مقالات -
الإنترنت وحركة التغيير في إيران

: 1310
الثلاثاء,2 يناير 2018 - 12:47 م
كتب د.عادل عبد الصادق
نشر في جريدة الاهرام في 2009 يونيو 18

كشفت الحملة الانتخابية في إيران عن تغيرات كبري في رحم المجتمع هناك‏,‏ فقد دخل الإنترنت بقوة في معترك العملية الانتخابية‏,‏ خاصة من جانب الإصلاحيين‏,‏

كشفت الحملة الانتخابية في إيران عن تغيرات كبري في رحم المجتمع هناك‏,‏ فقد دخل الإنترنت بقوة في معترك العملية الانتخابية‏,‏ خاصة من جانب الإصلاحيين‏,‏ بما عمل علي إيجاد إعلام بديل للمعارضة وقوي التغيير مواز لإعلام الحكومة الذي يسيطر المحافظون بوجه عام‏,‏ وهو إعلام بديل استهدف الوصول للرأي العام مباشرة‏,‏ وإحداث تغيير في توجهات الناخبين الراغبين في التغيير والخروج من عباءة النظام الديني المتشدد إزاء الحريات‏,‏ فضلا عن الكشف عن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع الإيراني‏.‏

ظهر الإنترنت كوسيلة فعالة للمرشحين‏,‏ خاصة الإصلاحيين‏,‏ للدعاية والحشد والتعبئة والتجنيد والتعبير عن برامجهم الانتخابية وأفكارهم والتواصل مع الناخبين‏,‏ وكذلك في مخاطبة فئة الشباب الأكثر استخداما لتلك الأدوات والأكثر نفوذا في حسم السباق الرئاسي‏,‏ وجاء ذلك مع ما يزيد علي‏23‏ مليون مستخدم للإنترنت‏,‏ وبما يشكل ما يقرب من‏35%‏ من عدد السكان البالغ‏71‏ مليون نسمة‏,‏ يستخدم منهم أكثر من‏45‏ مليون شخص هواتف محمولة‏.‏

وتمثل بذلك واحدة من أعلي نسب الانتشار في الشرق الأوسط‏,‏ ويكتسب ذلك أهميته مع وجود مجتمع يشكل فيه من هم أقل من الثلاثين عاما ثلثي عدد السكان‏,‏ وما تحمله تلك الفئة من طموحات ورغبة جامحة في التغيير‏,‏ خاصة وسط الطلبة ذوي الدور التاريخي في التغيير في إيران‏.‏

وعلي الرغم من القيود التي تحاول أن تفرضها الحكومة الإيرانية علي الإنترنت‏,‏ إلا أنه أصبح وسيلة فعالة لقوي المعارضة والتغيير أو التيار الإصلاحي في الانتخابات‏,‏ وبمثابة أداة رخيصة وبعيدة عن السيطرة الحكومية‏,‏ وهذا ما دفع إلي ارتفاع مستوي المشاركة في الانتخابات لتصل إلي‏83%‏ علي نحو غير مسبوق من إجمالي‏35‏ مليون ناخب‏,‏ وجاءت تلك المشاركة الفاعلة نتاج جهود عديدة للمتنافسين لجذب الناخبين‏,‏ عبر استخدام العديد من أدوات الرأي والتعبير عبر الإنترنت كالمواقع والمجموعات البريدية وغرف الدردشة والمدونات والمواقع الاجتماعية وإنشاء مجموعات الفيس بوك للمرشحين وجذب الأعضاء إليها‏,‏ وقيام شبكة من التواصل مع الناخبين‏,‏ فضلا عن قيام المرشحين بإنشاء مواقع علي الإنترنت خاصة بهم والتراسل عبر تقنية البلوتوث ونشر أشرطة الفيديو عبر موقع يوتيوب‏.‏ وتمكن الإصلاحيون خاصة مرشحهم القوي موسوي من التعبير عن انتقاداتهم للرئيس نجاد وطرح رؤية مغايرة في تعامله مع قضايا الخارج والداخل‏,‏

وتمكن كذلك من تلافي احتكار الدولة للإعلام الرسمي ومنع محطات التليفزيون والإذاعة الخاصة من تغطية أخبار حملته الانتخابية‏,‏ مما عزز النقاش العام حول القضايا ا لداخلية والانفتاح علي الخارج‏.‏

وبذلك مثل الإعلام الجديد متنفسا للعديد من الآراء السياسية المختلفة والأقليات العرقية والدينية داخل إيران‏,‏ بالإضافة إلي تميزه بالسرعة في الانتشار وقلة التكلفة وتعدد الوسائل الإعلامية من النص والصورة والفيديو‏,‏ بما جعل من ذلك عناصر جذب للشباب الإيراني الراغب في الانفتاح علي العالم‏,‏ وفي الوقت نفسه‏,‏ التعبير عن مشاكله وهمومه السياسية والاجتماعية والاقتصادية‏,‏ وظهر ذلك في وصول عدد المدونات مثلا في إيران إلي ما يزيد علي‏700‏ ألف مدونة‏,‏ بما يشكل ثاني أكبر عدد للمدونين بعد الصين‏,‏ بل وقد أصبح لهؤلاء المدونين القدرة علي التأثير في قرارات السياسيين‏,‏ وفي تناول الكثير من الموضوعات التي كانت تعتبر ممنوعة من قبل‏,‏ وزادت درجة تفاعل الشباب الإيراني مع انتهاكات حقوق الإنسان‏,‏ وتمكن المعارضون والطلبة الإيرانيون من الوصول إلي شريحة واسعة النطاق من الجماهير وطرح رؤي مغايرة لما هو منشور في وسائل الإعلام الحكومية‏.‏ لقد دفعت القيود علي وسائل الإعلام الحكومية الشباب الإيراني لاستخدام أدوات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات للتواصل مع الداخل والخارج‏,‏

ودفع كذلك ميل الشعب الإيراني للمشاركة السياسية لاستخدام تلك الأدوات الإعلامية الجديدة في محاولة لتلافي الرقابة القوية علي الكتب والصحف المطبوعة والبرامج الإذاعية والتليفزيونية ونشاط المجتمع المدني‏,‏ وأصبح الإنترنت يتميز بالحرية النسبية الأوسع والأكثر اتصالا وتواصلا مع الآخرين‏.‏ وعلي عكس ما روج له النظام الإسلامي في إيران من ان الإنترنت يشكل تهديدا للهوية الفارسية‏,‏ فإنه عكس تعبيرا عن تلك الهوية عبر أهم خصائصها وهي اللغة‏,‏ حيث مثلت اللغة الفارسية واحدة من أكثر اللغات العالمية استخداما في المدونات‏,‏ وتم إنشاء العديد من المواقع باللغة الفارسية التي تعبر عن ثقافة وهوية ومصالح الشعب الإيراني‏.‏

وجاء رد الفعل الحكومي الإيراني إزاء هذه التطورات الكبيرة يسيطر عليه الشك وإعلان الخوف علي الاستقرار السياسي والاجتماعي بادعاء أن هناك مؤامرة خارجية لقلب النظام الإسلامي في إيران‏,‏ واتخذت عددا من الإجراءات للتحكم في استخدام الإنترنت‏,‏ واعتقال المدونين‏,‏ وزادت محاولات السيطرة عن طريق إلزام مقدمي خدمات الإنترنت بالحصول علي موافقة وزارة الثقافة‏,‏ بالإضافة إلي حجب المواقع التي تراها الحكومة تشكل تهديدا للجمهورية الإسلامية‏,‏ وتراها تنم عن مؤامرة لإحداث ثورة مخملية أو هادئة بمساعدة المثقفين وآخرين داخل البلاد وخارجها‏.‏ وقامت الحكومة وسط تزايد استخدام الإصلاحيين للإنترنت ونجاحهم في التواصل مع ناخبيهم بحجب تلك المواقع بين الحين والآخر‏,‏ وتم تعطيل خدمة إرسال الرسائل القصيرة وقطع جزئي لخدمة الإنترنت‏,‏ وفور إعلان النتائج وخوفا من رد الفعل العنيف عليها‏,‏ قامت السلطات بحجب مواقع الفيس بوك واليوتيوب‏,‏ بالإضافة إلي عدد من مواقع الإصلاحيين‏,‏ كما قامت بوقف مؤقت لشبكة المحمول الأولي التي تديرها الدولة‏,‏ وذلك خوفا من استغلال تلك الأدوات في تنظيم المظاهرات والحشد والتجنيد لها‏.‏

ويعكس ذلك في مجمله ارتباك النظام الإيراني في إدراك طبيعة تلك الأدوات الجديدة في الاتصال وحجم التغيير داخل المجتمع الإيراني‏,‏ وتجاهله لمدي الاستفادة من توظيف الأدوات نفسها التي يحاربها في تدعيم شرعيته والتأثير في الرأي العام‏,‏ وتعزيز قدرته علي امتصاص ما تعبر عنه تلك الأدوات من مطالب جماهيرية تضمن الاستجابة لها الشرعية والاستقرار‏,‏ إلا أن الصمود أمام رياح التغيير قد لا يستمر طويلا‏.‏

‏adelsadek@hotmail.com
 
 
 
 
 

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
أول مشروع بحثي مستقل في العالم العربي

اقرأ ايضآ

  • قراصنة روس لا يعلم عنهم الرئيس شيئا
  • 5 عقول للمستقبل
  • تنظيم داعش ونهاية البروباغاندا
  • كوريا الشمالية.. قوة في الحرب الالكترونية
  • الانترنت والدبلوماسية ومعركة القوة الناعمة بين الولايات المتحدة وايران
  • فيسبوك
    تعليقات


    من يوقف نزيف المال والمعلومات في الشرق الأوسط؟
    على الرغم من تمكن الاجهزة الامنية المصرية في السنوات الاخيرة من القبض على متهمين في هيئة افراد وشر

    الدبلوماسية الإلكترونية والمدخل الجديد لإدارة السياسة الخارجية
    جاءت عملية اطلاق مصر مبادرة للتحول الرقمي في اطار تبني القيادة السياسية مشروعا وطنيا لخلق دوله اكثر

    مذبحة "الروضه " والرمق الاخير للجماعات الارهابية
    في حين حشدت شركات التسويق الالكتروني على ما اسمته بيوم الجمعه "البيضاء " والتي عرضت تخفيضاتها الهائل

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    هل تعتقد ان تنظيم داعش سيظهر بقوة مرة اخرى عبر الفضاء الالكتروني؟
    نعم
    لا
    ربما
     
        
    التاريخ