او الهاتف الثابت أو الهاتف المحمول أو الإيميل والانترنت .

وتواجه استطلاعات الرأي "معضلة الثقة"نتيجة تصاعد حالة اللايقين مع سرعة التغييرات التي تشهدها توجهات الرأي العام، وحالة التدفق المتسارع للمعلومات التي يتلقاها الناخبين، ليس فقط عبر وسائل الإعلام التقليدية بل كذلك عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وعلى قدر ما نجحت الاستطلاعات في الإجابة على سؤال.. لمن ستصوت ؟ ومن سيفوز ؟ فإنها تعرضت لتأثيرات البيئة المحيطة بالعملية الانتخابية ، وأعطت لمحة سريعة عما كان "يفترض " صحيحًا عندما أجريت وليس ضمانًا بالضرورة لما سيحدث في المستقبل او توجيه الرأي بدلا من رصده.

وكشفت كذلك عن حالة الانقسام العميق التي انعكست على المؤسسات السياسية والتشريعية،وهو الأمر الذي يثير ضرورة إعادة النظر في النظام الانتخابي والعمل على إعادة روح أمريكا ووحدتها على يد الرئيس المنتخب السادس والأربعين.



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>