مقالات -
لاعبون بالعقل' فيلم خيال علمي لا تنقصه الشاعرية

: 288
الاثنين,12 يونيو 2017 - 05:53 ص
كتب العرب طاهر علوان

الشاعرية لا وجود لحدود للشعور واللاشعور والعقل الباطن والذكريات، الغوص في هذا العالم الفسيح يقود إلى معرفة بالحس والخبرات المتراكمة وصولا إلى الأحلام وما هو قابع في العقل الباطن، وإذا كانت الدراسات والأبحاث في ميدان علم النفس قد أعطتنا الكثير من المعلومات عن ذلك العالم الكبير، فإن السينما وسينما الخيال العلمي والسينما التجريبية والاتجاه التعبيري في السينما قد ذهبت بعيدا في ملامسة تلك النقاط العميقة والمرتبطة بالوعي والذاكرة البشرية. ?

لاعبون بالعقل
اضغط للتكبير
? رحلة في العقل البشري في فيلم “لاعبون بالعقل” للمخرج أندرو غوث (إنتاج 2015) يتم الغوص عميقا في العالم النفسي والعقلي بمجاهيله، والقصة تبدأ من عام 2002 عندما أجرت إحدى الجامعات تجارب على الفئران لغرض إيجاد نظام يربط إحساسها وردود أفعالها مع فئران أخرى، ثم تطور الأمر إلى ربط مئة فأر في منظومة أو شبكة متكاملة ليكون عام 2027، هو عام تطبيق التجربة على البشر، ومن هنا تبدأ تلك الرحلة الغرائبية. في جامعة تضم النوابغ، يلتقي خمسة من الشباب ليخوضوا التجربة فكل منهم زرع شريحة تواصلية في رأسه ترتبط بنظامه العصبي وحواسه، ليتم التواصل الذهني وتبادل الأوامر في ما بينهم والغوص في عقول كل منهم، ومنذ تلك المرحلة سوف يعبّر أولئك النوابغ عن خبراتهم المتحققة في العالم المجهول الذي يسبحون فيه. ليس بالضرورة ما يجري أمامنا هو الحقيقة المستندة إلى نظرية الكم وإلى قوانين الفيزياء، بل هنالك الخيال العلمي المتّسع الذي يذهب بالشخصية بعيدا وإلى أقصى مستوياتها، ولهذا فإنك لن تجد في هذا الفيلم ما تبحث عنه من سرد خطّي وبداية ووسط ونهاية، بل هنا تختلط البدايات بالنهايات وبالحياة اليومية، وستنطلق الشخصيات بعيدا للتعبير عما تشعر به بأداء حركات الجمناستيك والقفز من أماكن عالية وغير ذلك. ? الصورة والخدع السينمائية ويتم خلال ذلك شحن الفيلم بعناصر بصرية كثيفة لغرض الإيحاء بما يتم الغوص فيه وتحقق النظريات التي جيء بسببها بكل شيء، هنالك جمالية ملفتة للنظر تنتظم في شكل انطباعي أو تعبيري سواء ما يخص المكان أو تجسيد ما تشعر به الشخصيات. وبموازاة ذلك هنالك جدل الديني في مقابل العلمي والحسّي، وهو الجدل الذي يفضي إلى اقتصاص كريوتز (الممثل سام نيل) من القس بعد سجال بينهما عن دور الدين في ما يتم إنجازه من اكتشافات علمية وتجارب لا يروق بعضها للكنيسة، مما يدفعه لاحقا إلى الإجهاز على القس لكي يمضي المشروع إلى نهاياته. وعلى صعيد التكوين والمنظومة البصرية، هنالك لمسات متعددة تعيدك إلى صور ستانلي كوبريك في فيلم “البرتقالة الميكانيكية” وإلى التكوينات الغرائبية في سلسلة أفلام جان كوكتو، كما احتوى الفيلم على شاعرية غزيرة في التكوين وتصميم المناظر، مما أضفى عليه طابعا مستقبليا زاده تحرر الشخصيات من قيودها، وهي تغوص في العالم الفسيح الذي وجدت نفسها فيه. ولعلّ المكان الافتراضي شكّل تحديا حقيقيا عند الغوص في تفاصيل الشخصيات التي تم تحويلها إلى كائنات مجرّدة أو مسلوبة الإرادة، فهي مرتبطة عبر “التشيبس” أو الشرائح الرقمية المغروسة في الرؤوس، وبالتالي مرتبطة بمنظومة واحدة تشبه مجموعة كمبيوترات إلكترونية تنقل الإيعازات والمحفّزات في ما بينها، وهو ما أضفى على الفيلم خصائص جمالية إضافية. وإذا كان الشباب الخمسة قد أدوا المهمة كاملة وأثبتوا فرضيات العلماء وخرجوا من المختبرات إلى الحياة، فإنهم في المحصلة النهائية يجدون أنفسهم في صراع قاس يفضي إلى مذابح في ما بينهم، ونلحظ ذلك من خلال الإيحاء بأن كلا من البروفيسور كريوتز والفتاة ستيلا ذات الشعر الأحمر (الممثلة ميليا كريلنك)، لهما أجندة مختلفة عما توصل إليه فريق الشباب الخمسة والمشرفين عليهم، وهو ما سيؤدي لاحقا إلى نوع من التمرد بتخليهم واحدا بعد الآخر عن الشريحة الرقمية وانتزاعها من الرأس، لنصل إلى الذروة في قتال المتدربة مادي (الممثلة دومينيك تيبر) للآخرين والإجهاز عليهم جميعا. وربما يأتي هذا الإجهاز الذي لا يستثني أحدا في إطار الإيحاء بضرورة إيقاف أولئك المتحوّلين إلكترونيا، وخوفا من تماديهم في المحاكاة الذهنية الإلكترونية في ما بينهم، مع أن نزعة التمرد كان قد سبق إليها جاكسون (الممثل توم باين) الذي أصبح قطبا أساسيا في ذلك السجال ما بين ما هو افتراضي وما هو خيالي وما هو واقعي. يتميز الفيلم بغزارة تعبيرية عميقة وسجالات متشابكة تمزج الحس بالوعي وبالنظريات العلمية وبالرقمنة الحديثة وبالوازع الديني وبنظرية الاستنساخ وبالتخاطر عن بعد… إلى غير ذلك، مما زاد من تعقيد الأحداث وغموضها وتراكبها سريديّا بسبب أنّ لا مسار محددا يمكنك تتبعه، حيث سيتداخل مع مسار آخر، فضلا عن تصعيد درامي مضاف من خلال الجريمة والعنف اللذين لن يخلو منهما الفيلم. احتشدت في الفيلم عناصر الصورة والخدع السينمائية وأحدث تقنيات ما يُعرف بـCGI، لنبحر عميقا في ما يشبه الصور الشعرية المتلاحقة، فضلا عن اعتماد عنصر الحركة لمنح الفيلم جماليات إضافية عززها المونتاج والانتقالات المكانية والزمانية والقدرات الملفتة للنظر لحشد الممثلين الذين بدوا فعلا كأنهم ينتظمون في مجموعة واحدة مطالبة بتقديم عرض مشوّق، رغم أنه مشوّش في بعض الأحيان. ?
أول مشروع بحثي مستقل في العالم العربي

اقرأ ايضآ

  • السيبرانية خطر القرن 21
  • صراع الأجيال.. حتمية حضارية أم عقم في التواصل
  • ترسانة إعلامية اسمها مقاطع الفيديو
  • هندسة العقل العربي رقميا
  • قراصنة الميديا دون أقنعة
  • فيسبوك
    تعليقات


    الشباب من الهامش الى فرص الدمج في عصر الشبكات الاجتماعية*
    أصبحت الشبكات الاجتماعية تستخدم كـ"أداة لتغيير السلوك" لدى الشباب العربي والذين هم أداة لتحقيق التنم

    فرص وتحديات تنظيم الاعلام الالكتروني ما بين دور الدولة والمجتمع
    فرضت قضايا الاعلام الالكتروني نفسها بقوة على اجندة النظم السياسية لكونها تمثل شكل جديد من الاعل

    المحتوى العربي الرقمي تحت مستوى الفقر
    المحتوى العربي الرقمي على الانترنت، و عادة يطلق عليه اسم المحتوى الالكتروني العربي،و أي كان الاختلاف

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    هل تعتقد ان شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت في العنف المجتمعي؟
    نعم
    لا
    ربما
     
        
    https://www.youtube.com/watch?v=lSznx02U7II&feature=youtu.be
    التاريخ