وعدنا الخيال العلمي بالروبوتات المنزلية.. أين هم إذن؟

01-01-2019 01:49 PM - عدد القراءات : 51
كتب عفاف محمد -ساسة بوست
وعدنا الخيال العلمي بالروبوتات المنزلية.. أين هم إذن؟
وعدنا الخيال العلمي بالروبوتات المنزلية.. أين هم إذن؟
حتى ولو لم تكن متابعًا لأدب الخيال العلمي وأفلامه تمامًا، لا بدّ أن سردياته قد وصلت إليك بشكلٍ ما ووعوده الطموحة للبشر بالمجمل. يقول الخيال العلمي لنا أنا سنرتدي البدلات ذات المحركات النفاثة نتنقل بها، وسيكون لدينا السيارات الطائرة بل وأبعد من ذلك: تكنولوجيا النقل الآني وغير ذلك الكثير. لكن ربما يكون الخيال الأقرب لتوقعاتنا هو الروبوت الرفيق-الإنسان الآلي الذي يشاركنا حياتنا ويعتني بالمنزل أثناء غيابنا.

فكرة الروبوت المنزلي تحديدًا من أكثر الأفكار التي روّج لها على أنها ليست بعيدة المنال، وأن المسألة مسألة وقت وسيكون لدينا جميعًا رفاقنا ومعاونونا المعدنيون يتجولون في مساحاتنا الخاصة ويجعلون حياتنا ألطف وأسهل. لكن ما هي حقيقة الأمر؟ وأين وصلنا بصناعة الروبوت المنزلي؟ هذا ما يتناوله الصحفي والكاتب «مات سيمون» في تقريره الحديث المنشور في مجلة «وايرد» التكنولوجية، ليجد إجابة لسؤال: لِمَ لم تصل الروبوتات إلى منازلنا حتى الآن؟

«الروبوتات قادمة، سواء أحببنا ذلك أم لا، وسوف تغير اقتصادنا بطرقٍ دراماتيكية»

هكذا تشدّد الصحفية «كريستين أندرسون» في إحدى منشوراتها، لكن أين هي الروبوتات حتى الآن؟

 
سنةٌ واعدة
بدا في مرحلةٍ ما أن 2018 هي السنة التي ستحقق فيها الروبوتات قفزة كبيرة نحو الاعتناء بالمنازل، وقد برز جهازان على وجه الخصوص تلقيا جلبةً واهتمامًا كبيرين: «كوري» هو الروبوت الأول، وهو آلة شديدة اللطف من إنتاج شركة «مايفيلد روبوتكس» الناشئة لتصنيع الروبوتات ويشابه هذا الروبوت في شكلِه شخصية «آر تو دي تو» من عالم «ستار وورز». يستطيع «كوري» أن يتبعك في أرجاء المنزل ويلتقط صورًا لمناسباتك المنزلية ويتواصل مع  أفراد عائلتك.


الجهاز الآخر هو «جيبو» المطوّر من قبلِ باحثةٍ من معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا، قُدّم هذا الروبوت باعتباره «أول روبوت عائلي تفاعلي» وهو على أرض الواقع روبوت مكتبيّ بغايات اجتماعية، له شاشة تحاكي الوجه ويشابه «أليكسا» بالمهام إلا أنه يفضلها بمهارات الرقص ومخزون النكات التي يحب مشاركتها.


لكن الروبوتات اختفت بنفس السرعة التي ظهرت بها؛ في يوليو(تموز) صرّحت شركة «مايفيلد روبوتكس» بإيقاف إنتاج روبوت «كوري»، وبعد شهرٍ واحد من ذلك أعلنت إنهاء وجودها بمثابة الشركة بشكلٍ كامل. وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) أُلغيَ «جيبو» أيضًا، فضلًا عن انسحاب شركة «تيك توك» من المجال في فصل الربيع، والتي كانت تستكشف عالم الروبوتات المنزلية بالمثل. ما الذي حدث إذن لتنتهي سنة الروبوتات على هذه الشاكلة؟

 

عراقيل في مسار الروبوتات
واحدة من أكبر الإشكاليات التي وقفت عائقًا أمام انتشار الروبوتات المنزلية تتمثل بالجدوى، أو بالأحرى انعدامها. لم يقدّم روبوتا «كوري» و«جيبو» الكثير لمقتنيهم. كان «كوري» فاتنًا ولطيفًا، لكنه وفّر تفاعلات بسيطة جدًا ومكررة. يخبرك «جيبو» عن الطقس ويضبط لك المنبّه، لكنه عالقٌ فوق المنضدة ما يجعله بالنهاية مجرد مساعد شخصي مكلف (يبلغ سعره حوالي 900 دولار) لكنه أدنى بالذكاء والكفاءة بكثير من «أليكسا» مساعد أمازون الذكي.

البراعة والحركة هي ما يعد به مبدأ الروبوت المنزلي، وهي ما يفصله عن مساعدات الذكاء الاصطناعي المتوافرة بالفعل، لكن وكما توضح البروفسورة «دانييلا روس» مديرة مختبر علوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «ينبغي القيام بتلك الحركة لدعمِ شيءٍ يريده الناس، فمجرد وجود روبوت على سطح مكتبك يتحرك بطرقٍ مسلية ليس الشيء الذي نريده».


هنا يبدأ الإشكال الثاني في طريق صناعة وانتشار الروبوتات المنزلية كما يوضح الكاتب، فمعرفة ما يريده الناس فعلًا ليس بالأمر السهل نتيجة للتوقعات المحيطة بالروبوت الاجتماعي. ربما تكون توقعاتك أنت أيضًا ليست واقعية ولا ملائمة، ولن يقع اللوم عليك. لقد أثّر الخيال العلمي على أفكارنا وتوقعاتنا عن إمكانيات الآلات ومقدرتها الفعلية بشكلٍ كبير. تقول «د.كيت دارلنگ» الخبيرة الرائدة في مجال الروبوتات الاجتماعية والباحثة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «يتخيل الناس «روزي» من «ذا جتسونز» (وهي شخصية في مسلسل كرتوني أمريكي يرسم صورة لحياة الناس في المستقبل، وتكون روزي عبارة عن روبوت خادم للعائلة يؤدي المهام المنزلية ويتفاعل مع أفراد العائلة بشكلٍ حميمي).


لكن وكما تضيف الخبيرة: «إننا بالفعل في نقطة بدائية حيث الروبوتات المفيدة الوحيدة التي لا تخيب توقعات الناس هي أشياء من قبيل رومبا (مكنسة آلية)، روبوتات تفعل شيئًا واحدًا وتفعله بشكلٍ جيد جدًا».

«في طفولتي كنت أستيقظ مبكرًا جدًا كل صباح وأشغّل التلفاز لأبحث عن حلقات ذا جتسونز. لسببٍ ما، أحببت فكرة المستقبل الذي توجد به السيارات الطائرة، والحواسيب الخارقة، والأهم من ذلك كله، الروبوتات الخدم التي تتولّى الأعمال المنزلية»     *المعلّق السياسي والكاتب «بن شابيرو»

 

الشركات تتلاعب بمخيلاتنا أيضًا
يوضح الكاتب أن الأمر لا يقتصر على كتاب الخيال العلمي ومنتجيه فقط، فشركات الروبوتات نفسها تخلق التوقعات الخاطئة لدى الجمهور وتروّج لها. توضح الخبيرة «دارلنك» أن الكثير من مقاطع الفيديو التي يطرحونها هي مقاطع ترويجية للمنتجات، عوضًا عن نشر أشياء من قبيل: «هذا فيديو صادق يوضح كيف يبدو الروبوت وهو يسقط لخمسين مرة، عوضًا عن المرة الوحيدة التي سارت فيها الأمور على ما يرام».

للحقيقة هذه المسألة موضع خلاف في مجتمع الروبوتات. من الصعوبة بمكان إلقاء اللوم على الشركات المصنّعة التي تحاول بيع روبوتاتِها المنزلية عبر إنتاج مقاطع فيديو مبهرة تُظهِر فيها الآلات تنفذ مهامها –أو لنقل مقاطع أكثر تفاؤلًا من الواقع-. لكن حتى لو كانت الشركة لا تحاول بيع منتجها، فإنها تخاطر عادةً بالتأثير على فهم الجمهور لمقدرات الروبوتات الحالية وما يمكننا أن ننتظره منها في هذه المرحلة.

يذكر الكاتب مثالًا نموذجيًا لهذه السلوكيات من الشركات، ممثلًا بشركةِ «بوسطن دينامكس» وروبوتها الذي أبهر بفيديوهاته مستخدمي شبكة الإنترنت، يُدعى هذا الروبوت بـ«أطلس» وهو مصنوع على شكل إنسانٍ آليّ ثنائيّ الأرجل، وظهر له فيديوهات مختلفة في السنين الأخيرة وهو يقوم بشقلباتٍ محترفة في الهواء وحركاتٍ ماهرة تحاكي رياضة الباركور (تعتمد هذه الرياضة على فكرة السرعة والسلاسة في الانتقال بين موضعين والقدرة على التملّص من العقبات والحواجز المختلفة).


فيديو نشرته شركة «بوسطن دينامكس» يظهر روبوت «أطلس» وهو يؤدي حركات الباركور ببراعة

لكن «مارك ريبيرت» رئيس شركة «بوسطن دينامكس» كشف لاحقًا في مؤتمر «WIRED25» المنعقد في أكتوبر (تشرين الأول) أن الأمر تطلب منهم 20 محاولة في الحقيقة قبل أن يتمكّن الروبوت من القفز فوق الصناديق تلك. ونوّه «ريبيرت» في المؤتمر إلى نقطةٍ مهمة تخصّ الشركة: «في مقاطع الفيديو التي نعرضها عادةً ما نظهر السلوك الأفضل، إنه ليس السلوك المتوسط أو المعتاد. ونحن نفكر في الأمر باعتباره الهدف الطموح لما تفعله الروبوتات».

لم يزعم «كوري» أبدًا أنه قادر على القيام بالشقلبات والحركات الخطيرة مثل «أطلس»، لكن المسألة الحرجة هنا أن الناس بشكلٍ عام لديهم توقعات عالية مسبقة من الروبوتات. وبناء على ذلك، فإن التحدي الذي يواجه شركات الروبوتات الآن يتمثل بالتصريح بقدرات روبوتاتهم بصورة مباشرة، أو التلميح لها بشكلٍ حاذق بطريقة ما ضمن تصميم الروبوت نفسه. على سبيل المثال، صممت شركة «مايفيلد روبوتكس» روبوتها «كوري» ليتحدث بأصوات الرنين «بيب-بووب» بدلًا من اللغة البشرية ليدرك المستخدم أنه لا يتعامل مع ذكاء متقدم متمكّن من إجراء محادثةٍ كاملة.

وبالمقارنة هنالك مكنسة رومبا الآلية والتي تعتبر أبسط من ذلك بكثير، فهي بكل وضوح آلة مخصصة للشفطِ وحسب. تعقّب «دارلنگ»: «هذا ما يجعل رومبا رائعة للغاية. فهم الناس القيمة-لم تحاول أن تكون شيئًا آخر. ولكن كم هي المهام المنزلية بمثل تلك البساطة؟»


تعتبر مكنسة رومبا روبوتًا مثاليًا في هذه المرحلة، إذ يؤدي وظيفة محددة بشكلٍ جيد ولا تقدّم شركته المصنّعة أيّ وعود أو ادّعاءات أخرى بشأنِ قدراته

 

ناهيك عن روبوتيّ «كوري» و«جيبو» اللذين لا يملكان أذرعًا، لا يوجد روبوت يمكنه أن يصبح صديقك ويأتي لك بالمشروبات من الثلاجة في نفس الوقت. تظلّ مسألة التعامل مع الأجسام والأغراض أمرًا عويصًا في عالم الروبوت. ليس بسبب أن الروبوتات بعيدة جدًا عن براعة اليد البشرية وحسب، بل لوجوب إيجاد دقة بنسبةِ 100% إذا أردت لها أن تغسل الأطباق مثلًا، لأن معدل خطأ بنسبة 1% فقط يعني تحطّم واحدة من كل 100 آنية لديك. وهذا أمرٌ غير مقبول البتة في الحياة العمليّة.


ما تزال الروبوتات بعيدة جدًا عن براعة اليد البشرية ودقتها وحساسيتها البالغة

 
لكن الروبوت المنزلي ليس مستحيلًا
لا يعني أيًا مما سبق أن الروبوتات المنزلية لن تجد طريقها إلينا يومًا ما. تقول «دارلنگ»: أعتقد «أن تلك الأجهزة ما تزال سابقة لوقتها بعض الشيء. أعتقد أنها ستحدث-يحتاج فقط لأن يطوّر أحدهم تطبيقًا «قاتلًا» لهذه الأجهزة».

يرجّح الكاتب أن لا يأتي تطبيق مماثل من شركة ناشئة صغيرة مثل «جيبو» أو «مايفيلد روبوتكس»، بل من شركة تكنولوجية ضخمة مثل «أمازون» أو «آبل» أو «جوجل». تنتج هذه الشركات بالفعل مساعدين شخصيين أذكياء يوجدون في جيوبنا أو على مكاتبنا، وقد جمعت مشاريعهم الضخمة كميات هائلة من البيانات وهو تمامًا ما يحتاجه الذكاء الاصطناعي لتطبيق تلك المعرفة على روبوت (فكّر مثلًا باستخدام أليكسا لشراء أشياء معينة تحتاجها من أمازون). هذا كله يوصلها إلى مستويات هائلة تفوق الشركات الصغرى بكثير.


 

يشير الكاتب إلى وجود إشاعةٍ تفيد بعمل أمازون على تطوير روبوتٍ منزلي. نظريًا، لن يكون جهازًا بلا عيون ولا ملامح يجلس على المكاتب ويتلقى الأوامر، بل روبوتًا يمكنه المشاهدة والاستماع والتجول في أرجاء المنزل. لن يجلب لك مشروباتك من الثلاجة، ولكنه سيكون الخطوة الأولى نحو هذا النوع من الروبوتات المتقدمة.


يقول «ريان هيكمان»، أحد مؤسسي شركة «تيك توك» للروبوتات المنزلية الموقفة عن العمل حديثًا: «مجرد وضع كاميرا محمولة وشاشة على عجلات تدور في أرجاء المنزل يمنحك أمانًا منزليًا كاملًا، ومعلوماتٍ في متناول يدك، ومكبر صوت يتبعك. ستصبح الشركة التي تطلق شيئًا مماثلًا خبيرةً في الملاحة ومسح المكان وإعداد خرائطه، ومن ثم يمكنهم إتباع ذلك بروبوتاتٍ تستطيع التعامل مع العالم بشكلٍ فعليّ».

بعد ذلك، يمكن لجيل الروبوت المنزلي التالي سحب الألعاب إلى غرف الأطفال مثلا. يضيف «هيكمان» هنا: «حتى إذا لم تكن تضعه في صندوق الألعاب، فأنت تُخلي الأرضية حتى لا تتعثر الجدة بالأشياء». وربما لاحقًا يتمكن جيلٌ جديد من الروبوتات من إرجاع الأحذية إلى رفّ الأحذية، يتابع «هيكمان»: «وجيل لاحق سيبدأ بمسح الطاولة وغسل الأطباق. هذا ما يزال بعيدًا 10 سنوات عن الآن، لكننا نستطيع المشي قبل الركض بإنجازِ هذه الخطوات الصغيرة».

في نهاية المطاف، لم يقل أحدٌ أبدًا أن تحقيق حلم «ذا جتسونز» سيكون سهلًا على أيّ حال.


© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>