مقالات -
هل تمثل العملات الرقمية تهديدا للاقتصاد والأمن القومي ؟

: 97
الاحد,25 نوفمبر 2018 - 09:49 ص
كتب د.عادل عبد الصادق*
المصدر "دورية رؤى مصرية ،مركز الاهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية ، مايو 2018

تطرح عمليات التحول الرقمي من حين لأخر فرص وتحديات أمام المجتمع نتيجة لحجم المكاسب المتوقعه وفي نفس الوقت القابيلة للتعرض للمخاطر المفترضه ،ويحتل البعد الاقتصادي عاملا مهما الى جانب الابعاد الاخري ، وذلك لارتباطه بحركة الاقتصاد والاعمال والافراد وبخاصة في ظل الاقتصاد الرقمي ،والذي أصبح يلعب دورا في النمو الاقتصادي ، والذي يلعب فيه الإبداع والابتكار الدور الرئيسي ،وفي ظل الادوات الرقمية والتطبيقات المالية التي أصبحت تتيح الفرصة في تنشيط العمليات المالية في القطاع المصرفي في ظل التجارة الالكترونية وتقديم الخدمات الالكترونية.

هل تمثل العملات الرقمية تهديدا للاقتصاد والأمن القومي ؟
اضغط للتكبير

  ومع التقدم في تقنيات التشفير برز ما بات يعرف بـ " سلسلة الكتلة " كمنصة لنشر واستخدام وتعدين العملات الرقمية ،والتي تصاعد دورها في إدارة الاستثمارات وتبادل رؤوس الأموال، وتحولت من مجرد ابتكار مالي - رقمي إلى واقع يشهد حالات من المدّ والجزر في البيئة المالية العالمية،وذلك سواء ما يتعلق بحركة وقيم التعاملات أو بموقف العديد من الدول من شرعنتها والتعامل معها .ومدى تأثير ذلك في الاقتصاد الوطني والأمن القومي.

وهو الامر الذي يطرح العديد من التساؤلات لعل من اهمها ، ما هي طبيعة القدرات التي توفرها التقنية الاساسية للعملات الرقمية ؟ وما هي تداعيات ذلك على تمكن فاعلين من غير الدول في انتاج وتداولها خارج السيطرة التقليدية للدولة ؟ وما هو تاثير تلك الفجوة المعرفية حولها في تفاوت القدرات الاقتصادية بين الفاعلين ؟وهل يمكن تعطيل وحظر التعامل مع العملات الرقمية سواء على مستوى النشر او العمليات ؟ وما هي المخاطر التي تواجهها ومدى تاثيرها على الاقتصاد القومي ؟وهل يمكن ان تسخدمها الجماعات الارهابية في تمويل نشاطها ؟ وما هو الفارق بينها وبين الجريمة المنظمة وما هي تاثيرها على السلطة السياسية وسيادة الدولة ؟وما هو مستقبل العملات الرقمية في ظل الحفاظ على الامن القومي ؟

 التطوّر نحو العملات الرقمية
يفضل العديد من مستخدمي العملات ان تتم العمليات داخل نظام مستقر ومرن وسهل الاستخدام ،سواء اكانت ورقية او معدنية او رقمية ،ولكن تختلف الاخيرة في طبيعتها غير المادية ولا يتم اصدارها من السلطة المالية المركزية داخل الدولة او لا يتم توفير غطاء من العملات الأجنبية او الذهب لها.[1]

و تم استخدام العملات الذهبية كمخزن للقيمة ووحدة للحساب، ووسيط للتبادل منذ ما لا يقل عن 700 عام قبل الميلاد ، وأصبح الذهب بصفته كعملة له الكثير من الخصائص ،وكانت إمدادات الذهب في العالم وفيرة بما فيه الكفاية للحفاظ على استخدامها كعملة، ولكن ليست وفيرة بمعنى أن تتآكل قيمتها وذلك على نقيض المعادن الاخري مثل "البالتين" النادر جداً أو"الألمونيوم" الوفير. ويتم تقسيم الذهب بسهولة، مما يجعله سهل القياس.[2]

على الرغم من أنّ نقود الذهب والفضّة يمكن أن تصدر من قبل الحكومة، فإنّ قيمتها تكمن في المقام الاول في الوزن والنقاء. ونتيجة لذلك، فإنّ إنفاذ قيمة عملة معتمدة على سلعة أساسيّة لا يتطلب بالضرورة تدخل السلطة المركزيه. إن العملات القائمة على السلع الاساسية هي أيضاً غير مرئية إلى حدكبير ،ولا يوجد تسجيل للعمليّات التي تُستخدم فيها العملة يساعد في تعقُّب المستخدمين أو تقدير حجم التعاملات. [3]

 ورغم أنّ معظم العملات القائمة على السلع الاساسية قد حافظت على قيم مستقرة على مرّ الزمن،فانها كانت عرضة كذلك لتقلّبات في القيمة تتخطّى سيطرة أيّ من السلطات النقديّة، وذلك على أساس ان قيمة العملة تعكس العرض والطلب على السلعة.

وعلى مرّ الزمن، حولّت معظم الدول عملاتها من تلك القائمة على السلع  الاساسية إلى العملات الورقيّة. والتي ما هي الا عملات رسميّة صادرة عن السلطة المركزيّة بمرسوم لتكون عملة قانونيّة ليس لها أيّ قيمة ذاتيّة، وتكون فقط قابلة للتحويل إلى سلعة مثل الذهب وفقاً لتقدير السلطة المركزيّة.

ومن ثم فان قيمة العملات الورقية ترتكز على ثقة مستخدميها بأن السلطة المركزية –المخولة باصدار البنكنوت - ستكون قادرة على الحفاظ على قيمة العملة. وتميزت العملات الورقية بمزايا رئيسية مقارنة بالعملات القائمة على السلع الاساسية . فهي أخفف وزناً وأسهل في الاستخدام، وذلك على الرغم من أنّه لايزال من الصعب نقلها -التعامل بها- عبر المسافات، وهي الى جانب ذلك توفّر المزيد من النفوذ للحكومات للسيطرة على السياسة النقدية والمالية.

وذلك من اجل الحفاظ على قيمتها، والذي يعتمد على سياسات الاقتصاد الكلي للحكومات ،وقد يواجه تقلبات كبيرة، حتى تفقد العملة الورقيّة قيمتها كليّاً كما يحدث خلال فترات التضخم .

وقد عززت  الابتكارات المالية القدرة لإجراء عمليات اقتصاديّة تتخطّى القيود التي تفرضها العملة الماديّة، فظهرت "الشيكات " او الكمبيالات "[4] في اثناء المعارض التجارية الأوربية ،والتي أُقيمت في  خلال عام 1200 لتسهيل التجارة دون الحاجة لشحن كميات كبيرة من الذهب من مدينة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر.[5]

ولقد أتاح وجود المزيد من الابتكارات التكنولوجيّة الحديثة للمستخدمين الابتعاد عن نُظُم الصرف الورقية كالشيكات والتوجّه إلى الانظمة الالكترونيّة كبطاقات الدفع الآلي التي تُمسح بواسطة قارئ بطاقات عند نقطة البيع"الفيزا او الماستركارد" ،الى جانب التطبيقات المالية عبر الهواتف الذكية .

وعلى الرغم من ظهور العملات الرقمية في السنوات الاخيرة الا انها تعتمد  أيّ حكومة بعد أيّاً منها كعملة رسميّة، ومع ذلك فهي تمثِّل قيمة لمجتمع معيّن يستخدمها كوسيلة للتبادل.

وتم تصميمها  لتكون بمثابة مخزن للقيمة ووحدة حساب ووسيط للصرف داخل مجتمع من ذوي الاهتمام المشترك ،وذلك على الرغم من ان هذا المجتمع لا يشغل بالضرورة وحدة جغرافيّة أو سياسيَة واحدة. ولا تستند إلى احتياطي من الذهب يبرر قيمتها الشرائية.والتي صممت للاستخدام في الاقتصاد الحقيقي وقابل للصرف مقابل العملات الورقيّة الصادرة عن الحكومة.[6]

 وباستكمال المقارنة مع العملات الذهبية، فإن العملات الرقمية تشارك الذهب في العديد من خصائصه، حيث انه يتوفر فية عنصر الندرة بوجود كمية محدودة من العملة في التداول.وذلك على غرار سلعة مثل الذهب، فإن سعر صرف البتكوين يمكن أن يكون متقلِّباً. إن البتكوين قابلة للقياس والقسمة بسهولة.

وعلى نقيض الذهب فان "العملات الرقمية "-علي سبيل المثال-  قابلة للنقل بسهولة ولا تحتاج إلى عبور الحدود الدولية كعملة مما قد يزيد في سهولة استخدامها ويقلّل من تكاليف العمليات عبر الحدودإضافةً إلى أنّها تشكّل تحديّا لإنفاذ القانون والجهود الاستخباراتية ولا تعتمد على وجود سلطة مركزية لحماية قيمتها.

واصبحت سمة رئيسة للعملات الرقمية ولكنها تعتمد على الثقة والعرض والطلب وعلى الاليات اللامركزية .وعلى مجهولية العمليّات الفرديّة ومجهولية أنماط العمليّات.

 سلسلة الكتلة منصة لنظام مالي جديد
مع حالة الانتشار والتمدد لخدمات وتطبيقات الانترنت تسارعت وتيرة العمليات المالية بين المؤسسات المالية والدول والافراد ،وان كان التعامل التجاري يتم بين طرفين او اكثر فان عنصر الثقة محور هام في اتمام ونجاح حركة التعامل ،وهو ما قدمته عملية التطور في تقنيات "التشفير " ، والتي كان من اهم ملامحها تقنية "البلوك تشين "
Block-Chain " ، والتي تعد ببساطة بمثابة "شهر عقاري" يتم من خلاله رصد كافة التعاملات وبشكل يجعلها غير قابله للتكرار او التلاعب ،وذلك من خلال تسجيل كافة انواع التعامل .

وتعتمد على التشفير المباشر بين شخصين في التعامل الذي يتم مباشرة بين الأطراف ودون الحاجة الى وسيط مصرفي ولا توجد رسوم تحويل او عمولات.وتتطلب عملية اصدارها تجهيزات فنية معقدة في الاستخراج والتعدين [7]

وأصبحت بذلك "سلسة الكتلة "منصة لبروز العملات الرقمية وتعددها على الرغم من تفاوت اسعار  تداولها او قيمتها السوقية، وتميزها بان تعاملها يتم فقط من خلال وسيط الكتروني وسهولة تداولها بغض النظر عن المكان او الزمان ناهيك عن السرية والخصوصية للمتعاملين من خلالها ، وقد بلغ حجم سوق العملات الرقمية ما يزيد على 80 مليار دولار ،كان نصيب عملة "البيتكوين" وحدها  ما يزيد عن 10 مليارات دولار.وتراوحت قيمتها السوقية ما بين  ثمانية الاف دولار- عشرة الاف دولار.

 وتستخدم العملة الرقمية في العمليات التجارية اليومية وهو  الامر الذي يتطلب وجود بنية تحتية مادية لدفع المال والتمكن من تسديد المدفوعات إلى بائعين فعليين بدلا من استخدام مواقع إلكترونية فقط. ومن ثم فان التقنية المطلوبة لتمكين تسديد تلك المدفوعات تشمل الهواتف الذكيّة.

وتستخدم العملات الرقمية كوسيلة لنقل العملة بشكل آمن وغير مرئي من أجل تحقيق غايات خاصة ،ولا يوجد دليل على أنّ مجموعات الجريمة المنظّمة قد تمكنت من تطور او نشر عملات رقمية ،ولكن هناك أدلة على أنّ بعضاً من تلك المجموعات قام باستغلال عملات رقمية مثل "البيتكوين " في عمليات غير شرعية .

ومن اهم الاستخدامات ذات الطبيعة الجنائية الاكثر شيوعا  للعملات الرقمية وبخاصة "البيتكوين"،هو في عمليات الحصول على الفدية حيث يقوم مجرمو الانترنت  بتشفير بيانات الضحية وعدم الافراج عنها الا بعد أن يتمّ دفع المبلغ المطلوب  بالعملة الرقمية ، وغالباً ما تكون بالبتكوين.وكذلك قد تستخدم العملة الرقمية في شراء البضائع غير المشروعه مثل المخدرات .

ومن جهة اخرى فان البحث عن أدلة على ان الارهابيين يستخدمون عملات رقمية تبقي فرصتها ضئيلة مقارنه بفرص الجريمة المنظمه ،وان ما تم الاعلان عنه من قبل تنظيم داعش ، عن الدعوة لجمع التبرعات عبر "البيتكونين" تاتي في اطار الدعاية وتضخيم الصورة الذهنية ،[8]

ومن جهة اخري تحاول بعض الدول او المنظمات التضخيم من قدرة تلك المنظمات الارهابية التي تعمل في محيط تقليدي يعاني من ضعف البنية التحتية وذلك بغية تحقيق اهداف خاصة تتعلق بشرعية التدخل عسكريا وحجم الانفاق على الامن والدفاع في المنطقة

ولا توجد أدلّة كافية على أنّ الارهابين  يبحثون في استخدام العملات الرقمية لتمويل أنشطتهم ،والتي حتى ان تم رصدها لن تكون بنفس قوة استخدام الجرمة المنظمة .

ولكن ربما يتم التطور في المستقبل في فهم العملية التقنية للعملات الرقمية من جانب الفاعلين من غير الدولة ،وذلك لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية بما يدفعها لزيادة الاهتمام بالعملات الرقمية .

وظهرت حالات نشر العملة الرقمية لتحقيق اهداف سياسية من اجل ان تحل محل العملة المادية السيادية التابعه للدولة وذلك مع موافقة الحكومة او بدونها ،فقد تم نشر عملة "اوروراكوين"Auroracoinفي ايسلندا من قبل مصدر مجهول في مارس 2014، وذلك كوسيلة لتوفير عملة  أقل عرضة للتضخم وغير خاضعة لأنظمة الرقابة المالية الحكومية . [9]

وقد تقوم بعض من الفاعلين من غير الدولة بتعزيز قدرتها في مجال العملات الرقمية والسيطرة على عملياتها وذلك من قبيل ان تتحول الى اداة لزيادة النفوذ السياسي والاقتصادي في المناطق المتنازع عليها من قبل الحركات المتمردة .[10]

إن التغيّرات في النظرة إلى العملات الرقمية في المستقبل، لا سيما من حيث الثقة فيها  كعملة مضمونة ومرنة ومتاحة، قد يزيد وفقا لإحتمال اعتمادها.بل يمكن القول ان اعتماد تلك العملات من قبل دولة كبيرة اقتصادية قد يؤثر بشكل كبير في اعتماد ونشرتلك العملات الرقمية . واتجهت احدى اكبر شركات الدفع الالكتروني في العالم وهي شركة "ماستركارد" الى المشاركة في عملية تمويل لصناعة "التشفير"لانتاج مجموعة من العملات الرقمية .

ومن المتوقع أن يكون لدى 65% من البنوك مشاريع للاستثمار في "سلسة الكتله" مع تصدر هذا التوجه من قبل البنوك الكبيرة التي لديها أكثر من 100 ألف موظف. ومع نشوء المدن الذكية لدعم البرامج الوطنية، ينبغي أن تكون الحكومات مستعدّة لمواجهة التهديدات التي تتراوح ما بين القرصنة والجريمة الإلكترونية، وهنا يكمن دور تقنية "سلسلة الكتلة" في مساعدة تلك المدن على تحقيق أهدافها من الاقتصاد الرقمي في الوقت الذي تضمن فيه أقصى درجات في أمن الشبكة.

 محددات انتشار العملات الرقمية

  وتبقي محددات استخدام العملات الرقمية حائلا دون انتشارها لدى عديمي الخبرة او الكيانات الصغيرة ،وبخاصة مع،

اولا ، افتقاد المهارات اللازمة لنشر العملات والتنقيب عنها وتحتاج الى بنية تحتية متقدمة ،وبخاصة ان الجماعات الارهابية او الحركات المتمردة تعمل غالبا في اطار بنية تحتية مادية ضعيفة ،وقدرات محدودة في الاختراق او التشفير ، مثل الهواتف الذكية ، وذلك مع افتراض ان يتم استخدام تلك العملات الرقمية كمصدرا لتنمية راس المال في المناطق الفقيرة او المهمشة ، [11]

وثانيا ، أن القوانين النقدية التي تقوم عليها العملة الرقمية تحتاج إلى تحديد وتطبيق مستمر. وبذلك، فإنّ هذه القوانين تحدد خصائص تلك العملة والكيفية التي سيتم بها تحفيز الجهات الفاعلة لتدشين وتأمين العملة، وذلك سواء إذا كان سيتم وضع سقف محدد للعرض النقدي أم سيواصل نموه، وما إذا كان المال سيكون مقيداً جغرافياً أو يمكن استخدامه على نطاق عالمي. ووجود  نظام مركزي يتم  من خلاله وضع هذه القوانين وتنفيذها من قبل السلطة المركزية.

وثالثا ، انه على الاقل في البداية ما زالت ثقة المستخدمين في العملات الرقمية  ضعيفة  لذا يحتاج المستخدمون لبعض الوقت لكي يعتادوا على تلك العملات ويطمئنوا للنظام والاستقرار وسهولة استخدام العملة.

رابعا ، ان عملية الوصول الى العملات الرقمية تحتاج باستمرار الى الالمام التقني بتطويرها ونشرها والحفاظ علهيا كخدمة الكترونية والى جانب مهارات في مجال ربط الشبكات والحوسبة وتقنيات التشفير .

خامسا،  التأكد من أن مستخدمي العملة يتمتعون بالوصول الثابت والاكيد  إلى عملتهم بما يستلزم المستوى الادنى الكافي من الالمام التقني بما يسمح  باستعمالها في العمليات اليومية.

سادسا ، القدرة على تحقيق قدر هام من مستويات التأمين لسرية العمليات التي يطالب بها المستخدمون، وتأمين سلامة العملية ليتأكد من خلال ذلك  المشترين والبائعين من التبادل المناسب، وذلك كله من دون الحاجة إلى خبرة تقنية متقدمة جداً.

سابعا ، العمل على  حماية وسلامة العملة الرقمية وتوفيرها ومواجهة الأخطار الالكترونية المتقدمة ولاسيما تلك اتي يقف ورائها دول قومية  تعارض نشر  تلك العملات الرقمية من جانب فاعلين من غير الدولة .

ثامنا،هناك احتمالية شن هجمات الكترونية للاستفادة من أي ضعف في البرمجيات بما يؤثر على خدمات العملات الرقمية من خلال استهداف  البنية التحتية التقنية،وهو ما يؤثر على الامن والسلامة.

تاسعا ، تحدي تحول العملات الرقمية  من مجرد "عملة" الى " سلعة" وهو ما يجعلها  تتسبب في أزمات اقتصادية طاحنة، وهو ما يجعلها عرضه للمضاربات والتفاوتات الكبيرة في الاسعار .وذلك بسبب تسابق الكثيرين  للحصول عليها، وهو ما يجعل الاعتماد عليها كعملة دولية متداولة محفوف بالمخاطر، ولا يمكن الوثوق بها كعملة معتمدة.وذلك مع عدم وجود رقابة مركزية عليها .

عاشرا ، ان وجود نظام لا مركزي وغير خاضع لسيطرة الدولة ،يجعل تأثير تلك العملات  بيد أشخاص لا دول قد يثير كثيرا من المخاوف لدى الحكومات التي لن تجد جهة بنك مركزي تخاطبه حيال هذه العملة.

اخيرا ، ما يخيف البنوك المركزية في العديد من دول العالم في التعامل مع العملات الرقمية هو صعوبة السيطرة عليها او مراقبتها ناهيك عن خطورة انتقال رؤوس الاموال الملية وتسريبها الى الخارج في شكل عملات رقمية ،ناهيك عن الاخطار الي تتعلق بخطوره استخدامها في غسيل الاموال والجريمة المنظمة وتمويل الارهاب.

 مستقبل العملات الرقمية

 مرّت حوالى عشر سنوات  على بداية فكرة العملات الرقمية ،وهو ما يطرح العديد من التصورات حول مسقبل تطورها على الاقل في غضون  السنوات العشر أو العشرين القادمة ، ويتبني  المنظور التاريخي والذي هو بمثابة إختبار فكريّ، فرضية ان يكون اساس التطور متوقفا على وجود البنية التحتية المعلوماتية و قدرة الجهات الفاعلة القليلة من الالمام  بالمجال الالكتروني في سبيل  الوصول الدائم والمؤمن إلى خدمات إلكترونية ،وقدرة الفاعلين من غير الدولة في مقابل موقف الحكومة الرسمية من استعمال تلك العملات الرقمية .

وسيتعلق مستقبل العملات الرقمية بالتحرك في اربع دوائر  أساسية هي دائرة المستهلكين الذين يدفعون بـ "البتكوين" ،ودائرة التجار الذين يقبلون بها ،ودائرة المنقبين الذي يقومون بتشغيل الأجهزة التي تقوم بالمعالجه ،ودائرة المطورين ورواد الأعمال الذي يقدمون خدمات ومنتجات جديدة. وهو ما يدفع الى ان تصبح العملة الرقمية مثل الخدمات الاخري الشعبية مثل خدمة الدفع الالكتروني او الانترنت او الفيسبوك .

وبسبب التقلبات التي تواجه العملات الرقمية بين الحين والأخر ثمة صعوبة في تبني توقع محدد لمستقبل العملات الرقمية ،ولكنه يمكن القول ان هناك نموا لدورها في البيئة المالية والمصرفية على المستوى العالمي .

وهو ما قد ينعكس في إحداث تحولات في مواقف الدول المعارضة لها في المستقبل ،وبشكل يتم زحفها رويدا رويدا لتحتل الصدارة في الأسواق المالية،وبخاصة في ظل التطور الهائل في مجال التحول الرقمي والتقنيات الرقمية و الذكاء الصناعي،و التي تدعم عمليات التحول في البيئة الماليّة التقليديّة للدخول في البيئة الرقمية الجديدة التي  تقبل تداول هذه العملات،وذلك بالاعتماد بشكل كبير على الاستثمار في التقنية –سلسلة الكتلة -  للعملات الرقمية بغض النظر عن خسارة او مكسب احدى العملات الرقمية .

وتظل عملية التقدم في تنظيم استخدام العملات الرقمية تحديا قابلا للحل والمواجهة في ظل تلك الرغبة والقدرة في الدخول في تعاملاتها و البيئة الرقمية المالية المحفزة ،وهو  الأمر الذي يحتاج  الى تضافر الجهود بين البلدان، إذ يجب على السلطات النقدية معاً البدء في التفكير بالسبل اللازمة لتنظيم الأمر في أنحاء العالم.وحين يتم  التحرك رسمياً تجاه العملات الرقمية، قد يحدث ما يصعب تقديره، لكن التحول ربما يحدث من 5 إلى 10 سنوات،

وبشكل عام،يحمل ذلك وجهين مختلفين ،يتعلق الاول بالقدرة على التامين والحماية من جانب الأجهزة الأمنية والدفاعية للمعلومات والعمليات الالكترونية ،و لكن من جانب من جهة ثانية ،يتيح ذلك الفرصة للأعداء سواء لدول او لحكومات من تهديد تلك المصالح الالكترونية واستخدام المجال المحمي نفسه من تحقيق أهداف تضر بالامن القومي .

،الا ان تلك الأخطار وغيرها لا تمثل الا امرا طبيعا مع امر جديد ويغيب عملية فهم تقنية عملة عن الكثير من المختصين ، والتي لا تعدو عن كونها خدمة مالية –رقمية من شانها تسهيل التواصل والتبادل بين الشركاء بعيدا عن البيروقراطية التي تفرضها البنوك العاملة او البنوك المركزية وعلى الرغم من الوجود لمعاملات ومعالجات مالية إلكترونية  لكن تقنية  “سلسة الكتلة ” يمكنها أن توفر نظما أكثر تطوراً مع حقبة “الأموال الذكية” المحتملة.

  ،ولعل الحوافز الاقتصادية لانتشار العملات الرقمية سيدفع الى التبني على حذر في المرحلة الحالية مع التطور الموازي الذي تقوم به بعض الدول في مجال تقنين استعمالها وفرض ضرائب على تداولها ، و تواجه عملية التشجيع  لاعتماد العملات الرقمية كبديل عن العملات الرسمية  تحدي يتعلق بمدى قبول المجتمع لها كاساس لتبادل السلع والخدمات،ومن ثم فانها تفتقد الى الخلفية التاريخية والي الشرعية في استخدامها ، وبخاصة انه لا يوجد لها غطاء ذهبي او نقدي كما تم اعتمادة في النظام المالي العالمي.ولكن قد يتم التغيير في الاتجاهات عندما تصبح التقنية القائمة على  العملات الرقمية اكثر شيوعا وجديرة بالثقة ، وان تكون الوسيلة  الاكثر قبولا  للقيام بعمليات التحويلات المالية .وما زال هناك تحدي في قدرة  عملة رقمية لكي تحل محل العملة العادية –الورقية في العمليات التجارية اليومية ،ولن تنجح على الاقل في المدى القصير في ازاحة العملات الورقية وربما تتمكن في تحقيق ذلك في المستقبل .

وربما تستفيد العملات الرقمية أيضاً من الدول النامية حيث إنها منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام عبر الأجهزة الإلكترونية، كما ستمكن هذه العملات من زيادة النشاط بالخدمات المالية حول العالم،وسيكون للعملات الرقمية  تاثيرات ايجابية كلما زاد عدد المتعاملين بها وزيادة قيمتها في ذات الوقت ،هو ما يحفز الاخرين لاستخدامها .

وتم الاعلان عن تحالف مصرفي عالمي لاصدار عملة إلكترونية جديدة ويتكون من البنك السويسري العالمي “UBS”، و”دويتشه بنك” الألماني، وبنك“سانتاندر” البريطاني، إضافة إلى المصرف الأميركي “بني ميلون”.

وعلى الرغم من كل هذه الاختلافات، فإن الحكومات بدأت في اتخاذ خطوات للتكيف مع العملات الرقمية، باعتبارها أمرا واقعا وعملة متداولة لها قيمة ومقابل بعد أن كانت بعض الدول كالصين تجرّم التعامل بها.

وهناك عدد من الدول التي تتسابق من اجل تشجيع الاستثمارات في العملات الرقمية مثل دولة "استونيا "، حيث تعمل على جذب المستثمرين من جنوب شرق اسيا ،بالاضافة الى توجه دول اخري مثل المانيا ببحث فرض ضريبة ارباح على تلك العملات الرقمية ،ووفي بلدان مثل بريطانيا وروسيا وكندا وأستراليا والصين، يدرس حالياً كيف يمكن صك العملة الرقمية الخاصة بكل دولة وضخ الأموال عبر نظام إلكتروني، وقد كثفت البنوك المركزية هذا العام من جهودها في هذا الصدد.

إلا أن التحدي الموجود حاليا للدول ولمطوري العملات الرقمية هو مدى إمكانية تطوير مرونة العملات الرقمية. فهي بحكم حداثتها لا تملك المرونة التي تملكها العملة المركزية؛ ولذلك فإن تحويل العملات من رقمية إلى مركزية قد يستغرق وقتا يصل إلى ساعات. وقد تكون هذه بداية لنوع جديد من العملات الرسمية العالمية، وتطويراً جديداً للنظام المالي في العالم.

ولعل الاثر السياسي والاجتماعي سيكون ملموسا على المديين الطويل والقصير كنتيجة لبروز العملات الرقمية كنمط جديد من الخدمات الالكترونية التي تزداد مرونه وانتشارا حتى بين المستخدم الاقل الماما بمهارات المجال الرقمي .

ويبقى القول ان عملية فهم التقنية المرنة التي تتيحها العملات الرقمية ستلعب دورا هاما في المستقبل بشان الحكم على انتشارها والدرجة في الثقة بها ، وواقع الحال يشير انها قد كسبت ارض كبيرة مقارنه ببدايتها كفكرة منذ عشر سنوات ، فقد حظيت على اعتراف دول كبري بها ، ودول اخري تفكر في اصدار عملات رقمية خاصة بها ، ودول اخري تستثمر في عمليات التنقيب ، ولا يرتبط الموقف من العملات الرقمية بانواعها المتعددة بل يرتكز على القدرة على توظيف تقنية "سلسلة الكتلة " في تسهيل العمليات المالية ،وهي التي ستحدث ثورة في المجال المالي العالمي ، وربما يطور الأمر الى وجود سلطة مركزية كبري تنظم آليات التعامل مع تلك العملات الرقمية الجديدة ،وتضع القواعد المنظمة والملزمة للدول كما نجح المجتمع الدولي من قبل في التعامل مع مخاطر اخري شبيه .

ومن ثم فان عملية التقدم في فهم الطبيعة التقنية للعملات الرقمية يمكن ان تساهم في التطور المالي والاقتصادي وانعكاس ذلك في حجم الاستثمارات والنمو ،وان من سيفهم اولا سيتمكن من ان يكون له وجود في مستقبل التحول المالي الرقمي ،وعلى الرغم من خطورة العملات الرقمية على الامن القومي وسيادة الدولة المالية الا انها يمكن ان تتحول الى فرصة لتعزيز الاقتصاد الوطني وحماية الأمن القومي من خلال الاستثمار في الابداع والابتكار وإطلاق مبادرات وطنية تحافظ على دوره راس المال في الداخل وتحمي الاقتصاد الوطني من التدخلات الخارجية.    

*خبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية  –مدير مشروع المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني



[1]Marc Andreessen, “Why Bitcoin Matters,” New York Times online, January 21,2014. As of February 23, 2015, https://goo.gl/WLZLTN ,last visited 6/6/2018,

[2]Peter L. Bernstein, The Power of Gold: The History of an Obsession, Hoboken, N.J.:Wiley and Sons, Inc., 2004.

[3]Jeffry A. Frieden, Global Capitalism: Its Fall and Rise in the Twentieth Century,New York: W. W. Norton and Company, 2006.

[4] وتم إصدار هذه الكمبيالات بحسب عملات الدول على غرار النموذج الحديث لكتابة "شيك مقابل رصيد ماليّ في حساب جار. وتعد "كمبيالات " القرن الثالث عشر، ابتكار للبحث عن آليات ملائمة تسمح للمستخدمين باستخدام العملات التقليديّة بفاعليّة أكبر إذ انها تشكل عملات جديدة على عكس العملات الرقمية.

[5]Glyn Davies , A History of Money: From Ancient Times to the Present Day, Chicago:University of Chicago Press, 2005

[6]Joseph Bonneau, Andrew Miller, Jeremy Clark, Arvind Narayanan, Joshua A. Kroll, and Edward W. Felten, “Research Perspectives on Bitcoin and Second-Generation Cryptocurrencies,” Proceedings of IEEE Security and Privacy 2015, San Jose, Calif.: IEEE Computer Society, May 2015

[7]Eric Helleiner, The Making of National Money: Territorial Currencies in Historical Perspective, Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, 2003.

[8]Adam Taylor, “The Islamic State (or Someone Pretending to Be It) Is Trying toRaise Funds Using Bitcoin,” Washington Post online, June 9, 2015. As of June 25,2015: https://goo.gl/oLnhcJ last visited 26/5/2018

[9]Alex Hern, “Bitcoin Goes National with Scotcoin and Auroracoin,” Guardian website, March 25, 2014. As of October 7, 2015: https://goo.gl/5BmiQx last visited 4/6/2018

[10] قام شخص يدعى " ديريك نيسبت "  Derek Nisbetبإطلاق عملة "سكوتكوين" Scotcoin كعملة اسكتلندية جديدة مستقلّة ، وتقوم الاكوادور بدراسة إمكانية استخدام عملة رقمية  كبديل للعملة المادية، ولم تعاقب الحكومة الشرعية في ايسلندا واسكتلندا صراحة نشر العملة الرقمية .

[11] Damjan Pfajfar , Giovanni Sgro, and Wolf Wagner, “Are Alternative Currencies a Substitute or a Complement to Fiat Money? Evidence from Cross-Country Data,” International Journal of Community Currency Research, Vol. 16, 2012, pp. 45–56.

اقرأ ايضآ

  • من التواصل الاجتماعي إلى معرض الأحوال الشخصية
  • باسوورد
  • الذكاء الاصطناعي والأفق الخطير
  • اختراع الذكاء
  • تحليل البيانات الضخمة وبيولوجيا الكم والسموم.. علوم الثورة الصناعية الرابعة -
  • فيسبوك
    تعليقات


    هدية من الفيسبوك لمكتبي،شكرا..مارك وفريق العمل .. ولكن!
    فوجئت باتصال من احدى شركات الشحن بوجود طرد من امريكا لي ، وانه عبارة عن كرتونة ورقية متوسطة الحجم ،

    هل تمثل العملات الرقمية تهديدا للاقتصاد والأمن القومي ؟
    تطرح عمليات التحول الرقمي من حين لأخر فرص وتحديات أمام المجتمع نتيجة لحجم المكاسب المتوقعه وفي نفس ا

    اختراع الذكاء
    فى مقال الأسبوع الماضى وصفت الثورة الصناعية الرابعة التى تجتاح العالم بأنها ثورة الذكاء او الثورة ال

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    هل تعتقد ان تنظيم داعش سيظهر بقوة مرة اخرى عبر الفضاء الالكتروني؟
    نعم
    لا
    ربما
     
        
    التاريخ