مقالات -
الفجوة المعرفيّة- الرقميّة مدخل الإرهاب لتجنيد الشباب غرباً

: 1961
الخميس,25 يناير 2018 - 01:27 م
كتب غسان مراد أستاذ الألسنيّات الحاسوبية والإعلام الرقمي في الجامعة اللبنانيّة من مداخلة في مؤتمر «يونيسكو» عن تأثير الـ «سوشال ميديا» في التطرّف

الفجوة المعرفيّة- الرقميّة مدخل الإرهاب لتجنيد الشباب غرباً

الفجوة المعرفيّة- الرقميّة مدخل الإرهاب لتجنيد الشباب غرباً
اضغط للتكبير

يطرح مراقبو عوالم التقنية أسئلة كثيرة حول دور العلوم في إنتاج المعرفة، وكذلك عما إذا كانت التقنيّات التي تتيح وصول الجموع إلى المعلومات تؤدي حتماً إلى إنتاج المعرفة وردم الفجوة المعرفيّة، بغض النظر عن السياقات السياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة. ويثيرون سؤالاً مقلقاً عن علاقة التفاوت في الوصول إلى المعارف بين الدول وداخل المجتمعات (أي «الفجوة المعرفيّة»)، مع ظاهرة تجنيد شباب عرب ومسلمين يعيشون في الغرب عبر شبكة الإنترنت، خصوصاً مواقع الـ «سوشال ميديا».

ومن المسلّمات أنه إذا كنا لا نستطيع أن نحوّل المعطيات إلى معلومات من خلال استخدام المعرفة المكتسبة، سنبقى مستهلكين لما ينتجه آخرون، ما يؤدي إلى بقائنا في عمق الفجوة. وإذا كانت التقنيّات هي أساس تلك الفجوة حاضراً، فهل تتقلّص فعليّاً بمجرد الحصول على أجهزة إلكترونيّة وتطبيقات رقميّة، أم أن المسألة أعمق من ذلك؟ كيف يمكن نَظْم المهارات والكفاءات المتّصلة بالمعرفة وانتاجها في التنمية الاجتماعيّة والفكريّة، وإيجاد فرص عمل، والمساعدة أيضاً في الحدّ من التطرّف؟ وبوضوح، يلاحظ أنّ المنظّمات المتطرّفة على اختلاف دياناتها وهويّاتها ودرجة علاقاتها مع الدول والاستخبارات، عرفت كيف تستفيد من الشبكات الاجتماعيّة في إرساء ثقافة الكراهية، ونشر بروباغاندا متطرّفة وعنصريّة في الدول الغنية والفقيرة كلّها، وتعمية الرأي العام عما يحصل فعليّاً. هل يعني ذلك أنّ الاستخدام المحترس للشبكات الاجتماعيّة يشكل بحدّ ذاته رادعاً أمام تجنيد شباب يعانون من فجوات اقتصاديّة واجتماعيّة ومعرفيّة، بل هم متروكون أصلاً لمصيرهم في الدول الغنيّة والفقيرة على حدّ سواء؟ ما هو دور الإعلام التقليدي والرقمي، في ذلك المسار برمّته! هل هو عنصر في تجهيل الشعوب؟ هل المؤسسات الحكوميّة والخاصة تؤدي دوراً في تكوين الفرد كمواطن متملك لمواطنية فعليّة؟ كيف يمكن الحديث عن بناء حكومات إلكترونيّة فيما بعض الدول في حاجة إلى «حكومات» فعليّة أولاً وقبل الحديث عن الحاجة إلى تلك الإلكترونيّة؟ هل أنّ التقنيّات هي التي قادت إلى المعرفة في الدول الغنية أم العكس (بمعنى أنها ظهرت في دول مقتدرة ومتمكنة علميّاً)؟ ألا يعني ذلك أن الشبكات الإلكترونيّة التطبيقات الرقميّة اُعطيت هالة تفوق واقع أمرها؟

ربما كسفينة غارقة في ماء الظمأ

عند التأمل في المعطيات السابقة، يجد الباحث نفسه معنيّاً بتفحص العلاقة بين منظومة الفجوة المعرفيّة ومنظومات تمييزيّة اخرى.

في الأدب الإنكليزي، هناك قصيدة فائقة الشهرة للشاعر صاموئيل تايلور كوليردج، عنوانها «أنشودة البحّار العتيق». ويصف أحد مقاطعها سفينة انقطع عن أشرعتها دفع الهواء، فلم تعد تتحرك. وبقيت أياماً تطفو بسكون على سطح محيط شاسع، فمات بحّارتها عطشاً وهم محاطون بالماء، سوى من نقل حكايتهم لاحقاً. وفي أبيات شهيرة أيضاً، يصف البحّار العتيق تلك الصورة فيقول: «ماء... ماء... ماء/ ماء في كل مكان/ لكن ليس من قطرة واحدة تصلح للشرب» («الحياة» 10 أيار /مايو2017).

ويشبه وضعنا الآن مع التطرّف ما تصفه الكلمات السابقة، بمعنى أنّنا غارقون فيه طوال الوقت، كحال تلك السفينة مع ماء المحيط. ويبقى الرجاء معلّقاً على أن تسعفنا التكنولوجيا في حل مشاكلنا، شريطة التفاعل بحكمة معها، كي لا ننتهي إلى مصير الهلاك الذي حاق بطاقم سفينة البحّار العتيق!

في موازاة ذلك، لا يمكن الحديث عن الفجوة المعرفيّة من دون التطرق إلى الفجوة الرقميّة Digital Divide، وهو أمر يظهر كبداهة عند مراجعة كل ما كتب عن ذلك الموضوع. وكذلك تندرج ضمن فجوات تمييزية أخرى، تطاول الدول والشرائح الاجتماعيّة وحتى الأفراد.

بذا، يصير الحديث عن الشباب صعباً، نظراً لارتباط شأنهم بمناحي الحياة كلّها. ولا يمكن سلخهم عن محيطهم الاجتماعي والعائلي والقومي والديني والتقني، وهم ليسوا شريحة خارجة عن التراكيب الاجتماعيّة.

ويفتح الحديث عن الفجوة الرقميّة وعلاقتها بالتطرّف أبواب نقاش عميم، بداية من مسألة استخدام الأدوات الرقميّة. وفي تجربة شخصيّة، نظّمْتُ ورشة ضمن «المؤتمر الدولي للوثائق الرقميّة» حول الفجوة الرقميّة. وانعقد المؤتمر في تشرين الأول (أكتوبر) 2006 في مدينة فريبورغ في سويسرا بُعيد الحرب الإسرائيليّة على لبنان. وخلال المؤتمر، نظّمْتُ معرضاً لصور دمار البنية التحتيّة، خصوصاً في بيروت المدمرة آنذاك، انتجتها بوسائل وتقنيات رقميّة. والمفارقة أنني اتّهِمْتُ آنذاك من قِبَل بعض المشاركين في المؤتمر بأنني إرهابي!

ويقود ذلك إلى التفكير في السؤال عن سبب تمكّن منظّمات الإرهاب الإسلاموي من تجنيد أشخاص يعيشون في دول متطوّرة وغنيّة. هل يرتبط الأمر بما قدمته (أو امتنعت عن تقديمه) تلك الدول لمناطق تتألّف أغلبيّة سكّانها من مهاجرين؟ هل أنّ أولئك وجدوا أن مناطقهم تشبه كانتونات خاصة، فكان من الصعب عليهم التأقلم مع المجتمعات المضيفة؟ هل ترسم تلك الصورة أفقاً مسدوداً أمام إمكان تأقلّم أولئك الشباب مع مجتمع يضعهم في مساحة تمييزيّة، أم أنّ رفضهم الاندماج جاء لأسباب أيديولوجيّة وسياسيّة؟

الأرجح أنّ كل تلك الخصائص مترابطة في ما بينها. ولكن من المستطاع أيضاً مناقشة مجموعة منها، خصوصاً تلك التي تربط بصورة مباشرة بالمحور الأساسي للمؤتمر، وهو تجنيد الشباب من خلال التقنيّات الرقميّة.


اقرأ ايضآ

  • التنظير الاجتماعي والثقافي للسلوك المعلوماتي المعاصر
  • اختراق البيانات يُنهي عهد خصوصية المستخدم ويلوّح بـ«عصا» الدولة الأمنية
  • الإعلام والتواصل الاجتماعي وتنامي خطاب الكراهية والتحريض ضد اللاجئين
  • وسائل التواصل تتلاعب بنا وتغيَّر العادات الاجتماعية
  • نظرة على أسلحة الفضاء الرقمي
  • فيسبوك
    تعليقات


    من يوقف نزيف المال والمعلومات في الشرق الأوسط؟
    على الرغم من تمكن الاجهزة الامنية المصرية في السنوات الاخيرة من القبض على متهمين في هيئة افراد وشر

    الدبلوماسية الإلكترونية والمدخل الجديد لإدارة السياسة الخارجية
    جاءت عملية اطلاق مصر مبادرة للتحول الرقمي في اطار تبني القيادة السياسية مشروعا وطنيا لخلق دوله اكثر

    مذبحة "الروضه " والرمق الاخير للجماعات الارهابية
    في حين حشدت شركات التسويق الالكتروني على ما اسمته بيوم الجمعه "البيضاء " والتي عرضت تخفيضاتها الهائل

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    هل تعتقد ان تنظيم داعش سيظهر بقوة مرة اخرى عبر الفضاء الالكتروني؟
    نعم
    لا
    ربما
     
        
    التاريخ