ثقافة الإستخبارات البريطانية تتأسس على قاعدة الدعاية الكاذبة

10-02-2018 06:11 AM - عدد القراءات : 938
كتب العرب -لندن
فجر عميل سابق في الاستخبارات الخارجية البريطانية إم آي 6 “فضيحة” تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية، واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الادعاءات بـ”الأخبار الكاذبة”، لكن ما لا يعرفه كثيرون أن الاستخبارات البريطانية نفسها، بقسميها الخارجي والداخلي، نشأت على أسس من “الأخبار الكاذبة”.
ثقافة الإستخبارات البريطانية تتأسس على قاعدة الدعاية الكاذبة
– أثناء التحقيقات الجارية حول تورط روسيا في الحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب، كسب “ملف ترامب” الشرعية في أذهان الكثيرين عندما أظهرت التقارير بأن الوثيقة جمّعها عميل سابق في وكالة إم آي 6. ففي عصر الأخبار الزائفة تمسك الكثيرون في الإعلام بالساعد الأجنبي من الاستخبارات البريطانية كمصدر لا غبار عليه.

ما يدركه قليلون (وما أدهشني عندما شرعت في البحث من جديد في آخر رواية تجسس قرأتها) هو أن إم آي 6 في حد ذاتها تأسست نتيجة لحملة متقنة من التضليل. ويقول متخصصون في عالم الاستخبارات إن “الأخبار الزائفة خلقت الجناحين الاثنين لوكالة الاستخبارات البريطانية، الأجنبي والداخلي”.

الغول الألماني

مع بداية القرن الماضي كانت الإمبراطورية البريطانية الأوسع والأثرى في التاريخ البشري. وكانت هذه الإمبراطورية أكبر من القدرة على الدفاع عنها، وهذه حقيقة برهنت عليها نكسات خلال سلسلة حروب في جنوب أفريقيا. وكانت الحكومة البريطانية قد تراجعت بتلكؤ عن نزعاتها المتسلطة ودخلت في اتفاقات مع خصومها الإمبرياليين الآخرين، وخصوصا فرنسا وروسيا.

لكن ظل الخصم الأكبر بالنسبة للبريطانيين هو ألمانيا، حيث شرع الألمان في توسيع قوتهم البحرية في بحر الشمال، وكان هناك جدل في بريطانيا حول الرد بالمثل، لكن لم تكن الحقائق هي التي أدخلت الناس في مثل تلك الحالة من القلق حول التوسع الألماني، بل هو الخيال.

في عام 1903 نشر الروائي ارسكين شايلدرز إحدى أولى روايات التجسس بعنوان “ألغاز الرمال”، تحكي عن رجل إنكليزي مقدام يبحر قبالة الساحل الألماني ويكتشف خطة سرية لغزو ألماني. حقق الكتاب نجاحا منقطع النظير في المبيعات وأدى إلى صدور مجموعة من الروايات التي تعتبر نسخة مقلدة لهذه الرواية الشهيرة، وكان أغلبها يقوم على وجود “جواسيس ألمان متوحشين” ألفها كتّاب مثل وليام لي كو وجون بوشان.

وهكذا بدأت “حمى الجواسيس” في الاستحواذ على بريطانيا. وكانت الصحافة الشعبية هي التي أشعلت وشجعت، وبمعنى حقيقي، خلقت هذه الحمى، إذ في عام 1906 قامت إحدى الصحف الأكثر مبيعا، وهي صحيفة “ديلي ميل”، بكتابة قصة مسلسلة عن غزو ألماني لبريطانيا.

وبمساعدة خبراء عسكريين متقاعدين، مثل رئيس الأركان السابق وبطل الحرب اللورد فريدريك روبرتس، رسم لي كو خطة هجوم قابلة للتنفيذ، لكن الصحيفة رفضت النسخة الأولى قائلة إن أي “غزو” لا بد أن يعبر المدن التي تريد الصحيفة أن تزيد من رواجها فيها.

وامتثل لي كو (الذي تبين أنه من أوائل المتقنين للدعاية) وأنتج سلسلة من الحلقات المذهلة، والمضحكة بكل وضوح، تروي تفاصيل احتلال ألماني. وفي وقت لاحق تم نشر المقالات في شكل كتاب حقق نجاحا باهرا تحت عنوان “غزو 1910”.

ولا تكتفي هذه الدعاية المصنعة برسم صورة لبريطانيا على أنها مليئة بالجواسيس الألمان، بل توجه كذلك ضربة قوية للمهاجرين من كل الجنسيات، وتلقي باللوم عن ضعف القيادة على غياب الأرستقراطيين في الحكومة وترى أن البلد أصبح ليّنا بسبب فرض الضرائب.

ومع نهاية عام 1908 وصلت هذه الحمى إلى درجة جعلت بعض الأفراد من عامة الناس يبعثون بالمئات من الرسائل تروي تفاصيل عن جواسيس ألمان في مناطقهم. وكان كتاب لي كو التالي (بعنوان “جواسيس القيصر”، ويحكي عن الجواسيس في المملكة المتحدة) أكثر نجاحا من الكتاب الأول، وشرع لي كو في قصف مكتب الحرب بهذه القصص، ووجد الكثير منها طريقه أيضا إلى الصحف. وكانت الحكايات عن الجواسيس الألمان بالطبع تزيد من مبيعات الصحف.

تم إنفاق حوالي 200 ألف جنيه إسترليني في عملية (سوداست) من أجل التخلص من الرئيس المصري حينذاك جمال عبدالناصر، عبر استراتيجية الدعاية والأخبار الكاذبة

وفي نهاية المطاف، في عام 1909، شعرت الحكومة البريطانية بأنها مجبرة على القيام بتحقيقات، وهكذا عكف المسؤولون على العمل على تحقيق في موضوع الجواسيس الألمان على الأراضي البريطانية، لكن لم يصل هذا التحقيق إلى أي شيء، إذ لم يكن هناك دليل يوحي بوجود مجرد شبكة واحدة من الجواسيس.

وعندما اتسع نطاق التحقيق أكثر في البعض من هذه القصص، وجد أن أحد “الجواسيس” كان أستاذا في جامعة أكسفورد اعتاد على أن يقسم باللغة الألمانية بأن يتحاشى إهانة الآخرين، وتبين أن “نادلا ألمانيا” مشتبها به كان في حقيقة الأمر سويسريا وليس ألمانيا، ودار رعاية المسنين “الشريرة” في مدينة سوفولك تبين أنها دار رعاية مسنين عادية جدا. وفي آخر الأمر لم تكن هناك حالة تستوجب توسيع التحقيق أو الرد على استفسارات العامة.

وعلى الرغم من ذلك، أوصت الحكومة الليبرالية بتأسيس مكتب استخبارات منقسم إلى قسمين، أحدهما يعمل على الجبهة الداخلية ومكافحة التجسس، والآخر يتولى عمليات التجسس لصالح بريطانيا في الخارج.

ويقول اتش بي ليال، مؤلف كتاب “انعدام النظام”، إن “ذلك صحيح، لقد علموا بأن تهديد الجواسيس الألمان في بريطانيا ضئيل، لكنهم مضوا قدما في تأسيس جهاز لمجابهتهم، إذ لم يكن هناك خطر عسكري حقيقي في عدم فعل أي شيء، لكن كان هناك خطر سياسي شديد في أن ينظر إليك على أنك لا تفعل شيئا”.

ويمكن بسهولة تكهن الأهمية الحقيقية التي توليها الحكومة لمكتب الاستخبارات في ذلك الوقت، ففي بداية تأسيسه لم يكن المكتب يضم غير موظفين اثنين فقط. كان كابتن فارنن كيل يترأس القسم الداخلي المسمى أم آي 5 أثناء الحرب العالمية الأولى، وكان السير مانسفيلد كامينغ يدير القسم الخارجي أو أم آي 6. ولم تتحول إم آي 6 إلى الحالة التي نعرفها الآن إلا بحلول الحرب.

استهداف الشرق الأوسط

على سبيل المثال كشفت وثائق سرية أفرج عنها الأرشيف البريطاني في سبتمبر الماضي، فتح مدير جهاز إم آي 6، في مرحة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حسابا سريا يتم تمويله مقابل تنفيذ عمليات نوعية لزعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. واستخدم السير ستيوارت منزيز هذا الحساب السري من أجل تمويل عمليات سرية التي تتمثل في عمليات اغتيال وإطاحة بنظم الحكم التي اعتُبرت حينها مزعجة للبريطانيين.

وظل هذا الحساب السري، الذي كان يضم مبلغا بقيمة 1.4 مليون جنيه إسترليني (أي ما يعادل تقريبا 39 مليون جنيه إسترليني في الوقت الحالي)، مخبأً بعيدا عن أعين المسؤولين الحكوميين، وحتى من المدير المالي في جهاز الاستخبارات نفسه.

وحذرت الوثائق من أن هذا التمويل قد أعطى الفرصة لرئيس الاستخبارات البريطانية القوي، المعروف حركيا بلقب “سي”، بتنفيذ سياسته الخارجية غير الرسمية.

وتنص الوثائق على أن “استخدام ’سي’ لمثل هذا التمويل غير الرسمي من دون الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الخارجية، كان على وشك من أن يمكنه من تنفيذ سياسات غير تلك التي وافقت عليها وزارة الخارجية ومن دون علمهم”.

وأوضحت الوثائق أن صندوق التمويل السري قد أُنشأ فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقال السير ستيوارت حينها إن الأموال تم الاحتفاظ بها في حال احتاج إلى تقديم رشوة للمسؤولين الأجانب أو حماية دوائر الخدمة السرية من خفض الميزانية.

اتش بي ليال: لم يكن هناك خطر عسكري حقيقي في عدم فعل بريطانيا شيئا، لكن كان هناك خطر سياسي شديد في أن ينظر إليك على أنك لا تفعل شيئا

ولا تزال مصادر تلك الأموال التي احتفظ بها السير ستيوارت لتمويل عمليات الاغتيال وزعزعة استقرار الشرق الأوسط، يشوبها الغموض، ولكن يتكهن الخبراء أن تكون الولايات المتحدة قد ساعدت في هذه الاستراتيجية.

وتشير الملفات السرية إلى عمليات تحت مسمى “سانت” و”سكريم” و”سوداست” و”ستراغل”، وإرسال فرق سرية خاصة ضد السودان وعمان ولبنان وسوريا ومصر. وقد تم إنفاق حوالي 200 ألف جنيه إسترليني فى عملية “سوداست” من أجل التخلص من الرئيس المصري حينذاك جمال عبدالناصر.

وكانت عملية “سوداست” تقوم على نشر الأخبار الكاذبة وتبني استراتيجية دعائية تهدف إلى التأثير على الروح المعنوية للمصريين، ودفعهم إلى الثورة على عبدالناصر، في وقت كانت الإمبراطورية البريطانية تتحلل عمليا.

واستخدم في هذه العملية صحافيون وإعلاميون، بالإضافة إلى قوى سياسية ودينية كبيرة في مصر، لكنها في نهاية المطاف لم تأت بأي أثر.

وكان عبدالناصر قد خرج للتو منتصرا من حرب السويس، التي ينظر إليها على نطاق واسع بين الخبراء البريطانيين باعتبارها نقطة التحول الرئيسية في مسار تراجع الإمبراطورية البريطانية بشكل متسارع. وشعر السير منزيز وقتها أن مرحلة ما بعد السويس ستشكل ضربة قاصمة بالنسبة لوكالة إم آي 6.

ويقول ليال “يمكن تلخيص قدر الاستخبارات البريطانية في أن جذورها تعود إلى حملة مدبرة وبسيطة من الأخبار الزائفة، حيث جعل الخيط بين الحقيقة والخيال ضبابيا بشكل متعمد لأسباب سياسية”.

ومن الواضح أن ملف ترامب نفسه ليس مثالا على الأخبار الزائفة، كما أن وكالة الاستخبارات البريطانية ليست مزودا للقصص الخيالية، لكن هذا الخيط المتحوّل (بين الأخبار الحقيقية والأخبار الزائفة، بين وكالات الاستخبارات والسياسيين الذين يسعون إلى السيطرة عليها) ظل مسألة مطروحة لأكثر من قرن من الزمن. وكما يقول المثل، كلما تغير الحال كلما بقي على حاله.



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>