دوريات - قضايا استراتيجية
هل نحن قادرون على تحقيق السعادة في العصر الرقمي ؟

: 306
الأربعاء,26 يونيو 2019 - 09:08 ص
كتب د.عادل عبد الصادق*
مجلة الديموقراطية - مؤسسه الاهرام ، العدد 73 يناير 2019 ،ص ص 113-120

أحدثت الثورة العلمية والتكنولوجية تحولات مادية هائلة سرعان ما احدثت بدورها ثورة اخرى على المستوي الكيفي والنوعي لجودة حياة الانسان،وبرزت على اثر ذلك اشباعات وانماط وتطبيقات جديدة تتوافق مع رغبة كل فرد وكل جماعة على نحو اكثر اتساعا وتنوعا للتأثير في السمع والبصر والفؤاد ،وانعكاس ذلك المزدوج على الصحة النفسية والعقلية

هل نحن قادرون على تحقيق السعادة في العصر الرقمي ؟
اضغط للتكبير
،وليطرح معه العديد من التساؤلات حول  طبيعة العلاقة بين التكنولوجيا والسعادة ؟ وما هو التغير الذي أحدثه  في مفهوم   السعادة ؟وهل هناك علاقة بين الانترنت وهرم "ماسلو" للاحتياجات الإنسانية ؟وما هي منصات وتطبيقات السعادة الجديدة ؟ وهل يمكن قياس السعادة في العصر الرقمي ؟ وكيف يمكن الحافظ عليها ،وكيفية تحقيق التوازن ما بين الاندماج في هذا العالم والحفاظ على إرادة الإنسان الحرة؟

مفهوم جديدة للسعادة في العصر الرقمي .    

  ترتبط الحالة الشعورية للناس بما يتعرضون له من أحداث وأفعال وافكار،وينعكس ذلك على ثقافتهم ونمط تفكيرهم ،ومن ثم فان تلك الحالة النفسية عرضة للتغيير المستمر وفقا للمؤثرات الداخلية والخارجية وتوظيفها  في الاستجابة للتغيرات في بيئتهم المحيطه.[1]

وتتعدد التعريفات وتتباين الآراء حول مفهوم السعادة ، وكيفيتها وفق طبيعة الزمان والمكان والثقافات المتعددة ،بل طرق معالجتها ما بين المداخل النفسية والفلسفية .

فـ" السعادة"  لا حدود لها لانها ترتبط بالامال والطموح،لذا انه سيظل الجميع يبحثون عنها دون سقف ، لاشباع الرغبات المادية سواء اكانت شهوانية او غريزية أو بالبحث عن الامور المعنوية والروحانية .

 و تبنى  "ابرهام ماسلو"  Abraham Maslow  نظريته  "للاحتياجات الانسانية" و التي جعلها في شكل هرمي يضم من القاعدة الى القمة الحاجات الفسيولوجية ثم  تقدير الذات والرغبات الروحية في القمة.[2]ولاشك انه في ظل الثورة العلمية والتكنولوجية قد تغيرت وتيرة تلك الاحتياجات وطرق الحصول عليها واولوياتها ،ولطالما كان الهدف الاسمي للتكنولوجيا هو العمل على  اسعاد البشريه ، والتغلب على الصعاب والتحديات  سواء عبر توفير منجزات مادية ،او عبر توفير تطبيقات جديدة ذات طبيعة معنوية أو روحية ،وفي إطار استثمار دور اللذة والمنفعة والألم في تحريك النفس البشرية[3].

وترادف ذلك التطور في بروز  ثلاثة ابعاد جديدة تربط بين السعادة والتكنولوجيا ، البعد الاول، يتعلق بتغيير القيم المحفزة من خلال القدرة على اتخاذ القرار او رد الفعل للحصول على السعادة ، والبعد الثاني، يتعلق  بالرؤية التي ترتبط بدور الشركات التكنولوجية المقدمة للخدمات للملايين من الناس عبر العالم ، والبعد الثالث ،يتعلق بالفلسفة التي ترتبط بان الثورة العلمية والتكنولوجية أتاحت الفرصة للسعادة لكل شخص يمتلك أساسيات التواصل . Image result for digital happiness

وقدمت تلك الابعاد لظهور ما يعرف بـ"السعادة الرقمية " Digital Happiness" ، والتي تعبر عن تلك  الدرجة التي ينظر بها الشخص إلى التكنولوجيا الرقمية على اساس أنها تساهم بشكل إيجابي في تعزيز المشاعر الإيجابية ، والمشاركة ، والعلاقات ، والمعاني ، والإنجازات، وتعزيز الرفاهية الفردية والاجتماعية.".

وجاء هذا التحول في ظل  ارتباط الملايين من البشر في عالمنا المعاصر بالتطبيقات التكنولوجية سواء كمصدر معرفي او مصدر للترفيه والتسلية او البحث عن الذات باعتبارها فرصة لتكوين الثروة وتكوين رأس المال المادي والبشري .

والذين اصبحوا ملتصقين بتطبيقات العصر الرقمي على النحو الذي جعل بعض العلماء يضعون الاحساس بالاتصال مع  الانترنت في قاعدة هرم الاحتياجات الإنسانية ،ومبعث ذلك ان فقد الاتصال يؤدي الى الإحساس بالنقص النفسي والمادي للشخص ، وهو الامر الذي تطور باعتبار الحق في الاتصال بالانترنت هو حق من حقوق الانسان ، ونشا ما بات يعرف بحقوق الانسان الرقمية Digital Human Rights'  " وتم تضمين ذلك بالمواثيق الدولية وعدد من الدساتير المعتمدة في دول العالم

ومن ثم أصبحت رؤية ذلك التطور وانعكاسه على السعادة ليس مرتبطا فقط بالدور الذي يلعبه في إحساس الشخص  بالرضا وطمأنينة النفس, وتحقيق الذات, والشعور بالبهجة والاستمتاع واللذة,بل بمدى كون تلك السعادة طويلة او قصيرة الاجل ،ومدى احترام الارادة الحرة المستقلة للفرد في القيام بالسلوك، واحساسة بالامان واحترام خصوصيته في ذلك العالم الرقمي ،ودرجة ارتباط الاحساس بالسعادة بالوضع في العالم الرقمي او بالمزج ما بين الرقمي والواقعي.[4]

وذلك بافتراض حيادية تلك التطبيقات الرقمية فان ما يعمل على تكوين نمط الاستخدام ذاك هو ثقافة المستخدم وحالته النفسية او المزاجية الى جانب سياقة الاجتماعي الذي يعيش فيه وهو ما يشكل في الاخير "الرغبه"، ومن جهة اخري تلعب التطبيقات  دور "المحفز" و"الجاذب" مع خصائصها المتميزة ،

ثانيا ، التكنولوجيا والمنصات الجديدة للسعادة.

 بدأت رحلة تأثير التكنولوجيا في سعادة الانسان منذ وجودة على الأرض واكتشافه للنار عبر ضرب حجرين معا ،وبذلك قد تغلب على الحيوانات المفترسة واستطاع ان يحسن جودة حياته باختراع الطهي ،وحمايتة من البرد القارص ،بل واستخدمت كذلك اعلانا للحرب.

وبدأت رحلة الانسان بتوظيف العلم والتكنولوجيا للتغلب على عقبات الجغرافيا وطول المسافة وفي تطوير نمط معيشته ، وجاء ذلك عبر صيروره من التطور بالانتقال من الفحم إلى المحرك البخاري في القرن الثامن عشر فيما عرف بالثورة الصناعية الاولي ،والثانية باختراع الكهرباء  في نهاية القرن التاسع عشر ،والثالثة، بإطلاق عملية تحويل حركة الإنتاج الى "الآلية" ، والتطور في تكنولوجيا الكمبيوتر والانترنت، في ستينات من القرن العشرين.وجاءت الثورة الصناعية الرابعة" بعملية الدمج بين العلوم الفيزيائية أو المادية بالأنظمة الرقمية والبيولوجية،وهي مرحلة شهدت  عمليات التصنيع عبر آلات يتم التحكم فيها الكترونيا وآلات ذكية متصلة بالانترنت.[5]

 وبرزت تطبيقات عديده في كافة مجالات الحياة والعمل ، ومنها تطبيقات تتعلق بالصحة والجمال والادوية والجينات الوراثية ومكافحة الامراض والاطراف الصناعية ،وتطبيقات تتعلق بالذكاء الاصطناعي والروبوتات ،وتطبيقات تتعلق بالتواصل مع الاخرين والشبكات، وتطبيقات تتعلق بالترفيه والتسلية والاعلام،وتطبيقات تتعلق بالرفاهية في السكن والانتقال والسفر وتطبيقات اخري تتعلق بالاختراعات العلمية وغزو الفضاء وغيرها ،وهي تطورات مثلت نقلة هائلة للحضارة الانسانية وتحقيق الرخاء والسعادة للبشرية وبخاصة التطبيقات ذات الطبيعة الرقمية مثل ،شبكات التواصل الاجتماعي ،الالعاب الالكترونية ، والتسوق الالكتروني ، والمصادر المفتوحة للمعرفة ، السينما والترفيه ،والموسيقي ، وبناء القدرات والتدريب والتعليم المستمر عبر الانترنت ، اتاحة الفرصة للتعاضد الانساني في الازمات والكوارث ، الحصول على فرص عمل ودخل عابر الحدود ، والتعرف على الثقافات المختلفة ، اقامة التجمعات الافتراضية ،واتاحة ادوات سهلة للراي والتعبير ، ورخص التكلفة وسهولة الاستخدام والانتشار ، انتقال الرموز الثقافية والروحية وغير ذلك الكثير.. وهو الامر الذي يكشف عن ، اربع متغيرات رئيسية ترتبط بعلاقة التكنولوجيا بالسعادة ، وهي ، اولا ، القدرة على التحديد "Identify.لشكل العلاقات و الشبكات والرغبات والاحتياجات. وثانيا ، هي القدرة على الاتصال. Connect"حيث ان الاتصال بالاخرين يجعل الناس سعداء مع تقوية علاقاتهم  الاجتماعية.وثالثا ، متغير اخر يرتبط بقدرة التكنولوجيا على اعطاء الفرصة للشخص في "التتبع " "Track:، وذلك سواء لنشاطه الرقمي او حتى حالته الصحية او طبيعة علاقاته الاجتماعية او ردود الافعال على حركته ،وهو ما ينعكس ايجابيا على رفاهيته وصحته وسلوكة الاجتماعي ورابعا، يتعلق بقدرة التكنولوجيا  على ارساء النظام " Order " والترتيب للجداول الزمنية والمسؤوليات والاهتمامات والمهام والانشطه ووضع الاجندة اليومية  .

ثالثا ،  السعادة بين الزيادة والنقصان  في العصر الرقمي

  نمت عدة اتجاهات في تحليل وتفسير علاقة التكنولوجيا بالسعادة ، فهناك من يرى انها اكبر مزعج للسعادة في تاريخ البشرية ، وهناك من يرى انها لا تعبر سوى عن كونها عملية زيادة  القدرات المساهمة في نمو الاتجاه الايجابي نحو السعادة.وهناك اتجاه ثالث  يرى ان عملية الحكم على دور التكنولوجيا في السعادة يتوقف بالاساس على استخدام الفرد .

 ومن ثم فانها لا تقوم بالضرورة باشباع رغبات الافراد ،بل تقوم كذلك بتشكيل الميول والرغبات لدى الملايين من المستخدمين.وهو ما يمثل تحدي مواجهة  الاستخدامات السلبية،وتعزيز الفرص الايجابية التي توفرها، وتحقيق التوازن بين التفاعل الانساني وبين التفاعلات الالكترونية والحد من الاثار الضارة للصحة النفسية للفرد وعلاقته مع الآخرين.

وفي هذا السياق قام "راندال كولينز"استاذ علم الاجتماع  بجامعة بنسلفانيا ، بإجراء أبحاث على الشبكات الاجتماعية ومدي تاثيرها على  قوة الروابط بين الناس.وخلص الى أن أعضاء الفريق عندما يتفاعلون جسديا من خلال العادات ولغة الجسد ، والإشارات الاجتماعية ، يطورون روابط أقوى مع بعضهم البعض. ويتم إنتاج تفاعلات بيولوجية تسمى هرمونات السعادة في المخ ومنها  هرمون "الأوكسيتوسين"[6]،وهو مسئول عن تعزيز العاطفة.

ومن ثم فان الوجود الجسدي  هو وسيط مثالي لنقل وتطوير مشاعر التضامن وإطلاق الطاقة العاطفية. ويؤثر إيجابيا بالشعور بالسعادة ،وهو ما يعلي من الروح الجماعية على النزعة الفردية[7] .

ومواجهة تركيز التفاعل الالكتروني على الكم وليس الكيف وعلى التفاعل اللحظي وليس الدائم وعلى جذب الانتباه وليس تحريك العقل ، وعلى الاستقطاب وليس الانفتاح ،وعلى الخيال في مقابل الواقع ،والعضوية في تجمع افتراضي بعيدا عن التجماعات المادية، وتغيير مفاهيم الصداقة والحب والتعاضد الاجتماعي ،وذلك على الرغم من ان وسائل التعبئة الجماعية عبر الانترنت مثل الشبكات الاجتماعية ساهمت في جمع التبرعات و مواجهة الكوارث الطبيعية والانسانية وتعزيز العمل الخيري والتطوعي الذي يجلب السعادة ولكنها ارتبطت بالاساس بالانتقال من نمط النشاط الالكتروني الى التفاعلات على الارض او التوازي بينمها.

 وهو ما يجعل منه تفاعلا اجتماعيا مستداما ، وتحويلة الى قوة ايجابية تجلب السعادة  في مقابل مخاطر الشعور بالعزلة والاكتئاب ،اوالشعور بضياع الوقت او المال دون جدوي.

واثرت التطبييقات الرقمية سلبا في الذاكرة البشرية ، وتراجع جودة الانتباه والتركيز و مستوى الصحة العقلية بفقدان الصلة بالمخ ، وتغير طبيعة العلاقة مع الآخرين، وتراجع القدرات  الطبيعة على التواصل،

ومن جهة اخري برزت عمليات التقدم في رقابة السلوك الإنساني سواء بتتبع نشاط المستخدم  او تحوله إلى مجرد محتوى يتم بيعه وتوظيفه على نحو يخالف إرادته وخضوعه إلى سيل من الإعلانات التي يتم إجباره على رؤيتها ،والتعرض للتجسس وانتهاك الخصوصية .

وتهديد تطبيقات الذكاء الاصطناعي  باختفاء50% من الوظائف ، والاتجاه الى زرع شرائح الكترونية تحت الجلد تكون بديلا للهوية الرقمية ، والتطور في مجال علوم تحرير الجينات الوراثية والتي ستعمل على الانتقال الى داخل الانسان لمعرفة ماذا يريد وإعادة هندسته ،الى جانب التاثير علي سلوكة الخارجي عبر البيانات الرقمية التي يتم التحكم بها وبثها من اجل التأثير في العقل وفي الوعي كذلك .