البشر كائنات تكنولوجية

27-09-2018 03:31 AM - عدد القراءات : 57
كتب كرم نعمة العرب
تتبلور في العالم اليوم حركة جديدة تحثّ الناس على العودة إلى الأصول من اجل استعادة أنفاسنا المستلبة. يوجد في الطبيعة كل ما يعيد لنا جودتنا كبشر التي قلت مع تحوّلنا إلى كائنات تكنولوجية.
 البشر كائنات تكنولوجية

ليس صحيحا أننا نستخدم هواتفنا الذكية لقضاء أمورنا الحياتية، أكثر من العبث والتسلية الفارغة والمشاكسة والإزعاج والوقوع في فخ السلوك الفظ.

لذلك لم يكن الكاتب الإنكليزي كريستوفر بوتر مفرطا في المغالاة عندما رفض اعتبار البشر جزءاً من الطبيعة وهو يعيد قراءة رؤية الإنسان لنفسه “بل كان البشر دوماً جزءاً من التكنولوجيا”. هذا لا يعني إلغاء التجربة التكنولوجية الحية التي وفرتها الهواتف الذكية للإنسان، لكنه لا يمكن التفريط بالتهذيب على حساب السلوك الفظ.

ألا يبدو الفرد مثيرا للاشمئزاز وهو يتحدث بين آخرين بهاتفه بصوت عال، بل أي تهذيب يحمله هذا الإنسان وهو ينشغل بهاتفه لأي سبب كان ويقطع حديث من كان معه في مجلس.

إعادة تلاميذ المدارس الفرنسية إلى قواعد التهذيب والتركيز واحدة من أسباب قانون ثوري طبق مع بداية العام الدراسي الجديد بحظر استخدام الهواتف الذكية في أي مكان على أرض المدرسة.

القانون الذي يستهدف التلاميذ لغاية 13 عاما يعد إحدى أكثر المحاولات جرأة حتى الآن لمعالجة المخاوف المتزايدة بين الآباء والمعلمين من أن جيلا متناميا من الأطفال ينمو ويدمن على الأجهزة المحمولة في جيوبهم.

طبيعة هذا الإدمان يصفه كتاب “علم النفس اليوم” لدالي آرتشر، كنوع من رهاب المصاحبة، الذي يولّد القلق والخوف بمجرد شعور الإنسان أن هاتفه ليس في جيبه، هذا الشعور يولّد فكرة غير حقيقية بكون الشخص خارج حلقة الأصدقاء والعائلة والعمل والعالم.

شركات الهواتف والاتصالات تشجع الباحثين ومؤسسات البحث العلمي على دراسات ترفض إدراج إدمان الهاتف الذكيّ ضمن الإدمان السلوكي كالإدمان الجنسي وإدمان التسوق، تحت مسوغ مشكوك فيه بأن هذا الإدمان الجديد لا يفي بمعايير تصنيف الأمراض.

يدافع الرافضون لاعتبار إدمان الهاتف الذكيّ مرضا، بأن التدخين والشرب المفرط للكحول قد يؤديان بوضوح إلى الإصابة بسرطان الرئتين وتليف الكبد، أما السلوكيات فهي ليست تشوّهات مرضية بحد ذاتها.

لا يريد القرار الفرنسي بحظر الهواتف في المدارس أن يقول إن الخطأ في الهواتف نفسها بل بسلوك التلاميذ في استخدامها المسبب لتشتت الذهن.

لذلك تتبلور في العالم اليوم حركة جديدة تحثّ الناس على العودة إلى الأصول من اجل استعادة أنفاسنا المستلبة. يوجد في الطبيعة كل ما يعيد لنا جودتنا كبشر التي قلت مع تحوّلنا إلى كائنات تكنولوجية.

نعم يوجد كل شي أيضا في الهواتف والإنترنت، لكنه لا يمنحنا الاطمئنان بقدر ما يزيد قلقنا ويشد أعصابنا، ويفرط برباطة جأشنا، وإلا ما تفسير لحالة شخص يمشي في الشارع وقد ربط سماعات الهاتف بأذنه ويتحدث بصوت عال مع شخص قد يكون في الجانب الآخر من العالم، بينما المارة ينظرون إلى شخص يتحدث مع نفسه، ألم يصنّف الأطباء الحديث مع النفس بصوت عال كمرض نفسي لا يمكن للعاقل المتزن أن يقع فيه.



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>